يقدم عاطف فضول دراسة مقارنة للنظرية الشعرية عند إليوت وأدونيس يزعم فيها ان دور أدونيس في حركة الشعر الحر يشبه دور إليوت في حركة الشعر الجديد (الانكلوأميركية) وذلك من جانب التنظير للشعر، والتأثير في الشعراء اللاحقين. تقوم المقارنة بين سياقي النظرية الشعرية لكل من الشاعرين.. يبدأ المؤلف بعرض تاريخي وفكري لأزمة الفكر الغربي والمعالجات الشعرية للتعامل مع هذه الازمة، وموقع إليوت في مواجهته مع الحضارة ومعطياتها.. إذ يعترف إليوت بتأثير الحركة الرمزية الفرنسية من بودلير الى فاليري عليه وعلى الشعراء الانكليز بعامة.. ويتفق كل من إليوت وباوند على ان حركة الشعر الجديد كانت ظاهرة أميركية، وكتب إليوت عدة مقالات عن تأثير »ادغار آلن بو« و»ويتمان« في الشعر الاوروبي، وتأثير »بو« على الشعر الفرنسي تحديدا عند بودلير ومالارميه وفاليري.. ويوجد شبه إجماع على اهمية إليوت النقدية، ويعده »رينيه ويلك« الناقد الاكثر اهمية في القرن العشرين لا سيما في العالم الناطق بالانكليزية.. ويؤكد »ستيد« ان إليوت وباوند أضافا الى التصويرية ما يسميه مبدأ (الجمع) »وفق هذا المبدأ يمكن ان تضاف الصور النقية الى بعضها دون فرض بنية ودون تواصل منطقي او سردي.. وبسبب فردية الدافع الشعري تبدو منسجمة او قابلة للانسجام«. ولا وجود لنظرية في الشعر حسب رأي إليوت تمنحنا خطا فاصلا مطلقا بين الشعر واللاشعر وان أي تأكيد يضفيه ناقد على قيمة شعر معين يعتمد على تعريف ما للشعر ضمني أو ظاهر لا يستطيع ان يجبر اي شخص آخر على قبوله.. وفي مقالة له بعنوان: »درس فاليري« يشكك إليوت بقيمة اي تنظير فلسفي حول الشعر.. وفيما يخص الشعر العربي الحديث يتحدث فضول عن تحوّل نوعي في كل من الشعر العربي والنظرية الشعرية العربية في أواخر الخمسينات حين بدأ الشعر العربي يعير اهتماما أكبر للايديالوجيا وللقضايا السياسية والاجتماعية والفلسفية.. وقادت جماعة شعر هذا الاتجاه.. ويرصد الاشارات الاولى الى إليوت عند معاوية محمد نور في الثلاثينات ثم لويس عوض في الستينات واعتقد ان سلامة موسى كتب عن إليوت ويقول فضول من باب المبالغة: حاول تقريبا جميع الشعراء العرب الشباب في الخمسينات والستينات ان يترجموا »الارض الخراب« او أجزاء منها الى العربية وان يكتبوا أرضهم الخراب.. ولعل أبرزهم يوسف الخال الذي تجاوز أطروحات أستاذه شارل مالك حول اللبننة وسعى الى إحداث تحول ثقافي وأدبي في لبنان والعالم العربي بعامة لينور ويغير أساس الحياة والثقافة العربيتين.. ويلتقي الخال مع عزرا باوند في الدعوة الى حضارة أوروبية متوسطية. الاسبقية للشكل وإذ يأتي الى المقارنة الشعرية عند إليوت وأدونيس يرى انه رغم الفروقات الظاهرة بين مفهوم الشعر لدى كل منهما يستطيع المرء ان يرى بعض التشابهات العميقة بين المفهومين: إذ كلاهما له وجهة نظر شكلية تمنح الأسبقية لشكل الشعر ووحدته مع المضمون وتؤكد اهمية أداة التعبير في الشعر، اي اللغة.. ويؤكد كلاهما على استقلالية الشعر بمعنى أنه ليس بديلا او تابعا لأي شيء آخر.. ولا يثق كل من إليوت وأدونيس بالشعر الذي يخدم ايديالوجيا معينة الا ان ادونيس يختلف في التشديد على وظيفة الشعر واعتباره شكلا من المعرفة الحدسية او الرؤيوية التي لا يمكن تحقيقها من خلال الدين أو العلم او الفلسفة.. ولا ينكر إليوت الجانب المعرفي او المظهر الفكري للشعر، وبالنسبة له يجب ان يبنى كل عمل خيالي على فلسفة كما يجب ان تكون كل فلسفة عملا فنيا.. ويعتقد ان لغة الشعر هي الاكثر قدرة على توصيل الحكمة او الشكل الأسمى للمعرفة.. الا ان إليوت لا يفصل العاطفي عن الفكري في الشعر ولا يفصل رؤى الشعراء وتأثيراتهم التحويلية كما يفعل أدونيس.. وان الشاعر في منظور كل من إليوت وأدونيس هو ضمير حضارته.. ويؤكد كلاهما على دور الشاعر العظيم العبقري الذي يحرص على توازن ضد جميع أنواع السلطة.. وبدوره إليوت يؤكد على دور الشاعر في إنقاذ ثقافته من أخطار الوسطية والهرطقة وتسطيح القيم. اما بالنسبة للمظاهر الشكلية فيرى إليوت ان الفكر هو نوع من المحادثة.. وان ممارسة المحادثة عظيمة الاهمية بالنسبة للكاتب من اجل إنجاز الوحدة والأسلوب الحي في العمل الأذلي سواء أكان شعرا ام نثرا.. وان الابداع الأدبي كله ينبثق بالتأكيد اما من عادة المحادثة مع الذات او من عادة المحادثة مع الآخرين ويرى ان هناك أربع طرق من التفكير فقط: الحديث مع الآخرين او مع الآخر.. او مع الذات، او مع الله.. وهذا يقودنا الى نظرة كل من أدونيس وإليوت الى موقع الشاعر في العالم.. اذ كلاهما يجعلان من الشاعر مركزا للكون وله فاعلية إلهية (مستقبلي ونبوي وثوري عند أدونيس).. وان وجهتي نظر كل من إليوت وأدونيس في الشاعر مثاليتان نخبويتان.. ويتطرف أدونيس إذ يرى أنه لا يوجد شعر بل يوجد شعراء فقط.. المنفى ويرى فضول ان أدونيس مر بمراحل ثلاث في مسيرته الشعرية تشبه المراحل التي تحدث عنها فرانز فانون عند المثقف المستعمَر .. حيث بدأ يستفيد من الميثالوجيا والتاريخ العربي في الستينات (قصيدة الصقر 1962) القصيدة الاولى التي تعبّر عن هذا الاتجاه في شعره.. ويربط فضول هذا التحول في شعر أدونيس باختفاء اسمه من هيئة تحرير مجلة شعر في صيف 1963 حيث عمل ستة أعوام سكرتيرا للتحرير بدءا من العدد الرابع، أيلول 1957 وكان دوره فيها منذ البداية مهما فقد جاءها بموهبة متمرسة في الشكل الشعري التقليدي وشكل الشعر الحر.. ورأى فيه الخال حسب فضول إليوت حركته التي خطط الخال ان يلعب فيها دور باوند »الصانع الأمهر«..ويرى الناقد ان لخالدة سعيد دورا في مقاربة شعر أدونيس بعمق نقدي.. وان كتابه الشعري (أغاني مهيار الدمشقي) 1961 يعدّ نقطة تحول في شعره وفي الشعر العربي.. وربما موازيا في أهمية لقصيدة »الارض الخراب«.. وأدونيس مثل إليوت قدم شعره بسلسلة من المقدمات والنظريات التي تعد دليلا نظريا للشعر الجديد.. ويشير إشارة منصفة لمجلة مواقف ويرى ان مشروع ادونيس في مواقف برهن على انه اكثر اقلاقا للانظمة والمجتمعات العربية التقليدية والمحافظة والتوتاليتارية من مشروع مجلة شعر.. حيث تجنبت (الاخيرة) النقاش حول القضايا السياسية والثقافية وتمسكت ببرنامج عمل شكلاني ضيق.. كما خبأت أهدافها السياسية والثقافية تحت خط الدفاع عن استقلالية الشعر وانفصاله عن الاهتمامات السياسية والاجتماعية عكس مواقف التي خصصت مساحة كبيرة لمناقشة العلل السياسية والاجتماعية والدينية والفكرية الكامنة وراء تخلف المجتمعات العربية.. واقترحت حلولا ثورية لتلك الامراض.. وقد ظلت تأثيرات إليوت واضحة على أدونيس ولم يكن مشروعه مختلفا جدا عن مشروع إليوت في مجلة (كرايتريون) فقد هدف كلاهما الى تحليل علل الثقافتين اللتين ينتميان إليهما والى اقتراح حلول لهذه العلل.. ومن أوجه التشابه بين الشاعرين ان كلا من أدونيس وإليوت عاش في المنفى، وحصل كل منهما على جنسية بلاد ثانية، وكان كل منهما شاعرا ناقدا، وتركا تأثيرا كبيرا على جيلهما.. واعتمد كلاهما كثيرا على التراث الادبي الفرنسي المنبثق عن الرمزية في تطورها الشعري.. وترجما كلاهما ايضا »سان جون بيرس« وشعراء فرنسيين آخرين.. وفضلا عن ذلك كان كلاهما تتويجا لحركتين تجمعهما أوجه شبه كبيرة بسبب تأثير إليوت على مجمل الحركة الشعرية التي أوصلها أدونيس الى حالة النضج. الحداثة اما فيما يخص موقف الشاعرين من الحداثة يؤكد فضول ان الموقفين متفارقان بعض الشيء، فالحداثة موضوع أساسي في نظرية ادونيس الشعرية اما إليوت فلم يشدد عليها بل رأى ان الحداثة شيء نسبي.. رغم انه يقرن الحداثة بالكينونة الا انه لا يبدي دعما تاما للجدة والتجريب المستمرين، وقد تساءل مرة: »الى أين ستؤدي كل هذه الحداثة والتجريب.. هل يمضي الجميع وقتهم في التجريب وعلى ماذا ولأية نهاية؟!.. ويشير الى مصطلح حداثة كمصطلح صحفي في زمنه »وقد اعتبر احيانا الحداثة محنة ذهنية يمكن ان يبتلي بها عقل هذا الزمن كله وهي ظاهرة تفكير مشوش«. ويقر المؤلف ان تبدلا طرأ على موقف أدونيس فيما بعد الستينات من مسألة الجمهور، واتجه نحو مصالحة الشعر الجديد مع القارئ والعمل على ردم الهوة بينهما.. وينطلق فضول في هذا الكتاب من فرضية ان النظرية الشعرية لكل من أدونيس وإليوت مبنية على الأسس نفسها رغم الاختلاف الظاهر في اللهجة والنبرة بين هذين الشاعرين الناقدين.. إذ كلاهما شكليان يؤكدان وحدة الشكل والمضمون، واستقلال الشعر عن العوامل الاجتماعية والاقتصادية، وعن الاعتبارات الايديولوجية، لكنهما يختلفان في التأكيد على مظاهر معينة للقصيدة.. يعكس هذا الاختلاف اختلاف رؤيتهما للعالم.. إذ يشدد إليوت على استقلال القصيدة حتى عن الشاعر الذي يكتبها.. بينما يشدد أدونيس على تجريد الشعر من العنصر الشخصي.. ويتحدث إليوت دائما من خلال الاقنعة والمعادل الموضوعي للعواطف والمشاعر الشخصية بدل التعبير عنها مباشرة، بينما يلجأ أدونيس الى الاقنعة والمرايا وشخصية لا تختفي من المشهد!.. ووقف كلاهما بشدة ضد القوى التي تهدد الحرية الفردية والابداع في ثقافتهما.. ويجيء التهديد برأي أدونيس من السلطة بأشكالها الدينية والايديولوجية والسياسية.. اما برأي إليوت فالتهديد يأتي من غياب السلطة السامية في عالم يفتقر الى الانسجام والوحدة..