As Safir Logo
المصدر:

هل كان طه حسين عدواً.. هل يستردّه اليساريون؟

المؤلف: دكروب محمد التاريخ: 2001-07-13 رقم العدد:8949

كأنها مصادفة، ان يصدر خلال عام واحد (1955) كتابان سجاليان، يضمان المقالات الاساسية للسجال الذي دار، عام 1954 في مصر، بين طه حسين من جهة ومحمود امين العالم وعبد العظيم انيس من جهة اخرى، وشارك فيها كتاب عرب آخرون.. وكأنها مصادفة، لها دلالتها، ان يصدر الكتابان في بيروت الكتابان هما »خصام ونقد« لطه حسين (دار العلم للملايين، بيروت) و»في الثقافة المصرية« (دار الفكر الجديد، بيروت) مع مقدمة احتفاء بهذا الكتاب كتبها حسين مروة. ... فاحتفظ الكتابان ببعض وقائع تلك المعركة الادبية، يعود اليها الدارسون في تحولات الحركة النقدية والثقافية العربية، كلما دعت الحاجة. صحيح ان زمن المعركة لمم يتجاوز اشهرا من عام 1954. وبعدها عاد طرفا المعركة الى تقاربهما الفكري، الطبيعي... ولكن الباحثين كانوا يعودون الى وقائع السجال وطروحاته بين حين وآخر باعتباره سجالا بين طه حسين واليساريين لم ينقضِ زمانه!. ولا بد من الملاحظة هنا ان اكثر الباحثين كانوا يركزون الضوء على »تزمّت« محمود العالم وعبد العظيم انيس في تلك الفترة، متسامحين الى حد كبير مع »شطط« طه حسين، ومتجادلين اساسا مع طروحات كتاب »في الثقافة المصرية« الذي اعتبر كأنه »منفستو« اصحاب اليسار جميعا في النقد، فعمّم البعض احكام الكتاب كلها ليس فقط على انها احكام اليسار كله، بل على انها كذلك احكام اليسار في الزمن اللاحق، حتى يومنا هذا!!. ولكن صاحبي الكتاب هما نفسيهما تحولا.. وقد اقول: عادا عن بعض احكامهما على طه حسين وفكره ومساره بما تقتضيه الموضوعية، والعقلانية، وعدالة الاحكام! فالخطأ كل الخطأ ان نقرأ الكتاب الآن، ونكتفي بالحكم عليه وعلى مؤلفيه بميزان الآن، متغافلين سهوا او قصدا عما آلت اليه احكام صاحبيه ليس فقط بالنسبة لأكثر موضوعاته، بل ايضا بالنسبة للموقف من طه حسين نفسه، وطروحاته، في ذلك الزمان وقبله وبعده... } فقد سبق ان ورد في المقال الاول لكتاب »في الثقافة المصرية« 1955، مثل هذه الجملة/ الحكم: » ما هي حدود ثقافتنا المصرية، وما مشخّصاتها ومعالمها؟. على الرغم من الاهمية البالغة لهذا الموضوع، فإن الدراسة الجادة لم تمسسه بعد. حقا، لقد افرد له الدكتور طه حسين سطورا في نهاية كتابه عن مستقبل الثقافة، ولكنها سطور غامضة غائمة. واكتفى الدكتور طه بأن يقرر: ان لمصر مذهبها الخاص في التعبير ومذهبها الخاص في التفكير« (ط3، ص27).. وهذا الحكم يعطي الانطباع بأن محمود امين العالم لم يهتم جيدا بقراءة كتاب طه حسين »مستقبل الثقافة في مصر«، فاستسهل هذا الحكم المختزل بصدد كتاب من جزءين وموضوعه الاساسي: »الثقافة في مصر، حاضرها ومستقبلها«. الواقع الحي ولكن محمود امين العالم يكتب، فيما بعد، عدة مقالات عن طه حسين، تتميز بالنظر الموضوعي التقييمي في فكره وكتاباته ومواقفه، فكأن محمود العالم قد اعاد قراءة طه حسين بغير العين التي قرأه فيها سابقا، وسببت تلك الرؤية الاختزالية اعلاه... ففي دراسة خاصة عن كتاب »مستقبل الثقافة في مصر« نفسه نشرها بعد 35 سنة من كلماته تلك، وفيها دراسة تفصيلية للكتاب ولرؤية طه حسين لواقع الثقافة في مصر (ايام كُتب الكتاب عام 1938) وتأمل مستقبلي في حلم طه حسين بصدد حال مصر ومستقبل الثقافة فيها. في هذا المقال يصوغ محمود العالم توصيفاً للكتاب بأنه يتضمن: »صياغة اسئلة النهضة صياغة متسقة، وتحديد وتجديد اجابات عملية لها تتفق مع احتياجات بلادنا وملابسات العصر آنذاك. فالكتاب في الحقيقة هو امتداد متطور لمشروع النهضة... وهو امتداد متطور لأرقى ما وصلت اليه عقلانية الفكر العربي الاسلامي عند المتكلمين عامة وعند ابن خلدون بوجه خاص« (محمود امين العالم: »طه حسين، الحلم والواقع والمستقبل« كتاب »قضايا وشهادات«، خريف 1990، ص 281). ويدقق محمود امين العالم اكثر في مضمون مشروع طه حسين، الذي صيغ في هذا الكتاب الرائي، فيُصدر حكما تقييميا يكاد يناقض حكمه الاول، الظالم، فبعد عرض للواقع الثقافي الراهن في مصر حيث تفتقر الثقافة الى مشروعها الجديد، يستخلص العالم: »... وهكذا فإن مشروع طه حسين الثقافي الذي صاغه في كتاب صدر قبل خمسين عاما ما يزال يتطلّع الى مستقبله المصري والعربي الذي لم يجىء بعد.. وازعم يقول العالم ان هذا المشروع الثقافي في كثير من مفاهيمه واسسه على الاقل ما يزال دعوة صالحة معبرة عن احتياجاتنا الثقافية رغم تغير الظروف واختلاف الاوضاع الوطنية والقومية والعالمية« (المصدر نفسه، ص289). وكان قد سبق للعالم ان كتب ايضا عن الكتاب نفسه فقرة يشدد فيها على الجانب العملي في فكر طه حسين فيقول: ان طه حسين قد وضع كتاب »مستقبل الثقافة في مصر« ليكون جوابا على سؤال واحد وجّهه اليه عدد من الشباب: »ما هو واجبنا الثقافي بعد تحقيق استقلالنا السياسي؟«.. فكانت اجابة طه حسين، كما وصفها العالم، اجابة جادة جدا، عميقة للغاية، واقعية للغاية، عملية للغاية كذلك« (العالِم: »طه حسين... مفكرا« 1966 ضمن كتاب »الانسان موقف«، ط2،ص89). الفرق، اذن، كبير جدا، وجذري، بين ذلك الحكم القديم، والاحكام التي اوردنا اطرافا منها. وهكذا، فحركة التطور والتغير والتغيير نلمسها في مختلف التقييمات الانضج التي نقرأها للعالم وانيس (وغيرهما من اصحاب الشمال) خلال السنوات التي اعقبت سنة 1954، وتلك المواقف التي أُطلقت، حينها، بوجه طه حسين، وعديدين آخرين فالسنين، وتدامج الفكر بموضوعية الموقف، والرؤية الابعد، اهم عوامل انضاج المواقف والاحكام، والبرء من التزمت. فلنتأمل هذه الحركة من التطويرات والتغييرات: } فهذا حكم آخر، ظالم، اطلقه محمود امين العالم، عام 1954، على طه حسين، متهما اياه بعدم معرفته او استيعابه للواقع المصري الحي في المدينة والريف!! يقول: »ان عدم استيعاب طه حسين لواقعنا الحي بتفاصيله المتفاعلة، سواء في الريف او المدينة في روايته »دعاء الكروان« هو الذي افرغ صياغة هذه القصة من الحركة، وجعلها اقرب الى التجريدات النغمية« (في الثقافة المصرية ط3، ص29). قد اقول ان التقصّد واضح في اختبار »دعاء الكروان« بالذات، استسهالا لاصدار مثل هذا الحكم التجزيئي.. قد تكون هذه الرواية، برأي العالم، من اضعف روايات طه حسين، ولكن ليس ابدا بسبب »عدم استيعاب طه حسين للواقع الحي« في مصر.. فان »استيعابه الواقع الحي« تجلّى بصورته العميقة والمؤثرة وبتفاصيلها الدقيقة في تصويره القاع الاجتماعي في الريف خاصة: العلاقات، وتنوع الشخصيات، واشكال الصراعات، وانواع الفقر بتفاصيله، وخصوصية الريف المصري، والمشهدية القاسية، ولوحات الاحداث التي تحمل الى المعرفة، عناصر الكفاح وغنى الشخصيات، والبناء الفني الذي له خصوصيته »الطه حسينية«... هذه المعرفة للواقع الحي واستيعاب تفاصيله، تتجلى بشكل ملموس في اعمال عديدة لطه حسين مثل: »الايام« و»المعذبون في الارض« و»ما وراء النهر« وغيرها، وهي من منجزات الادب المصري الواقعي الحديث.. يضاف الى هذا دراسات طه حسين ومقالاته في الادب والنقد الادبي حيث لا يفصل بين حياة الشعب وحياة الادب وضرورات تفاعل الاديب مع الحركة والتحولات في الحياة واوضاع الشعب، الى جمالية الصياغة والبناء التي لا يتخلّى طه حسين عنها، من حيث هي عنصر اساس في التكوين الادبي (راجع بشكل خاص افتتاحيات طه حسين في مجلته »الكاتب المصري«، وبالأخص دراسته المتميزة »الادب بين الاتصال والانفصال« و»الادب العربي بين امسه وغده« وغيرها...). .. التقصد واضح، اذن، انطلاقا من ذلك التزمت والنظرة الضيقة وتطرف الموقف السياسي... لا شك ان اختيار »نقطة ضعف« لتهاجم العدو منها، امر مبرر تماما »تكتيكيا واستراتيجيا«! ولكن، هل كان طه حسين عدوا؟!. على ان حكمنا على محمود امين العالم يكون مجتزءا اذا نحن اكتفينا بهذه الفقرة الظالمة بصدد رواية »دعاء الكروان« او غيرها... فقد جاء زمان آخر قال فيه محمود العالم عن هذه الرواية نفسها قولا آخر من زاوية اخرى.. ففي دراسة، كتبها عام 1966، بعنوان »طه حسين.. مفكرا« ويتحدث فيها عن الفكر العملي عند طه حسين يصوغ العالم هذا الرأي: »... ونكاد نجد هذا الفكر العملي في عمل ادبي آخر بل في كل اعماله الادبية بغير تمييز في مدخل »دعاء الكروان« نستمع الى آمنة وهي تستأذن الكروان لكي تقص على الناس طرفا مما يدور بينهم من حديث لعلهم ان يجدوا فيه عظة تعصم النفوس الذكية من ان تُزهق، والدماء البريئة من ان تُراق.. »لا اقول ان هذه الرواية كُتبت بهذا الهدف العملي وحده، او صيغت بمقتضاه، فجاءت رواية تقوم على التوجيه المباشر، لا... وانما احس بهذا التوجيه العملي في كل ما يكتب من بحث عملي، او ابداع ادبي كهذه الرواية على سبيل المثال..« (محمود العالم: »الانسان موقف« ط2، ص88). .. فاذا كان واضحا التقصد في ايجاد اسباب التشدد والحكم الظالم، في الفقرة الاولى، عام 1954، فالواضح ايضا التقصد ربما في ايجاد الاسباب التخفيفية والحكم العادل، في الفقرة الثانية، عام 1966. لم يتغير النص المنقود نفسه، ولكن تغير الموقف النقدي منه ومن كاتبه.. صار الموقف رحبا، فصار اكثر استيعابا لواقع الادب وعلاقة الادب بالحياة، واكثر تفهّما للنص نفسه. وربما، لأن هذا الموقف الرحب لم يكن في زمن ما قبيل المعركة... ثارت المعركة!. أدب الحياة }... ويكون ان يرفع الادباء التقدميون، ذوو النزوع اليساري، شعار »الادب في سبيل الحياة«، يضعونه منذ بدايات العام 1954 في أعلى الصفحات الثقافية التي ينشرون فيها نقداً ادبياً، او اعمالا ابداعية، او مقالات ودراسات... ويصل بعضهم الى استنتاج يُفهم منه: ان الادب، ما قبل هذا الشعار، لم يكن أدباً للحياة، ولا للشعب، بل أدب ملوك وعهود اقطاع... أدب قديم! طه حسين لم يعجبه رفع الشعار، ولا ذلك التوجه ضمنه، فقد أحس انه، هو، قد حُشر في القديم، وفي ادب الملوك والاقطاع... ورأى ان الشباب يندفعون في الطريق الغلط إذ يقطعون بينهم وبين الادب الذي سبقهم... فأخذ طه حسين يناقش الموضوع، والشعار، مستعيدا الكثير من المفاهيم التي سبق ان كتبها وردّدها مراراً... يكتب بهدوء، ومكر، وشيء من السخرية الناعمة، كأنه يعيد تكرار البديهات: »... فالادب إنساني إذن، والنقد إنساني ايضا، والادب يصوّر حياة الناس، والنقد يبيّن ملاءمة هذا الادب لأذواقهم او مخالفته لها... واذن فلا يكون أدباً حتى يصوّر حياة الناس، وليس في الارض ادب إلا ويصوّر حياة اصحابه. ومن هنا كان الادب مصدرا من مصادر التاريخ الانساني، وعسى ان يكون بالقياس الى بعض الامم، او بالقياس الى بعض اطوار هذه الامم، اخطر مصادر التاريخ« (طه حسين: »خصام ونقد« صدر عام 1955، ص 44). ويصل طه حسين الى هذه الصياغة البديهية، والمفاجئة، ردا على رافعي شعار »الادب في سبيل الحياة«: »... واذن، فالذين يقولون: يجب ان يكون الادب للحياة، ويظنون انهم يقولون شيئا جديدا، لا يقولون في حقيقة الامر شيئا« (المصدر نفسه ص 45) فطه حسين يرى... ان هذه هي طبيعة الادب، الادب الاصيل: ان يكون للحياة، واكثر من هذا ان يتطور ويتجدد مع جديد الحياة وتطورها، ويحرص طه حسين ان يؤكد ان خلافه مع الشباب انهم يقولون ما هو بديهي ومعروف، وقديم بقدر ما هو جديد، وانه هو، طه حسين، ليس بعيداً عنهم، ولو ارادوا هم ان يُبعدوه. »كل ما بين اصحاب الادب في سبيل الحياة وبيني من خلاف (يقول طه حسين) هو ان الادب بطبعه (لا يمكن إلا ان يكون) في سبيل الحياة« (»خصام ونقد«، ص 124). الى هنا والكتابات، من هذا الطرف او ذاك، تتوخى الهدوء. ويقع الحدث: يكتب طه حسين، عام 1954، مقالته الشهير: »صورة الادب ومادته«. } يكتب طه حسين مقالته هذه في جريدة الجمهورية (5/2/1954) وعينه على شباب الادباء الذين يرى هو انهم لا يهتمون كثيراً بجماليات ما يكتبون... ويشدّد على ضرورة الكد والجهد والتأني في كتابة الادب، وليس اخذه مأخذاً هيّناً ليناً... فالادب لا يأتي بمجرد ان يستدعيه الاديب او بمجرد ان تطلب الصحيفة في الاديب ان يستجيب لطلبها مادة ادبية للنشر... ويشير طه حسين الى التأثير السلبي للصحافة اذ تستعجل الادباء ان يكتبوا، في مواقت محددة... اللغة والجمال والطابع العام للمقالة هو التشديد على جمالية الادب، وطرح العديد من التساؤلات، بهدف تبصير الشباب كما يرى بأن الصنيع الادبي لا يقتصر على عنصر واحد او اثنين، بل هو تركيب من عناصر عديدة، ولكنه يصل في الاستنتاج الى صيغة رآها شباب النقاد حينها انها تبسيطية... وقد تبدو هكذا، حسب زاوية القراءة... فهو يرى ان »من الحقائق المقاربة التي يتحدث فيها النقاد فيكثرون فيها الحديث ان اللغة هي صورة الادب وان المعاني هي مادته«... (ولكنه يضيف:) »وهذا كلام مقارب لا تحقيق فيه«. وانطلاقا من هذه الصيغة يرى ان »صورة الادب ومادته شيئان لا يفترقان او هما شيء واحد اذا شئت، وأضف إليهما عنصرا ثالثا إن صح ان يستعمل العدد في مثل هذا الوضع، وهذا العنصر يلزمهما لزوما لا فكاك منه وهو عنصر الجمال...« (خصام ونقد، ص: 81 و87 و88). هذه التساؤلات والرؤى التي صاغها طه حسين في مقالته بنوع من التحوّط ودون حسم قاطع قد تستدعي المناقشة والمجادلة والحوار، كأي حوار بين طرفين حول قضايا الادب او النقد. وهذا من طبائع الامور، ومن شأن هذا ان يغني الحركة النقدية ويسهم في مقاربة اعمق لأسرار الصنيع الادبي... اما ان تستدعي هذه التساؤلات والرؤى معركة صاخبة قيل انها بين شيوخ الادب وشبانه، وبين مدرسة قديمة ومدرسة جديدة، في الادب والفكر كما في السياسة، فإن معركة كهذه لاسباب كهذه لم تكن من طبائع الامور، بل تداخلت فيها عوامل قد تعود الى مواقف وممارسات في السياسة بأكثر مما تعود الى مجرّد اختلاف مفاهيم في النقد والادب!. ولأمر ما، اندفع »معسكر« اليسار بتركيز الهجوم على طه حسين بالذات، من بين افراد »معسكر« التقليديين، دون ان يأخذ يساريو تلك المرحلة ونحن منهم باعتبارهم ان طه حسين هو بعيد عن اولئك التقليديين بقدر ما هو قريب من اليسار، بشكل عام. واذا كان »عنف« المعركة يعود الى حماسة الشباب، كما يُقال، فإن التركيز على طه حسين يعود الى مرحلة التزمت التي ميّزت اليسار العربي في تلك المرحلة، كما يعود ايضا، وخاصة، الى ضعف التملك النظري للادوات والمفاهيم النقدية الادبية ضمن الاطار الماركسي العام. وكان أبرز الذين تصدوا للرد الحاد على طه حسين الناقدان الشابان حينها محمود امين العالم وعبد العظيم أنيس في مقالات منفردة ومقال مشترك اتخذ عنوان »الادب بين الصياغة والمضمون« نشر في جريدة »المصري«، عام 1954، وقيل يومها، ولاحقا، والى زمن طويل، انه يشكّل »مانيفستو« /بيان/ اليسار العربي في مجال النقد الادبي (هذا المقال، مع عديد غيره من مقالات الناقدين العزيزين في تلك المرحلة، توليت جمعها ونشرها في بيروت، مع مقدمة دعم حماسية كتبها استاذنا حسين مروة، وصدرت كلها في كتاب بعنوان »في الثقافة المصرية« عام 1955 عن دار الفكر الجديد، في بيروت). في معرض ردهما على طه حسين، في مسألة عناصر العمل الادبي، يقول الكاتبان الناقدان: »... لا نستطيع أبداً ان نحصر الصورة في حدود اللغة، وتضييق المضمون في حدود المعاني، كما يفعل عميد الادب، وتشايعه في ذلك مدرسته النقدية الابداعية (القديمة)، لاننا نعدّ الابداع الادبي مرحلة تتجاوز طلاوة الاسلوب وتفوق لطاقة المعنى، ولاننا نعد العمل الادبي بناء تتكامل صورته ومادته بعملية باطنة فيه، هي كماله وحقيقته« (في الثقافة المصرية، ص 45). قد تكون هذه الصيغة اكثر تحديداً وأقل عمومية من صيغة طه حسين، ولكن الخلاف بشأن الصيغتين كان صاخبا، ذلك ان التوجه العام لمقالة العالم/ أنيس كانت هجومية اكثر منها جدالية... وفيها ايحاء بصورة لطه حسين على غير ما هو عليه، والهجوم على المدرسة القديمة، في النقد وفي السياسة، كان يحشر طه حسين ضمنها فيتلقى هو سهام هذا الهجوم. ففي مطلع مقالة العالم/ أنيس في الرد على طه حسين، هذه الفقرة التي تتضمن حكماً حاسماً: »... نحب ان نقرر أولاً ان ما تتهم به حركتنا النقدية من تغليب للجانب الاجتماعي، انما يرجع الى ما اشاعه هؤلاء الادباء القدامى من فهم قاصر لهذه العلاقة بين صورة الادب ومادته، والى ما يتميّز به ادبهم من جمود وانفصال عن حركة الحياة، والى ما رسّبوه في وجداننا القومي من قواعد نقدية فجة لا تفضي بالابداع الفني إلا الى ازقة مقفلة« (في الثقافة المصرية، ص 39). نضيف ايضا: هذا الكلام الظالم بقدر ما هو غير واقعي: »ان كتّابنا لم يعرفوا الواقعية في الكتابة الادبية، وان الذين عرفوها وقبسوا منها يوما من الايام، تخلّوا عن هذا القبس فيما ألّفوه حديثاً« (ص 35). الى اي حد يصح هذا الكلام، وخاصة بالنسبة لصاحب »الأيام« و»المعذبون في الأرض«؟... ولكن يسار تلك الايام كان ينظر الى من سبقوه بعين الرفض لا بعين التاريخ، فيرى كأن الواقعية بدأت مع اليسار وليس اليسار مواصلا لواقعية طه حسين، مثلا، وآخرين، ومطوّراً لها. ومع هذا، فلعلّي أرى: ان كتاب »في الثقافة المصرية« كان يشكل تعبيراً اوليا عن تيار في النقد الادبي العربي، منهجي ومختلف، يتعدى حالة الانطباع والتذوق او الاحتفال الاساس بعاملي الاسلوب وسلامة اللغة ليدخل في مرحلة من النظر التكاملي الى مختلف عناصر العمل الادبي، ولو عبر تركيز الحديث، في تلك المرحلة، على ثنائية الشكل والمضمون (او الصياغة والمضمون، رغم ان كله »صياغة« تحيل الى النسيج اللغوي بأكثر مما تحيل الى التركيب البنائي للعمل الادبي)... اي: يدخل في سياق النظرة الماركسية بعموميتها الى العمل الادبي، ويرتبط، بشكل ما، بمسار الحركة النضالية (الشيوعية تحديداً) كممارسة. إذا كان هذا الكتاب يدخل في هذا المسار، الذي لم يكن بعيدا عن التزمت، فإن العديد من مقالات الكتاب تعسفت في الحكم على طه حسين وعلى مجمل نظرته الى العمل الادبي، واغفلت السياق العام لكتابة طه حسين، سواء الابداعية الواقعية، او بالاخص البحثية والنقدية حيث تتجلى حداثته وواقعيته في النظرة التاريخية والعقلانية الى التاريخ الاسلامي، وهي دراسات تضعه في طليعة اصحاب المدرسة الحديثة في النقد التأريخي، وفي النقد اجمالا. على ان بعض النقد الحداثي ظل، والى فترة طويلة، يبرز هذا الجانب التعسفي التزمتي في كتاب العالم/ أنيس، دون ان يوجه اصحاب هذا النقد النظر ليس فقط الى الجوانب الاخرى فيه، بل الى التطورات اللاحقة التي حصلت في الممارسات النقدية للعالم وأنيس سواء بالنسبة الى الادب بشكل عام ام بالنسبة الى طه حسين خصوصا حيث ادركا مدى التعسف في احكامهما عليه، وسلّطا الضوء على الثورة التي احدثها طه حسين في مجمل دراساته التأريخية والتراثية والنقدية والادبية على السواء، اضافة الى دوره العملي العظيم في الدفاع عن العقلانية وحرية الرأي والديموقراطية والتقدم الاجتماعي. وفي الطبعة الثالثة من كتابهما هذا (صدرت عام 1989) وضعا مقدمه جديدة له جعلا لها هذا العنوان الدال: »هذا الكتاب... اين نحن منه، واين هو منّا؟«... تحدثا فيها عن ظروف وضع مقالات كتابهما وظروف نشره والآثار الايجابية والسلبية التي نتجت عنه، وذلك في سياق محاولة نقدية موضوعية لاحكام الكتاب نفسه. ويهمنا، هنا، ان نورد هذا الحكم الذي صاغاه، هما، على كتابهما نفسه، هذه المرّة: »... اننا نقرّ اننا، في الكثير من تطبيقاتنا النقدية، كانت العناية بالدلالة الاجتماعية والوطنية للعمل الادبي تغلب على العناية بالقيمة الجمالية. ولن نفسر هذا فقط او بالاحرى نبرره بأن هذا حدث في لحظات كانت تحتدم فيها المعارك الوطنية والاجتماعية، وان كان هذا صحيحا في بعض الاحيان. وانما نفسره، في الحقيقة، بعدم امتلاكنا للوسائل والآليات الاجرائية لتحديد وكشف العلاقة بين الصياغة والمضمون، بين القيمة الجمالية والدلالة العامة كشفا موضوعيا دقيقا. ولعل اثمن ما تعلّمناه طوال هذه السنوات هو محاولة الخروج من الاحكام العامة، سواء فيما يتعلق بالدلالة المضمونية او القيمة الجمالية الى تحديد آليات هذه الدلالة وهذه القيمة على نحو اكثر دقة. وفضلا عن ذلك فقد تعلّمنا حاجة الناقد الى ان يتعامل مع العمل الادبي برحابة صدر اكبر واعمق مما اسعفتنا به ترسانتنا النقدية في تلك السنوات... ايام الشباب...« (ص 23). وفي يقيني ان طه حسين، العقلاني واليساري والمناضل، كان في ضميرهما عندما صاغا، بدقة، هذه الكلمات.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة