اجتهاد قضائي جديد ونوعي في مسائل مخالفات البناء أقرته محكمة استئناف الجنح في جبل لبنان، فنزع عنها صفة الجرم المتمادي غير القابل للانتفاء كما جرت العادة في القرارات القضائية السابقة والتي تُعَد بالآلاف، ووضعها في اطار الساقطة بمرور الزمن الثلاثي، أي بمعنى آخر ان كل دعاوى مخالفة البناء قابلة للسقوط قانونيا بمرور ثلاثة أعوام اذا تعدى وجودها هذه السنوات ولم تتم الملاحقة خلالها وتحديدا منذ تاريخ وقوع الجرم. وهكذا، فإن محكمة استئناف الجنح برئاسة القاضي أكرم بعاصيري وعضوية المستشارين ميشلين بريدي وجان بصيبص، حسمت موضوع اعتبار مخالفة البناء من الجرائم الآنية الدائمة، أي أن نتائجها تبقى دائمة، وليست المتتابعة، لتجاري بذلك محكمة التمييز الفرنسية التي سبق لها أن أعلنت في قرار معلل ومفصل أن جرم البناء من دون رخصة هو جرم دائم وليس متتابعا، ويمر عليه الزمن من تاريخ انتهاء البناء استنادا الى المادة 640 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسي التي تميز بين المخالفات المؤقتة والمخالفات الدائمة. وبالتالي، فإن الدعوى الجزائية تسقط ولكن الملاحقة المدنية، لجهة التعويضات عن المخالفة، تبقى قائمة. وقد أخذت هيئة المحكمة بما أدلى به وكيل المدعى عليه المحامي جهاد سبيتي في هذه الدعوى. نص الحكم وفي ما يأتي نص الحكم الصادر: باسم الشعب اللبناني إن محكمة استئناف الجنح في جبل لبنان المؤلفة من الرئيس أكرم بعاصيري والمستشارين ميشلين بريدي وجان بصيبص، لدى التدقيق والمذاكرة، تبين لها أن القاضي المنفرد الجزائي في شحيم قضى وجاهيا بتاريخ 18/2/2000 بموجب الحكم رقم 40/2000 بما يلي: أولا: بإبطال التعقبات عن المدعى عليه محمد حسين العاكوم في ما خص الجرم المنصوص عنه في المادة 738 عقوبات لعدم توفر عناصره. ثانيا: بإدانة المدعى عليه محمد حسين العاكوم والدته نعمت مولود عام 1941 لبناني رقم سجله 8/بسابا الشوف لمخالفته أحكام المادتين 8 و17/بناء ومعاقبته بمقتضى المادة 23/ بناء وبتغريمه بمبلغ ثلاثمئة ألف ليرة على أن يحبس يوما واحدا عن كل عشرة آلاف ليرة عند عدم دفع الغرامة. ثالثا: بإلزامه بإزالة الجزء المخالف من بنائه لا سيما الجزء الذي لم يؤمن فيه التراجع عن حدود عقار المدعي المسافة القانونية، والجزء الذي فتحت فيه نوافذ تطل على عقار الأخير بصورة غير قانونية. رابعا: بإلزامه بدفع مبلغ مليوني ليرة لبنانية عطلا وضررا للمدعي. خامسا: برد الطلبات الزائدة أو المخالفة. سادسا: بتدريك المدعى عليه الرسوم والنفقات القانونية. وتبين أن المدعى عليه استأنف هذا الحكم بتاريخ 24/2/2000 وطلب قبول استئنافه شكلا، وفي الأساس فسخ الحكم المستأنف وعدم ادانة المستأنف سندا للمادة 23/بناء وبعدم الحكم عليه بالغرامة وبالتعويض لأنه أجرى تسوية على المخالفة، وبكف التعقبات بحقه لعدم توفر عناصر الادعاء العام التي تحركت الدعوى العامة على أساسه ولعدم جواز ملاحقته بفعل من خارج اطار الادعاء والاحالة وتضمين المستأنف عليه الرسوم والمصاريف والعطل والضرر. وتبين أن المدعي الشخصي أحمد بهاء الدين استأنف تبعيا بتاريخ 3/3/2000 الحكم نفسه وطلب فسخه لجهة كف التعقبات بحق المستأنف عليه وطلب ادانة هذا الأخير بجنحة المادة 738 عقوبات وإلزام المستأنف عليه بتعويض مقداره خمسة عشر مليون ليرة وتصديق الحكم المستأنف لباقي جهاته وتضمين المدعى عليه المستأنف عليه الرسوم والمصاريف والعطل والضرر. وتبين أن المستأنف محمد العاكوم أدلى في مذكرته المبرزة في الملف بتاريخ 29/11/2000 بمرور الزمن على الجريمة موضوع هذه الدعوى وطلب اصدار القرار بإسقاط الدعوى لمرور الزمن واسترداد كافة الأوراق والمستندات الصادرة بنتيجتها، من دون تنفيذ وتضمين المستأنف عليه المدعي الرسوم والمصاريف والعطل والضرر. وتبين أن ممثل النيابة العامة طلب في جلسة المحاكمة المنعقدة بتاريخ 29/11/2000 رد الدفع الشكلي المتعلق بمرور الزمن، كما إن وكيلة المستأنف عليه المدعي المحامية أميرة برجاق طلبت في الجلسة المذكورة رد طلب المستأنف الأصلي الرامي الى اسقاط الدعوى العامة بمرور الزمن. وتبين أن المحكمة قررت في جلسة ختام المحاكمة محاكمة المستأنف عليه أحمد بهاء الدين كالوجاهي وقد كرر وكيل المستأنف الأصلي ما جاء في استئنافه وما جاء في مذكرة الدفع الشكلي، أما ممثل النيابة العامة فقد طلب تصديق الحكم المستأنف. بناء عليه أولا: في الشكل: 1 لجهة الاستئناف الأصلي: حيث ان الاستئناف الأصلي ورد ضمن المهلة القانونية بتاريخ 24/2/2000 مستوفيا باقي شروطه الشكلية فيقتضي قبوله شكلا. 2 لجهة الاستئناف التبعي: حيث أن المدعي قد تقدم باستئنافه التبعي بتاريخ 3/3/2000 أي بعد مرور أكثر من خمسة أيام على تقديم الاستئناف الأصلي المنصوص عليها في المادة 216، أصولا جزائية، فيكون الاستئناف التبعي واردا خارج المهلة القانونية ويستوجب الرد شكلا. ثانيا: في سقوط الدعوى العامة بمرور الزمن الثلاثي: حيث انه من الثابت في أوراق الملف أن المستأنف قد أشاد بناء على عقاره مساحته 108 م2 في الوقت الذي كان مرخصا له أن يبني مساحة ستين مترا مربعا، أي أنه خالف أحكام قانون البناء بمساحة ثمانية وأربعين مترا مربعا فضلا عن أنه لم يحترم في بنائه التراجع عن عقار جاره المستأنف عليه أحمد بهاء الدين الواجب عليه قانونا، وحيث انه من الثابت أن المستأنف عليه المذكور قد تقدم بتاريخ 8/7/92 أمام قائمقام الشوف بشكوى بوجه المستأنف بخصوص مخالفة البناء التي ارتكبها هذا الأخير المشار اليها أعلاه وبأن مخفر شحيم استنادا الى الشكوى المذكورة نظم المحضر رقم 23/401 بحق المستأنف بتاريخ 25/10/92، وقد ورد في هذا المحضر أن البناء موضوع المحضر العائد للمستأنف كان منجزا بتاريخ تنظيم المحضر ومأهول ولم يرد في هذا المحضر تحديد تاريخ قيام المستأنف بإشادة البناء المخالف، وحيث ان المستأنف محمد حسين العاكوم قد أورد امام الخبير زاهر الحجار في محضر الكشف الحسي المنظم من قبل هذا الأخير بتاريخ 2/4/93، أنه أتم بناءه المخالف في عقاره في العام 1977، وحيث أن المستأنف عليه أحمد بهاء الدين قد صرح للخبير المذكور في المحضر المنوه عنه ووقع تصريحه بأنه لا يدري متى بنى المستأنف محمد حسين العاكوم منزله، وحيث ان المستأنف عليه أحمد بهاء الدين قد أفاد في استجوابه في المحاكمة الابتدائية في الجلسة المنعقدة بتاريخ 9/4/97 بأن التعدي الذي ارتكبه المدعى عليه هو قيامه بتشييد بناء من دون التراجع القانوني وان ذلك قد تم حسب ما يذكر خلال العام 1978، وحيث ان صورة افادة انجاز البناء موضوع الدعوى تشير الى أن البناء العائد للمستأنف قد أنجز خلال العام 1980، كما إن محضر مخفر شحيم عدد 23/201 تاريخ 25/10/92 قد أورد أن البناء المشار اليه منجز ومأهول وتبلغ مساحته /108/ م2، وحيث انه من الثابت في الكتاب الموجه من رئيس بلدية بسابا الى قائمقام الشوف بتاريخ 25/7/92 أن المستأنف قد بنى على عقاره بتاريخ 6/7/92 تصوينة ودرجا بدون ترخيص قانوني، وحيث انه من الثابت في افادة رئيس قلم محكمة شحيم المؤرخة في 21/3/96، أنه صدر بحق المستأنف ثلاثة أحكام موضوعها مخالفة بناء بتاريخ 24/35/9 و49/9/42 نفذت جميعها بحقه، وهذه الأحكام تتعلق بدون شك بمخالفة البناء التي ارتكبها المستأنف بتاريخ 6/7/92 المتعلقة بالتصوينة وسلم الدرج المنوه عنهما، وهذه المخالفة لم ينتج عنها أي ضرر للمستأنف عليه، وحيث انه من الثابت في الأوراق، أن المستأنف قد أجرى خلال العام 1995 تسوية لمخالفة البناء الكائنة على عقاره، وحيث ان الدعوى العامة المتعلقة بمخالفة البناء التي ارتكبها المستأنف في العام 1977 أو العام 1978 والتي لم يراع فيها في بعض الأماكن التراجع القانوني عن عقار المستأنف عليه قد سقطت بمرور الزمن الثلاثي قبل أن تتحرك الدعوى العامة بشأنها في الدعوى الحاضرة بعد أكثر من خمسة عشر عاما، وحيث انه يقتضي فسخ الحكم المستأنف واسقاط الدعوى العامة المتعلقة بمخالفة البناء موضوع هذه الدعوى بمرور الزمن الثلاثي كما يقتضي حفظ حق المستأنف عليه بمراجعة القضاء المدني المختص بخصوص الأضرار التي يطالب بها، لذلك، وبعد سماع مطالعة ممثل النيابة العامة الاستئنافية تحكم بالاجماع: أولا: بقبول الاستئناف شكلا. ثانيا: في الأساس، بفسخ الحكم المستأنف وبنشر الدعوى ورؤيتها انتقالا وبإسقاط الدعوى العامة عن المدعى علي محمد حسين العاكوم بمرور الزمن الثلاثي وبحفظ حق المدعي أحمد بهاء الدين بمراجعة القضاء المدني المختص بشأن مطالبه موضوع هذه الدعوى. ثالثا: بتضمين المستأنف عليه أحمد بهاء الدين الرسوم والمصاريف القانونية. حكما كالوجاهي أصدر وأفهم علنا بحضور ممثل النيابة العامة بتاريخ 26/7/2001.