As Safir Logo
المصدر:

بورخيس اعتبر نفسه شكسبير لكن مدّ شكسبير سرعان ما أغرقه

المؤلف: حيدر صفوان التاريخ: 2001-07-03 رقم العدد:8940

الكتاب: ذاكرة شكسبير. المؤلف: خورخ لويس بورخيس. ترجمة: مها رفعت عطفه. الناشر: دار الطليعة الجديدة دمشق 2001 م. نعيش اليوم في زمن يتصاعد فيه التشكيك بقوة الأدب وبجدواه أيضا! ولكن، في الخمسينات، صدمت الكثيرين منا وأقنعتنا فكرة أن العالم يمكن أن يتغير نحو الأفضل، بفعل تأثير الأدب في ذلك التغير، واستندنا، أساسا، الى أفكار جان بول سارتر حول »الأدب الملتزم«. أما اليوم، فتبدو أفكار سارتر مملة تدعو الى التثاؤب، بينما، ومنذ الخمسينات، بدت كتابات الارجنتيني خورخ لويس بورخيس (1899 1986) موضوعا دائما لمناقشة أفكار سارتر، لا يستنفد. كان بورخيس يمثل، وما زال، كل ما علمنا سارتر أن نكرهه: انسحاب الفنان من العالم، لجوئه الى عالم الفكر، المعرفة الواسعة، أهمية الفنتازيا في الأدب، واهمية الكاتب الذي يحتقر السياسة والتاريخ والواقع، ويقدم، من غير شعور بالعار، شكه واحتقاره الساخر لأي شيء لا ينبعث من الكتب، والتي هي مرجعية الأدب الوحيدة في مصداقيتها. كان بورخيس المفكر الذي لم ينتقد العقائد المغلقة ومثالية اليسار فحسب، وانما كان أيضا المفكر الذي اندفع بتسخيفه للمعتقدات الى حد أنه انضم الى الحزب الارجنتيني المحافظ، وأطلق تصريحات يمينية، حين لم يكن مقبولا من الأديب أن يكون يمينيا. لكن بورخيس لم يكن لا يمينيا ولا يساريا. كان رجلا شجاعا جدا في أثناء فترة النظام »البيروني« في الارجنتين. لقد احتقر بورخيس السياسة، وكان ذلك هو السبب لعدم حصوله على جائزة نوبل للأدب: تصريحاته المعارضة للبيرونية بشجاعة ووضوح عظيمين. اعترف بورخيس مرة في مقابلة أجريت معه: »أنا متعفن من الأدب«! والواقع أن ما لا يتعفن في قصص بورخيس، هو المعرفة الواسعة المتخصصة، الفيلولوجية والتاريخية والفلسفية وحتى اللاهوتية. هذه المعرفة التي تتاخم حدود الحكمة العملية من غير أن تتجاوزها، والتي تتموج فيها بحرية تامة. الاقتصاد يقدم هذا الكتاب »ذاكرة شكسبير« أربع قصص قصيرة لبورخيس: 1) الخامس والعشرون من آب، 1983. 2) ذاكرة شكسبير، قامت بترجمتها عن الاسبانية مها رفعت عطفه، وقدمت ترجمتها بمقالة نقدية بعنوان »دعوة الى قصص بورخيس« كتبها »ماريو باراس يوسا«. يبدو الكتاب بمثابة بيان لأسلوب بورخيس الروائي المقتصد الى حد الهوس. اذ لا يسمح بورخيس بدخول كلمة أو معلومة زائدة، وكأنه يريد أن يفرض ضريبة على براعة القارئ في التفسير والاضافة. هذا الاقتصاد في الكلمات يذكرنا بهمنغواي الذي كان مقتصدا وصارما. ولكن همنغواي لم يكن مفكرا، وبدا أنه يحتقر المفكرين. فعالم همنغواي عالم حقائق وأفعال وكائنات حية. والرمز الخلفي لقصة همنغواي قد يكون حلبة ملاكما، أما لبورخيس فالمكتبة. فلقد امتلك بورخيس ثقافة أدبية غنية، وتحرك بسهولة بين لغات وتراثات مختلفة، أوروبية وآسيوية واميركية لاتينية، وامتلك رؤية لعوبة في الأدب أي الأدب باعتباره لعبة فكرة، من خلالها، يمكن أن تظهر الحقائق الواقعية. ويبدو نابوكوف، في هذا الامتلاك اللعوب، قريبا من بورخيس، ولكن اللعبة الأدبية بالنسبة لنابوكوف، لم تكن الا تمرينا فارغا من الجوهر الاخلاقي، هذا الجوهر الذي تحول مع بورخيس الى رؤيا سحرية للواقع، تصير الحقائق فيها مجرد نقاط انطلاق للابتكار وللتفكير وللمحاسبة وللنقد، وحيث ينصهر الواقع والفنتازيا من خلال الأسلوب ومن خلال السهولة التي يتحرك بها الراوي بينهما. يقول الراوي في قصة »الخالد« لبورخيس: »ليس هناك متعة أهم من متعة الفكر، وقد استسلمنا لها«. هذه الجملة تختصر عالم بورخيس الروائي الذي التهم الفكري ودمر الفيزيائي. ومن خلال ابتكار هذا الاسلوب الروائي، طهر بورخيس وفكْرَنَ ولوّن اللغة الاسبانية بطريقته الخاصة. في القصة الاولى »الخامس والعشرون من آب، 1983« يعالج بورخيس قضية لقاء متوهم بين بورخيس »الخيالي« الذي أتم الرابعة والثمانين وبورخيس »الحقيقي« الذي لم يتجاوز الحادية والستين، والحوار بين الاثنين، يجري في غرفة فندق. ينعي بورخيس »الخيالي« ويبخس قيمة جهود بورخيس »الحقيقي« في الأدب، وتعلو الكراهية المتبادلة بينهما. لكن هذه الكراهية تنتهي بمصالحة تعليمية حين يقول الخيالي للواقعي: »يعلمنا الرواقيون أن علينا أن نتذمر من الحياة، لأن باب سجنها مفتوح! وحظي سيكون حظك! ستتلقى الوحي المباغت فيما أنت مشغول باللاتينية وفرجيل وستكون قد نسيت تماما هذا الحوار النبوئي الغريب الذي يجري بين زمانين ومكانين، عندما ستعود لتحلم به. ستصبح أنا وستصير أنت حلمي. لن يكون هذا غدا، ما زال أمامك سنين كثيرة«! »توقف الرجل عن الكلام. أدركت أنه مات. وبطريقة ما، كنت أموت معه. انحنيت حزينا فوق الوسادة. ولم يكن هناك أحد... في الخارج كانت تنتظرني أحلام أخرى«... شكسبير الثاني في القصة الأخيرة والتي بعنوان »ذاكرة شكسبير« يسرد بورخيس تأرقه الدائم، في ليالي قراءاته لشكسبير، بين حالتين: حالة الاعتقاد بأن بورخيس هو شكسبير الجديد الذي ينبغي عليه أن يسرد »قصة شبابه غير المدون«، وحالة الاعتقاد بأن على بورخيس أن يكتب سيرته الذاتية، والتي تعادل في أهميتها بنظره سيرة شكسبير المفقودة. لكن بورخيس يستسلم للاعتراف التالي: »لا أعرف أن أروي قصتي الشخصية، والتي تفوق قصة شكسبير روعة! لم أتأخر في اكتشاف أن هذا الجنس الأدبي يتطلب شروطا لا تتوفر عندي. إن هذا الكتاب سيكون من غير جدوى. لقد منحت المصادفة أو القدر شكسبير أمورا تفاهة ومروعة يعرفها جميع البشر، لكنه هو الذي عرف كيف يحولها الى أساطير، والى شخصيات عامرة بالحياة والى أشعار لن تتركها الاجيال... شعرت في المرحلة الاولى من المغامرة، بنعمة أن أكون شكسبير، وفيما بعد، شعرت بالضيق والرعب. ومع مرور الزمن، غمر نهر شكسبير الكبير دفقي المتواضع. ولاحظت بهلع، أنني بدأت أنسى لغة آبائي الاسبانية لقد كنت قد تخيلت نظاما من أجل ايقاظ الذاكرة القديمة، وكان يتوجب أن أبحث عن أخريات لمحوها. كانت احدى الطرق دراسة أساطير وليم بلايك، تلميذ سويدنبورغ المتمرد. أدركت أنها أقل تعقيدا. أخيرا عثرت على الحل الوحيد كي أعمّر الانتظار: الموسيقى الفسيحة والمكتوبة، إنه باخ! ومن خلال قراءة هذه القصص، وبسبب قصرها وانضغاطها، وحرية الاستطراد والالتفات فيها، نفهم لماذا كانت النوع الأدبي الأكثر ملاءمة لتلك »الموضوعات« و»القضايا« التي حثت بورخيس على الكتابة القصصية، الى جانب كتابته للقصائد الغنائية وللأبحاث النقدية المستفيضة. وبفضل اتقان بورخيس لصنعته القصصية، فإن الزمن، والهوية، والاحلام، والألعاب الأدبية، والطبيعة الفكرية التجريدية للواقع، وسحرنته، بل وقضية الخلود والأبدية، فقدت جميعها غموضها واعاقتها وارتدت سحرا وبعدا دراميا قصصيا. إنها التفاصيل والهوامش الثقافية الدقيقة، التي تبدأ بها قصص بورخيس، وبذكاء خيالي وثاب، والتي تنهي بها هذه القصص، من جديد، عندما يتحطم الخيال على رفوف مكتبة الواقع، المظلمة، مثل كهف ثقافي، لم تغادره عينا بورخيس المظلمتان، الا من خلال التلاوة المضيئة لأكداس الكتب، ومن خلال ما أضاء فيما كتب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة