As Safir Logo
المصدر:

الركتزيا: حاملة التيفوس وحمى الخنادق

المؤلف: كعوش زياد التاريخ: 2001-07-10 رقم العدد:8946

تسعى منظمة الصحة العالمية الى منع انتشار الامراض المعدية والقضاء على مسبباتها، الا أن مجموعة من الظروف البيئية والاقتصادية والاجتماعية تحول دون تحقيق ذلك، وفي النتيجة يقع السكان في بعض مناطق العالم ضحايا الامراض الدائمة التواجد والتي تسمى »الامراض المستوطنة«. وتساهم حركة تنقل الاشخاص والبضائع بين أرجاء المعمورة في نقل عدوى المرض الى »حيث لا يتوقع الطبيب«. ويحدث أن تتشابه الأعراض بين العدوى الطارئة والحالات الاعتيادية مما يؤدي الى الالتباس في التشخيص، فيعاني المرضى من عدم تلقي العلاج الفعال في الوقت المناسب. ومن تلك الأمراض مجموعة الحميات (fevers) التي تسببها الجرثومة المعروفة باسم الركتزيا (Ricketisia). وصنف المختصون سبعة أمراض على الأقل تسببها هذه الجرثومة من أهمها حمى التيفوس بنوعيها الوبائي والمستوطن، وحمى جبال روكي في أميركا، كما تشير احصاءات قتلى الحرب الكونية الأولى الى عشرات الآلاف من الجنود الذين سقطوا ضحايا الوباء المعروف بحمى الخنادق (Trench Fever) ويروي مؤرخو الحروب أن خوف الجنود من الحمى فاق خوفهم من الرصاص والقذائف. تنتقل العدوى من شخص الى آخر بواسطة الحشرات التي تمتص دماء الانسان والحيوان، ومن أهمها حشرة القمل التي تسبب انتشار التيفوس الوبائي، وتقوم البراغيث بنقل جرثومة ركتزيا التيفوس المستوطن من الجرذان الى الانسان. ومن المعروف أن هذه الحشرات تتوالد حيث يتدنى المستوى الصحي في ظروف السكن الصعبة، وتسود تلك الظروف في مخيمات لاجئي الحروب أو الكوارث الطبيعية ومعسكرات الجيوش المحاربة والسجون. وتشبه أعراض الاصابة في مراحلها الأولى تلك الاعراض المصاحبة لحالات الرشح القاسية التي يسببها الفيروس، ويعاني المصاب من ارتفاع درجة الحرارة والدوار والصداع وآلام العضلات وفي مراحل متقدمة يصاب الجهاز العصبي المركزي مما يسبب فقدان القدرة على التركيز والسيطرة على الحركة، وتظهر بثور حمراء داكنة على جسم المريض. عرف الأطباء جرثومة »الركتزيا« بفضل جهود البكترويولوجي الاميركي هوارد ركتز (Howard Ricketts) الذي اكتشف في العام 1909 الركتزيا المسببة لحمى روكي في أميركا، وبعدها بعام واحد تمكن من اكتشاف الجرثومة المسببة لحمى التيفوس التي اجتاحت المكسيك. ومن سخرية الاقدار أن الحمى تمكنت منه فقضت عليه. وحملة الجرثومة اسم الدكتور ركتز مكتشفها وضحيتها في آن واحد. الركتزيا من حيث الشكل شبيهة بالبكتيريا، وتأخذ شكل العصويات أو المتكورات وهي عبارة عن خلية تحتوي على البروتوبلازم. أما من حيث الحجم فهي أصغر من البكتيريا واكبر من الفيروس، واذا كانت أقرب الى البكتيريا شكلا وتركيبا فإنها شبيهة بالفيروس في مهاجمتها خلايا ضحاياها من الداخل وفي الاعراض التي تظهر على المريض، كما ان استنباتها في المختبر لا يتم الا في خلايا حية. ومن الناحية التقنية المخبرية يمكن رصد الجرثومة بواسطة الميكروسكوب العادي بعد تلوينها بالصباغ المناسب، وقد وجد المختصون أن الاصباغ التي تستخدم لإظهار البكيتريا لا تصلح لتلوين الركتزيا، ولكنها تتجاوب مع الصباغ المعروف باسم جيمسا (Giemsaصs Satain). تشير تقارير منظمة الصحة العالمية الى استيطان حمى التيفوس في بعض المناطق من أفريقيا وأميركا الجنوبية، وفي العام 1997 تم الابلاغ عن عشرين ألف حالة في بوروندي وحدها. ومما يحد من انتشار المرض امكانية العلاج بواسطة المضادات الحيوية بالاضافة الى توفر لقاحات تمنح الافراد مناعة تقيهم شر العدوى. ومن ناحية أخرى تستخدم المبيدات للقضاء على الحشرات والقوارض، كما تسعى الحكومات الى تحسين ظروف السكن ونشر الوعي الصحي بين المواطنين لمنع توالد الحشرات الناقلة للمرض الى جانب توفير الخدمات البيئية التي تساهم في الحفاظ على نظافة المساكن والأشخاص.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة