As Safir Logo
المصدر:

»كليلة ودمنة« لابن المقفع في »كتاب في جريدة« آية النثر العربي وملتقى ثقافات ولغات

المؤلف: حيدر صفوان التاريخ: 2001-07-30 رقم العدد:8963

يعتبر كتاب »كليلة ودمنة« الحافل بخرافات الحيوان، لعبد الله بن المقفع، ارثا وكنزا ثقافيا حكميا كبيرا، وإحدى الكلاسيكيات التراثية العربية، التي تساهم في إغناء »عملية الحوار بين الثقافات«، وهو المشروع الذي دعا إليه كوتشيرو ماتسورا، المدير العام لمنظمة اليونسكو، معلنا سنة 2001 سنة الأمم المتحدة للحوار بين الحضارات«. ويأتي صدور كتاب »كليلة ودمنة« في كتاب في جريدة على صفحات جريدة »السفير« تحركا يسعى الى الحفاظ على التراث الثقافي ذي الطبيعة الشمولية او »الكونية الاستثنائية« وهذه الطبيعة تتوافر في »كليلة ودمنة« على عدة مستويات. »فكليلة ودمنة« هو من أفضل ما أبدعه الشرقيون في »السياسة والاخلاق«، اذ يتضمن اشهر ما ظهر على ألسنة الحيوانات من قصص وأمثال أخلاقية سياسية. وقد تضافرت على تأليفه، بصورته التي نعرف اليوم، جهود ثلاثة من كبار الحكماء في الشرق. وحظي »كليلة ودمنة« عند الأدباء وعند عامة الناس، حظوة لم يبلغها الا القليل من الكتب الموضوعة في العصر العباسي الاول، فكثر نسخه، وتفنن الخطاطون والمصورون في تزويقه، وترجم الى اللغات القائمة من قديمة وحديثه بدأ من القرن العاشر. تركيب وقد تأثر »بكليلة ودمنة« كتّاب قدامى ومعاصرون، قصاصون وشعراء وفنانون، من الشرق والغرب، اضافة الى سينما الرسوم المتحركة ومسرحيات الدمى المتحركة وكتب الاطفال المصورة وأشرطة التلفزيون المعدة للاطفال، فهو كتاب نادر وفريد، على التفاعل بين ثقافات وفنون الآداب العالمية. يجمع الباحثون ان »كليلة ودمنة« هندي الاصل، صنّفه البراهما »وشنو« باللغة السنسكريتية في أواخر القرن الرابع الميلادي، وأسماه »بنج تنترا« اي »الأبواب الخمسة«. ويقال ان ملك الفرس كسرى أنوشروان (531 579م)، لما بلغه امر الكتاب، أراد الاطلاع عليه، للاستعانة به في تدبير شؤون رعيته، فأمر بترجمته الى اللغة الفهلوية وهي اللغة الفارسية القديمة واختار لهذه المهمة طبيبه »برزويه« لما عرف عنه من علم ودهاء. الا ان »برزويه« لم يكتف بنقل »بنج تنترا« بل اضاف إليه حكايات هندية اخرى أخذ بعضها من كتاب »مهاباراتا« المشهور، وصدرت ترجمته بمقدمة تتضمن سيرة حياة »برزويه« وقصة رحلته الى الهند سعيا وراء الكتاب، وفي منتصف القرن الثامن الميلادي نقل الكتاب، في العراق، من الفهلوية الى العربية، وأدرج فيه باب جديد تحت عنوان »الفحص في أمر دمنة«، وألحقت به أربعة فصول لم ترد في النص الفارسي، وكان ذلك على يد أديب عبقري، يعتبر بحق رائد النثر العربي السهل الممتنع، وأول من وضع كتبا عربية مكتملة في »علم السياسة« و»أخلاق السلطة«، هو عبد الله بن المقفع. ولد ابن المقفع سنة 720 ميلادية في بلدة »جور« الفارسية (التي اطلق عليها في ما بعد اسم »فيروز أباد«) وفيها ترعرع ابن المقفع الى ان بلغ أشده، واصطحبه أبوه الى البصرة، حيث اعتنق ابن المقفع الاسلام وتتلمذ على عدد من الشعراء والرواة واللغويين المرموقين في عصره حتى تمكن من التضلع باللغة العربية وآدابها، ثم عمل ابن المقفع كاتبا للولاة الامويين في »كرمان«، بإيران، وبقي في خدمتهم، الى ان انتصر العباسيون، فالتحق بهم، ولزم عيسى بن علي، عم الخليفة أبي جعفر المنصور. كان ابن المقفع، في اثناء ذلك، يترجم ويؤلف، مشاركا في الحركة العلمية التي ازدهرت في البصرة والكوفة، فمن ترجماته التي لا يرقى إليها الشك، هذا الكتاب: كلية ودمنة، وثلاثة كتب في سير ملوك الفرس ونظمهم وعاداتهم. وله كذلك مؤلفان في نصيحة الملوك هما: »الأدب الكبير« و»رسالة في الصحابة«. ولكن قرب ابن المقفع من بيت الخلافة العباسي، وتعرضه لأمور الحكم وأخلاق السياسة، في زمن احتدم فيه الصراع على السلطة، أوغرا عليه صدور الحكام والخليفة، فاتهم بالزندقة، وألقي القبض عليه في البصرة، بأمر من الخليفة سنة 756، وكان والي البصرة يكره ابن المقفع كرها شديدا، فعذبه عذابا فظيعا، وقتله. وأغلب الظن ان إعدامه لم يكن لسبب ديني، كما قيل لاحقا، بل لشك الخليفة في ولائه. ان هذه المقتطفات التي ستعرضها جريدة »السفير« من كتاب كليلة ودمنة قد تفي ابن المقفع البعض القليل من حقه وقيمته، اذ انها قد تشير الى اسبقيته في التعريف بالحضارة الفارسية القديمة والى فكره السياسي المتميز، والى تبيان ما يدين له به النثر العربي في زمن نشأته »الذهبية الاولى«. ان لغة الكاتب ابن المقفع الطيعة التي جمعت بين الرقة والسلاسة، قد مهدت للأسلوب الكتابي الذي وصف بالسهل الممتنع، والذي سطر به كبار الناثرين العرب، من الجاحظ الى ابن خلدون، أشهر مؤلفاتهم. مواجهة المنصور ويذهب الاستاذ احمد أمين في الجزء الاول من كتابه »ضحى الإسلام« الى ان »ابن المقفع تكلم في »كليلة ودمنة« على لسان بيدبا الفيلسوف، فجعل موقفه من الخليفة ابي جعفر المنصور، موقف بيدبا من دبشليم الملك، محاولا »ان ينصح المنصور نصيحة غير مباشرة«، وأن »يفتح عيون الرعية ليفرقوا بين الظلم والعدل، ليتجنبوا بطش ابي جعفر المنصور المعروف بالعنف والتسرع، وباللجوء الى اعمال السيف في قمع كل مخالف او ناقد«. ويضيف أمين، »وربما كان ابن المقفع يأمل من »كليلة ودمنة« مواجهة المنصور اكثر من ما يمكن مواجهته في »رسالة الصحابة« التي مزج فيها نقده بكثير من المدح للخليفة والثناء عليه، غير ان كتاب »كليلة ودمنة« الموضوع باللغة الفهلوية لم يشف غليل ابن المقفع، فرأى ان أسلم طريقة هي ان يترجم هذا الكتاب الى اللغة العربية ويزيد عليه، على أمل »ان يترك الكتاب من الأثر في أهل العرب ما ترك من أثر في أهل الهند وفارس«. ولعل هذا هو الغرض الأقصى من أغراض الكتاب، الذي يتضمن »النصح للخلفاء حتى لا يحيدوا عن الصواب، وفتح أعين الرعية حتى يميزوا الظلم من العدل، وحتى يطالبوا بتحقيق العدل، وهو غرض لم يوضحه ابن المقفع في تقديمه للكتاب، لأن في ايضاحه ما يجلب الخطر عليه من المنصور«. وكتاب »كليلة ودمنة« حافل بخرافات الحيوان، لا يكاد يخلو منها باب من أبوابه، حتى الابواب المقدمات. ويحتوي كل باب على خرافة طويلة تتداخل فيها خرافات قصيرة، تتفاوت طولا، ترد في معرض استشهاد الشخصيات بها في محاوراتهم ويتداخل بعضها مع بعض احيانا، وتتجلى البراعة الفنية لابن المقفع، لا في السياق المشوق الذي لا تخلو منه خرافة من خرافات الكتاب، طويلة كانت أو قصيرة، فحسب، ولكن ايضا في الاسلوب اللغوي الذي يتفرد به ابن المقفع حسب ما يرى فاروق سعد في تقديمه لكتاب كليلة ودمنة منشورات دار الآفاق الجديدة اذ يرى سعد ان عناية ابن المقفع بالأسلوب والصياغة اللغوية »تتجلى في اختيار أشرف الالفاظ وأبعدها عن الابتذال، والزهو في الصناعة اللفظية، دون إهمال ما يأتي عفواً، وترتيب المعاني، والعناية بتوضيحها واستيفائها من غير حشو، فضلا عن تنويع العبارات وتقطيع الجمل والمزاوجة بين الكلمات، وعفوية إيراد المثل او العظة، كل ذلك بإيجاز بليغ، سهل ممتنع«. كذلك يرى فاروق سعد ان كتاب كليلة ودمنة ليس مجرد سرد لحكايات تشتمل على خرافات حيوانية مسلية، بل هو كتاب هادف يرمي الى النصح الاخلاقي والاصلاح الاجتماعي والتوجيه السياسي. فباب »الحمامة المطوقة« يدعو الى التعاون، وباب »الملك والطائر« ينبه الى وجوب التباعد بين أهل الثارات واتقاء بعضهم بعضا. ويكشف باب »الأسد والثور« خفايا السياسة الداخلية في الدولة، وصراع السياسيين وتنافسهم، خلف كواليس العرش. ويتناول باب »البوم والغربان« وباب »الجرذ والسنور« السياسة الخارجية، مقدما التوجيهات في هذا المجال. وتقدم أبواب »الحمامة المطوقة«، و»القرد والغيلم«، و»الناسك وابن عرس«، و»الاسد وابن آوى«، و»الحمامة والثعلب ومالك الحزين«، عظات اخلاقية فردية واجتماعية متنوعة المواضيع. ان من أبرز مميزات حكايات كليلة ودمنة عرضها لألوان متعددة من الفكاهة والسخرية المضحكة. وفكاهة كليلة ودمنة كامنة في تجسيدها الكاريكاتوري لتصرف الحيوان والطير على وجه يطابق التصرفات الانسانية، وكامنة أيضا في الحوار (اللامعقول) الذي يدور بين الانسان والحيوان والطير، وفي نطق الحيوان والطير بالحكم والمواعظ الاخلاقية، ولكن الفكاهة في حكايات كليلة ودمنة لم تمنع انتهاء أغلب الحكايات نهاية مأساوية: حكايات السمكات الثلاث، البطتان والسحلفاة، باب الاسد والثور، باب الحمامة والثعلب ومالك الحزين وسواها. ويبدو أن موت الشخصية الخرافية في نهاية تلك الحكايات، يأتي بتأثير أعمق في وجدان القارئ باتجاه بث العبرة الأخلاقية والعظة التوجيهية وترسيخها في الذاكرة، خصوصا بعدما يتلهى القارئ بالتمتع بمجريات الفكاهة وطرافتها، وكأن ابن المقفع يخشى على القارئ ان تنسيه الفكاهة والسخرية المضحكة، الهدف الاخلاقي الذي من اجله كان استخدام الفكاهة، ولذا جاءت نهايات الحكايات، في غالبيتها، متكفنة بالمصير المأساوي، وهو المصير الذي كان بانتظار ابن المقفع نفسه، عقابا له على تورطه الكتابي في سياسة الاخلاق وفي أخلاق السياسة. لقد دفع ابن المقفع الثمن غاليا لما كتب: جريمة ثقافية سياسية مروّعة، ارتكبتها السلطة العباسية الغاشمة بحق أبرز مثقفيها، هزت وما تزال تهز ضمير المثقفين العرب والفرس، عبر العصور.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة