As Safir Logo
المصدر:

سافر عطا الى بقعاثا.. مشياً

المؤلف: ب ج التاريخ: 2001-07-19 رقم العدد:8954

كان الليل ثقيلا على الوجوه الساهرة في بيت عطا، الجولاني العائد في الغد الباكر الى جولاته.. الى قرية اسمها بقعاثا. حاول الشبان استعادة اجواء الفوها في مثل هذا الليل من ايامهم العادية. السخرية المتبادلة، كؤوس العرق، والغناء.. بيد ان تلك الليلة اختلفت، لان الشاب الفارع الطول سيغادر الشام لمرة اخيرة. بعد انقطاع دام لاكثر من ثلاثة اعوام عن وجه امه. سيعود بعد فراغه من دراسته الجامعية وبعد تاريخ قصير، ولكن حافل بنشاطه التطوعي يساعد الوافدين الجدد من ابناء الهضبة المحتلة الى المدينة العتيقة ينضمون الى جامعتها ويدرسون بلادهم بعيدا عن المحتل الذي اعلنهم مواطنيه بالقوة.. سيعود بعدما خرج العسكري الاسرائيلي من صور ذاكرته ولم يبق من الجولان الا هضابه وناسه وجدته الشهيدة إبان ما يسميها انتفاضة الهوية. كان الليل ثقيلا. امضاه عطا يمشي بين غرفتين، الاولى، غرفة الجلوس فيها الاصدقاء وبينهم شاب ضخم البنية يستحق لها لقب »ابو صخر«، يغني لسميح شقير ووديع الصافي، وبين الغرفة الثانية التي هي المطبخ حيث جلست فتاة الى نافذة واسعة تطل على لا شيء، ساكتة طول الوقت، وفي عينيها ما يدل على بكاء آت.. هناك، في دمشق، صنع عطا من ايامه حياته ثانية.. وقف الى المنابر في كل مناسبة جولانية يلقي »كلمة طلاب الجولان المحتل«. حمل واصدقاؤه صور الاسرى والشهداء والانهار وحتى المستوطنات الجاثمة فوق الارض المحتلة.. ادخل قضيته في اي مساحة يراد منها ان توصل الحكاية بالصور وبالواقفين الى جنبها يشرحون عن قراهم.. بلغ حد الهوس في علاقته بكل شريط مصور عن الهضبة وصار هو نفسه نجما من المستحيل ان لا يكون موجودا في اي تحقيق تلفزيوني.. في آخر عيد ام عرض التلفزيون مشاهد الطلاب يصرخون لامهاتهم.. وفي اليوم الثاني كان كل من يلتقي عطا يقول له انه ابكى اهل البيت في الليلة السابقة.. كانت الكاميرا قد ركزت على وجهه يبكي وهو يعد المذيعة التي لم يرها الناس على الشاشة بأن الجولان عائد.. المذيعة التي كانت تبكي بدورها. كان الليل ثقيلا.. عند السابعة من صباحه ارتدى عطا بدلة وربطة عنق، تحضر لسفره وغادر المنزل الى بوابة المدينة الجامعية حيث يتجمع الطلاب للعودة الى قراهم وقضاء عطلاتهم الصيفية. والاخيرة كانت محظورة عليه لخوفه من ان يمنعه الاسرائيليون من الخروج اذا ما دخل هو المفرط في النشاط، يعلم ان العودة سيلحقها تحقيق طويل وربما حكم بالسجن يتندر رفاقه حول مدته.. لكنه يجب ان يعود.. هكذا، بدون تفكير.. انطلقت الباصات الصغيرة بالطلاب الى ريف دمشق ومنه الى القنيطرة.. ثلاثة ارباع الساعة هي كل المسافة الزمنية الفاصلة بين المكانين تصير سفرا ولحظات وداع واستقبال.. والى النقطة الاخيرة وصلت الباصات بعد وقت قصير.. كان الصباح في اوله والهواء في تلك الارض الخالية من السيارات والمصانع جبليا بشدة، نظيفا على عكس عادات المدن. نزل الطلاب بعتادهم الى حاجز القوات الدولية وبدأ الانتظار تحت سماء زرقاء بشمس ونصف قمر لم يغب بعد.. عليهم الان ان ينتظروا الوسيط بين المكانين يجيئ باسماء من سمح الاسرائيليون لهم بالعبور.. يضع الطلاب حقائبهم في شاحنة تابعة لقوات الفصل (الامم المتحدة)، يسلمون بطاقات الهوية السورية الى الوسيط ويستلمون بطاقة عبرية ملتبسة لا يقدرون على التنقل في الداخل بدونها. بعدها يسيرون في طريق ترابية تشق درب امان وحيد في داخل حقل الالغام الواسع الفاصل بين الهضبة وسوريا. لا يمكن رؤية الاسرائيليين من جهة الطرف السوري، لا الراية ولا العسكر.. لكن جمعا يقف بعيدا يبدو كمن يلتصق بحاجز حديدي يلوح من بعيد لصورة عامة غير محددة الملامح من جهته.. جمع جله من الامهات باللونين الاسود والابيض. تعبر الدفعة الاولى الى الداخل وتأتي الى المكان سيارات تطلق زماميرها تتقدمها واحدة مزدانة بالورود تجلس الى المقعد الخلفي عروس بكامل فستانها الابيض. تنزل من السيارة تحيطها النسوة وتحميها فتاة بمظلة من الشمس. يأتي دور عطا بعد طول انتظار فيتكاثر المودعون من حوله.. يحضنهم بشدة واحدا بعد الاخر ويهمس في آذانهم ما يعد نفسه به: »راجع.. راجع«. تبكي الفتاة التي جلست الليل كله الى نافذة المطبخ.. يحضنان بعضهما بعض ويبكيان. ينادي الوسيط بالاسماء فينفلت اصحابها الى اول طريق العودة وينتظمون جماعة صغيرة سوف تنطلق بعد قليل.. يلوح عطا لاصدقائه وللفتاة ويسافر.. يعود المودعون ادراجهم ومعهم الفتاة يواسونها. تظل العروس مع اهلها. تجلس تحت شجرة. دورها لم يأت بعد. تنتظر ان يسمح لها الاسرائيلي بلقاء عريسها في الطرف الاخر.. تنتظر تحت سماء بشمس ونصف قمر لم يغب بعد.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة