حسين خمري ناقد جزائري له وزنه في الجزائر، حاصل على دكتوراه دولة من جامعة السوربون (فرنسا) وهو رئيس قسم الترجمة (كلية الآداب) جامعة قسنطينة، وايضا نائب رئيس رابطة السيميائيين الجزائريين، ومدير مجلة »الترجمان« التابعة لقسم الترجمة، ورئيس اللجنة البيداغوجية للترجمة، ويدرّس مقياس السيميائيات والنقد المعاصر. له عدة مؤلفات منها: »بنية الخطاب الأدبي« (صدر بالجزائر)، »بنية الخطاب النقدي« (صادر عن وزارة الثقافة بغداد)، »فضاء المتخيل« (صادر عن وزارة الثقافة دمشق). وله تحت الطبع: »النص الشعري العربي« (اتحاد الكتاب العرب دمشق)، »سيميائية السرد الروائي« (الجزائر). وإلى ذلك فهو يشارك باستمرار في ملتقيات وطنية ودولية وله حضور على مستوى الصحافة الوطنية والدولية. وفي هذا اللقاء تطرقنا لعدة قضايا هي محور صراع في الجزائر منذ مطلع الاستقلال. { بحكم انتمائكم الامازيغي، وثقافتكم المزدوجة (عربية فرنسية) كيف تقرأون المطالب التي تقدم بها الأمازيغ (البربر) في الجزائر للدولة؟ ان الانتماء الى ثقافة معينة لا يعني التهريج والقيام بحركات فولكلورية قد تؤدي الى إثارة الهزء. على العكس المثقف هو الذي يستطيع تحويل العناصر الى مركبات ثقافية باستطاعتها الانصهار داخل النسيج الثقافي. أنا لا أعيش هذا الانتماء كتميز او كحالة شوفينية، ولكنني أعيشه كانسجام وحالة ثقافية طبيعية يمكن ان تساهم في إغناء الفضاء الثقافي شريطة ان لا تتحول الى أورام او زوائد. أما عن الثقافة المزدوجة عربية فرنسية فإنني أرى فيها إثراء لأنها تفتح أمامي بابا للمعرفة وتساعدني على تفكيك وتحليل ثقافة الآخر انطلاقا من ثقافتي العربية لأن اللغة العربية كانت قد عرفت تبادلا ثقافيا مثمرا مع اللغة الفرنسية. وبحكم دراستي في »السوربون« وصلتي الوثيقة باللغة الفرنسية فان هذا الوضع جعلني في وضعية اكثر ارتياحا، خاصة تعاملي مع المفاهيم النقدية والحداثية والتي تنبني عليها الجهود النقدية العربية المعاصرة، وهو ما ساعدني على إنجاز بعض الكتابات النقدية المتعلقة بالشعر والرواية العربيين، والتي حاولتُ من خلالها ربط التراث العربي الاسلامي بالممارسة النقدية في سياقها الغربي. أما المطالب المقدمة الى الدولة فمنها ما هو موضوعي مثل احترام المكون الثقافي باعتباره احد العناصر الثقافية والقواسم المشتركة بين كل المواطنين والكشف عن التاريخ المشترك بين كل الجزائريين اضافة الى المطالب الاقتصادية والتنموية. أما المطالب الأخرى وخاصة السياسية فإنها قد تمشي بالوحدة الوطنية وتفتح الباب أمام المغامرين وتجار السياسة، كما إنها تفتح المجال للتدخلات الخارجية. { تكرسون جهودا معتبرة في الترجمة، ما موقفكم من التعريب في الجزائر؟ وما موقع التعريب في النشاط الثقافي الجزائري؟ اذا كان هناك من يصف الأمة العربية بأنها أمة الشعر على اعتبار انه النشاط الثقافي الاكثر رواجا اي صياغة الكلام التي بلغت غاية الاتقان فنزل القرآن الكريم متحديا للشعر، فانني أقول ان الامة العربية هي أمة الترجمة. والذي له أدنى اهتمام بهذا المجال فانه سيقف على مجهودات العرب في الترجمة ودورهم في المحافظة على بعض العلوم التي أصبحت أصولها الآن مفقودة. ومؤسسة »بيت الحكمة« خير دليل على هذا النشاط. أما محاولاتي في الترجمة فإنها تشبه وضعية كل مزدوجي اللغة، حيث انني كلما قرأت نصا إبداعيا جميلا في لغة اجنبية إلا وحلمت بنقله الى اللغة العربية لأشرك الآخرين في التمتع والالتذاذ به، وكلما قرأت فكرة نقدية او تحليلا علميا لقضايا الثقافة والفكر إلا وحاولت نقله الى العربية، سواء عن طريق الترجمة او عن طريق التوظيف النقدي لأطلع الناس على المستجدات او عوالم النظرية او الممارسة النقدية، لأنني أعتقد انني لا أستطيع أن أتنفس برئة واحدة ولا أستطيع ان أنظر الى العالم بعين واحدة او استمع الى نبضه بأذن واحدة. وعن موقفي من التعريب في الجزائر فانني أرى انه لم يحقق النتائج المرجوة منه، لان المستوى المعرفي يبدو متخلفا مقارنة مع المستوى العالمي، وهو ما يجعل نقل المعارف الى العربية امرا صعبا نظرا لأن هذه العملية لم ترافقها حركة ترجمية موازية وخاصة في الجانب العلمي، اذ يستعصي نقل المفاهيم العلمية والافكار لأنها تطورت في سياق مغاير له ظروفه وملابساته، كما ان هيئة تنسيق المصطلح الموجود مقرها بالمغرب لم تستطع تقديم الحلول الناجعة لهذه المعضلة. ولكي ينجح التعريب في الجزائر يجب ان تتوفر إرادة سياسية واستراتيجية واضحة، كما يجب ان تخصص الاموال اللازمة لذلك، لتكوين المترجمين وتشجيعهم على العمل في الميدان حتى يتم الوصول الى المتبقي. وعن موقع الترجمة في النشاط الثقافي فيمكن ان نقول انه ضئيل جدا، وقد وعدت الجهات المسؤولة بنقل الأدب المكتوب بالفرنسية الى العربية وكذا الفكر الجزائري الذي كُتب في الخارج لإعادته الى التراث الى موطنه الاصلي، لكن هذا بقي مجرد وعد لا غير. جزائري مهما كانت لغته { ما دمنا قد ذكرنا الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية، فكيف تنظرون اليه؟ الأدب الجزائري يحافظ على هويته ويعبر عن عمقه الحضاري وروح الشعب مهما كانت اللغة التي كُتب بها. فهو جزائري في قسماته ونبضه. رؤيته للعالم وتركيبه اللغوي يختلفان عن الأدب الفرنسي. هناك دلائل وقرائن بغض النظر عن الجانب الغرائبي فيه، تدل على جزائريته، وقد استُعمل أثناء الثورة التحريرية كوسيلة للتعريف بالقضية الجزائرية. أما من الناحية الشكلية فإننا نلاحظ انه يختلف جذريا عن الأدب الفرنسي، وعندما نقرأ رواية جزائرية مكتوبة بالفرنسية فاننا نتعرف إليها حتى لو أُزيلت عنها البيانات الخاصة كاسم الكاتب او الاطار الزمكاني. هناك فرق اكيد بين ألبير كامو ومحمد ديب، كما اننا يمكن ان نفرق بكل بساطة بين مولود فرعون وكاتب ياسين ومالك حداد وبعض الكتاب الفرنسيين الذين عاشوا بالجزائر. والفرق ليس في المضمون فحسب ولكن في طريقة تناول الأحداث والزاوية التي يُنظر منها. انه فارق في النوعية. ولكن مع الأسف تطور خطاب راديكالي أغلق الأبواب في وجه اللغات الاجنبية، وأدى الى إبعاد القراء عن هؤلاء الكتاب فعاشوا غربة مزدوجة؛ غربة البعد عن اللغة الأم، وغربتهم عن المجتمع وهذا ما أثّر على مقروئيتهم، وقلّل من أثرهم في الثقافة الجزائرية. { هل هذا يعني ان لا تقاطع بين الأدب المكتوب باللغة العربية والمكتوب باللغة الفرنسية في الجزائر؟ أعتقد ان الأدب ليس له جنسية خاصة، واذا كان أدبا حقيقيا فانه يحمل الجنسية الانسانية بغض النظر عن اللغة التي كتب فيها او جنسية كاتبه. فنحن نقرأ الاوذيسة ونعجب بها كما نعجب بأشعار أمرئ القيس. ونعجب بفكتور هيغو كما نعجب بجرجي زيدان، ونقرأ زولا كما نقرأ وطار. أما اذا كان الأدب يتكلم عن محيط اجتماعي وسياق حضاري واحد مع اختلاف في اللغة فانني أزعم ان المشكل لا يُطرح. المشكلة قد تُطرح من جانب القارئ الذي قد يكون له عجز في هذه اللغة او تلك، اما الادب كأدب فانني لا أرى ان هناك فرقا. ولعل نقطة التقاطع هي الواقع الجزائري بحمولته الثقافية وثقله التاريخي. المقارنة تكون بين النصوص المكتوبة داخل اللغة الواحدة. أما ان تقارن بين النصوص في لغتين فهذا لا يجوز من الناحية المنهجية، فهناك أدب جيد باللغة العربية وأدب ضعيف، وهو نفس الحال بالنسبة للأدب المكتوب بالفرنسية، ويلتقي الأدبان عند التعبير عن العمق الجزائري والروح الحضارية، وتفاعل العناصر الثقافية والمكونات المختلفة إلى تشكّل النص الجزائري. { لمن الحضور الاكبر اليوم؟ بطبيعة الحال إن الحظ أوفر بالنسبة للأدب المكتوب بالعربية لأنه تعبير عن اعتزاز الجزائري باسترجاع مكوّن من مكونات شخصيته، وكذا ايضا بفضل جهود التعريب التي كرّست الخطاب العربي كممارسة رسمية. كما ان هناك انفتاحا كبيرا على الثقافة العربية الشرقية وإدمانا على قراءتها وتمثلها، ثم ان المحيط الثقافي قد ساهم هو الآخر في نشر هذا الوعي بضرورة الأخذ بالثقافة العربية. ولكن مع ذلك لا نعدم وجود بعض النصوص الجزائرية المكتوبة بالفرنسية والتي نُشرت في أغلبها بفرنسا، وهي نصوص جيدة وتعبر عن الواقع الجزائري. ولكن كحضور، تحتشم في الساحة الثقافية، ويكاد القراء يجهلون الأسماء الأدبية الجديدة بالفرنسية لكنهم يعرفون جيدا أسماء الذين يكتبون بالعربية، وهو أمر طبيعي جدا. (الجزائر)