شهدت نهاية القرن العشرين تطورات هائلة في مجالات الطب والعلوم والتكنولوجيا، لا يمكن التقليل من اهميتها. وإن تسارع هذه التطورات قد شكّل انعطافات حادة في فضاء الوعي والفكر الانسانيين وغدت تشكل ما يشبه الثورة التي تكاد تطيح بكل ما هو اساسي في حياة الانسان. لقد تغير وجه العالم بفعل هذه التطورات العلمية وظهر القلق شديدا في حياة الناس نتيجة ما احرزته علوم الحياة وخاصة في مجال الاستنساخ. فهل هي قفزة في الفراغ، وهل هي خروج عن القواميس؟ السؤال المطروح اليوم: ماذا تحضر لنا المختبرات؟ من القضايا العلمية التي نتجت عن تقدم البحوث والدراسات من علم الهندسة الوراثية او هندسة الجينات والتي احتلت مكانة بارزة على الصعيد المحلي العلمي والعالمي، قضية الاستنساخ. ماذا يعني الاستنساخ في اللغة: نقول: »الاستنساخ: كتْبُ كِتاب من كِتاب. وفي كتاب الله الكريم * أنّا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون* الجاثية 29. يقول ابن منظور اي نأمر بنسخه وإثباته. كما ان النسخ قد يكون إبطال الشيء واقامة آخر مقامه، او هو نقل الشيء من مكان الى مكان وهو هو، وقد يكون النسخ بنسخ الشيء ليكون مكانه، والعرب تقول: »نسخت الشمس الظل اي ازالته والمعنى اذهبت الظل وحلت محله«. والمعنى الاصطلاحي في عملية النسخ البيولوجية موضوع ندوتنا هو عملية مطابقة الاصل لشبيه له عن طريق البويضة والخلية فهو عملية لا تزاوجية جنسية بل جسدية تتم عبر تنشيط الجينات بواسطة تعريض الخلية لبعض الشرارات الكهربائية ومواد محثة على الانقسام الخلوي حيث تتم العملية بانتزاع نواة من احدى خلايا الكائن الحي المراد استنساخه الذي قد يكون ذكرا او انثى حيث يتم وضع النواة في بويضة انتزعت من رحم انثى بعد تفريغها من محتواها واستئصال نواتها الانثوية ثم تنقل البويضة بمحتواها الجديد بعد حثها على الانقسام معمليا لتزرع في رحم انثى لتستكمل مدة الحمل الطبيعي حتى تنتج كائنا حيا هو صورة طبق الاصل للكائن الحي المراد استنساخه الذي تم انتزاع نواة من احدى خلاياه الحية. ومعنى ذلك أن الاستنساخ الجيني البشري قد يكون استنساخا احاديا، ثنائيا او ثلاثي الاطراف او حتى بين امرأة وامرأة. استنساخ الكائن الحيواني بعد ان اسفرت تجارب الاطباء في مختبرات الهندسة الوراثية عن استنساخ لبعض الحيوانات حيث تم استنساخ نعجة اطلق عليها اسم »دوللي« Doly على يد العالم إيان ويلموت في اسكتلندا واصبح الامر واقعا، فإننا لا نثبت من مشروعية هذا العمل بشكل تلقائي حتى نتلمس مدى الضرر والافادة من عملية الاستنساخ لهذا الكائن الحيواني، وان تكون هناك مصالح حقيقية وفائدة للبشر لا ان يكون هناك اتجاهات يتحكم بها عمل المختبرات ولا ندري مداها وآثارها. والسؤال المطروح: ما مدى هذه التقنية بالنسبة للمستقبل البعيد وخاصة ان التجربة لا تزال جديدة وقد تناقلت اخبار الصحف العالمية والمحلية عن اوضاع غير مستقرة لهذا الكائن الحيواني المستنسخ علما بأنه جرت اكثر من 158 محاولة لاخراج دوللي الى الحياة. والسؤال الذي يطرح ايضا: ما هي الطفرات التي يمكن ان تحدث مستقبلا؟ وحيث ان هناك من يقول بأن الهندسة الوراثية قدمت بعض الحلول ولكن هناك مخاطر لا بد من ان توضع في الاعتبار. فما الذي يمكن ان يحدث لو ان العلماء توصلوا الى نتائج خاطئة ادت الى تشكيل مخلوق لا يمكن التخلص منه او ان جرثومة خطرة خرجت من المختبر وتكاثرت بسرعة وادت الى نشر وباء في العالم يمكن ان يتسبب بمشاكل ومآس للبشرية. واذا كان هدف ويلموت (على حد زعمه) هدفا اقتصاديا كما اعلن، وان هذه التقنية في استنساخ الكائن الحيواني تعود بالفائدة على البشرية من حيث انتاج حليب من حيوانات كثيرة الدر وانتاج حيوانات جيدة اللحم وجيدة الصوف. فإن الامر لا يزال في مهده والخوف الذي قد يتأتى من وراء هذه العملية هو الخوف من تشويه بيئة هذه المخلوقات، واذا كان الوضع في حالته الراهنة غير ثابت ومستقر من كل جوانبه العلمية والعملية فإننا لا نأخذه كله كما هو بل لا بد من التثبت من مشروعيته وان لا نقول بها بشكل تلقائي وإن كنا نجيزه في الاصل مع التحفظ لآثاره الجانبية وما يطرأ عليه في المستقبل وفق ما هو متناقل في الاخبار العلمية لهذه التقنية. استنساخ الكائن البشري إن رسم الحدود الشرعية للاستنساخ الجيني البشري هو ضرورة ملحة يفرضها الدين واجتناب الوقوع في ما هو محظور. واذا كان البعض ينادي بعدم وجوب التسرع في اعطاء حكم حول مشروعية الاستنساخ الجيني البشري على اعتبار ان هذه التقنية لم تتبلور أبعادها الى يومنا هذا ولم تحدَّد ماهيتها وطبيعتها بشكل دقيق وما اذا كان من الممكن تطبيقها من الناحية العلمية والطبية على الانسان حيث بدأت على اثرها الانظار تتجه حول امكانية استنساخ الانسان ومشروعية هذا الاستنساخ في حال حدوثه وتحققه. فالمشكلة قائمة شنا ام ابينا وقد يستطيع العلماء غدا استنساخ الانسان. ونحن اذ كنا مع عدو التسرع ازاء هذه المسألة فإن هذا لا يعني ان ننتظر حتى يتم التمكن فعليا من استنساخ البشر، بل يعني عدم التسرع في اعطاء حكم عشوائي مجرد من السند والاساس الشرعي والقانوني او اعطاء حكم يتصف بالعمومية والاطلاق من دون الاخذ بعين الاعتبار جميع الفرضيات المتاحة والقيام بدراستها وتفصيلها وتحليلها من جميع الجوانب. واذا كنا بصدد تناول مسائل تدور في اطار العلاقة بين الشريعة والطب فإن ذلك يستلزم الوقوف على المعطيات والحقائق العلمية والطبية التي نعايشها الآن. ونظرا لحداثة تقنية الاستنساخ الجيني فإن تناول الموضوع في الاسترشاد والاستشهاد وبما تتناوله المجلات العلمية والصحف المحلية والعالمية بصدد هذه التقنية وذلك من اجل الوقوف على طبيعة هذه العملية وآثارها المحتملة والمختلفة على حياة الانسان وابداء الرأي الشرعي والفقهي على ضوء هذه المعطيات والفرضيات التي وصلتنا. من اجل تحديد مدى موافقة الاستنساخ البشري لمبادئ الشريعة الاسلامية المقررة لحماية جسم الانسان ينبغي علينا الاخذ بالاعتبار جميع الفرضيات المتاحة. فالاستنساخ تقنية تعنى بإنتاج كائن حي هو نسخة لكائن حي آخر، وتقوم العملية اساسا بانتزاع نواة من احدى خلايا هذا الكائن المراد استنساخه الذي قد يكون ذكرا او انثى ووضعها (اي النواة) في بويضة اخذت من رحم انثى بعد تفريغها من محتواها واستئصال نواتها. ثم تنتقل البويضة في حالتها تلك وتزرع في رحم انثى لتنتج كائنا حيا هو صورة طبق الاصل للكائن الحي المراد استنساخه الذي تم انتزاع نواة من احدى خلاياه الحية. ولعدم ضرورة المعاشرة الجنسية فإن الامر لا يقتصر فقط على استنساخ الانسان الحي بل يمكن استنساخ الانسان الميت بعد اخذ نواة من خلاياه خلال فترة حدوث الوفاة يقررها الطب. إن البحث في المشروعية الدينية للاستنساخ الجيني البشري، اي اتفاق او تعارض هذه التقنية مع المبادئ الشرعية الدينية الراسخة والمقررة في حماية جسم الانسان، يتطلب منا البحث في تقنية الاستنساخ المفترضة لتحديد مدى المشروعية. إن لإباحة الاعمال الطبية والجراحية اي لخروجها من دائرة التعدي الى دائرة الاباحة، يُستلزم الى جانب موافقة الشخص ان يكون القصد من القيام بهذه الاعمال السعي الى شفاء هذا الشخص من مرضه او وقايته منه او انقاذ حياته او بصفة عامة تحقيق مصلحة مشروعة له. وقد يكون الامر على سبيل الوجوب او الندب او الاباحة. وحتى نستطيع ان نقرر ان عملا طبيا او جراحيا يحقق هذا الهدف او القصد ومن ثم القول بمشروعية هذا العمل وإباحته، لا بد من ان يكون هناك نوع من التوازن المعقول بين المخاطر والاضرار التي من شأن هذا العمل ان يقدمها للشخص والمزايا والمنافع التي تعود عليه منه. فمتى كانت المخاطر والاضرار تفوق كثيرا المزايا والمنافع كان هذا العمل غير مشروع من الناحية الدينية والاخلاقية، حيث يبقى في دائرة التحريم والتعدي ومن شأنه ان يرتب مسؤولية شرعية جزائية ومدنية على الطبيب الذي قام به، وان تكون اخلاق المهنة هي الراعي لتلك الاعمال. الاسئلة التي تطرح على ضوء تقنية الاستنساخ في حال حدوثه وآثار هذه العملية على جسم الانسان وحول حق الجنين والطفل في حالة خروجه الى الحياة. المفاعيل والآثار الشرعية والقانونية في ما يتعلق بالنسب والميراث والحقوق الابوية والشرعية الاخرى. حسب رأي العلم والطب إن الاستنساخ الجيني شيء والعلاج الجيني شيء آخر (الخريطة الوراثية وفك رموزها). فالمعول عليه في المستقبل من خلال فك رموز الشيفرة الوراثية الكامنة في الجينات ان نتعامل مع الوحدات الاساسية الحاملة للبيانات الوراثية للكائن الحي سواء أكنا بصدد انسان او نبات او حيوان، فإنه يمكن حسب رأي العلم عن طريق استخدام تقنية الهندسة الوراثية او هندسة الجينات من معالجة بعض الجينات الوراثية في الانسان الحاملة لبعض الامراض كالسرطان او السكري او البروستات. على ضوء ذلك يتضح ان الهندسة الوراثية تقنية من شأنها ان تنقذ حياة انسان او تقيه من مرض ما فهي علاج جيني حاسم لبعض الامراض الوراثية وليس من ينكرها شرعاً وقانوناً وإن كان نخاف من توليد كائن حي يأتي على طراز معين في لون العينين والبشرة والطول والقصر. في مقابل ذلك ليس هو الشأن بالنسبة للاستنساخ الجيني البشري فالاستنساخ البشري شيء والعلاج الجيني شيء آخر، فكما اوضح الدكتور علي عبده اسماعيل احد اساتذة وعلماء الوراثة في مصر بقوله »لا توجد علاقة بين الهندسة الوراثية والاستنساخ حيث ان الاستنساخ هو عمل فيزيولوجي 100$ وهناك فارق جوهري بين الاستنساخ والهندسة الوراثية«، فالاستنساخ عكس الهندسة الوراثية تماما اذ ان الاخيرة تضيف او تحذف لكن الاستنساخ معناه ايجاد نسخة طبق الاصل. وفي مؤتمر دولي في واشنطن حول الاستنساخ دافع العالم إبان ويلموت عن نعجته المستنسخة دوللي وعارض استنساخ البشر وقد جاء الرفض لاستنساخ البشر عن احد المشاركين في هذا المؤتمر اذ قال: إن استنساخ البشر يعتدي بل يضرب بعنف كل القواعد والنظم التي تحكم العلاقات الصحيحة ليس فقط بين الرجل والمرأة او بين الزوج والزوجة او بين الآباء والابناء او بين الجنين والانجاب، بل وهذا هو الاخطر بين الانسان وربه، إن محاولة التدخل واللعب في التوازن الطبيعي بين الذكور والاناث والذي وضعه الخالق هو نسف لقاعدة اساسية مستقرة منذ بدء الخليقة وهي قاعدة التفرد. واذا فقد الانسان صفة التفرد فقد معها على الفور تميزه كإنسان. لقد سقنا هذه الاسئلة والآراء لنبني على الشيء مقتضاه. ونقول: »اذا كان الزواج هو علاقة حميمية بين الزوج والزوجة والاولاد هم ثمرة طبيعية لهذه العلاقة التي تسكنها المودة المشبعة بعواطف الابوة والاموم، فمن شأن الاستنساخ على ضوء ذلك ان يؤدي الى اختلال هذا النظام وفقدان العواطف وخسارة المودة والتراحم وضياع الأسرة التي هي نواة طبيعية وضرورية لبناء المجتمع وبناء الانسانية. اذ يقول الله في محكم كتابه الكريم * ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون* سورة الروم الآية 21. بل هو اعتداء على الفطرة الانسانية؛ فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهناك اجماع من فقهاء المسلمين على تحريم الاستنساخ البشري لكونه يشكل عبثا بالبشرية ويؤدي الى فسادها، وانه يخالف المنهج الالهي في الخلق ولانه يؤدي الى اختلاط الانساب وانهيار الأسرة والى مفاسد كثيرة، وإن ما يحدث من وراء الاستنساخ من تغيير لخلق الله مرفوض دينيا والقرآن الكريم يؤكد ان هذا التفكير يكون مصدره وساوس الشيطان. وقد جاء في الآية الكريمة من سورة النساء * ولأمرنهم فليغيرن خلق الله* سورة النساء الآية 115. فأي اعتداء على خلق الله هو اعتداء شيطاني يجب التنبه له والوقوف ضده والتنبيه من مخاطره وعثراته. إذاً، هناك تحديات بالغة الخطورة على النظام القانوني للنسب وما يتبعه من آثار مرتبطة بالميراث وحقوق الصغير بالحضانة والنفقة موانع الزواج بين الاقارب ووجود طوائف من النساء على درجة من القرابة لا يجوز للولد ان يتزوج بهن. ونظام النسب في قانوننا مستمد من الشريعة الاسلامية والاساس فيه هو الآية الكريمة * ادعوهم لآبائهم هو اقسط عند الله* سورة الاحزاب آية 5. وكذلك الحديث النبوي »الولد للفراش«. فنظام النسب عندنا مبني على حالة معيارية بأن الانجاب لا يتحقق إلا بالتلاقي بين رجل وامرأة متزوجين بعقد صحيح وبالوطء المحقق. ولم يكن لفقهاء المسلمين ان يقيموا احكام النسب والحمل على غير واقعة اللقاء بين الرجل وزوجته وقرينتهما في ذلك الزواج الصحيح او الفاسد او وطء الشبهة. وتتفق كلمة الفقهاء على ان أقل مدة للحمل هي ستة اشهر وهم لم يستندوا في ذلك الى اسانيد الطب او علم البيولوجيا وإنما من تخريج النصوص ومن ذلك قوله تعالى * وحمله وفصاله ثلاثون شهرا* سورة الاحقاف آية 15، وقوله تعالى * والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن أراد ان يتم الرضاعة* سورة البقرة الآية 233. فقد دلت الآية الاولى على ان مدة الحمل والرضاعة ثلاثون شهرا ودلت الآية الثانية على ان مدة الرضاع حولان. وبضم الآيتين الى بعضهما البعض واسقاط مدة الرضاع يكون الباقي لمدة الحمل 6 اشهر. من يكتسب صفة الامومة في حالة الاستنساخ؟ فقد يساء الاستخدام وتخصب بويضة الزوجة بخلية رجل ثم توضع البويضة في رحم امرأة ثانية كمؤجر لعدم قدرة رحم الاولى على القيام بوظيفته، هنا تدخل عملية شراء البويضات واستئجار الارحام وتختلط الانساب ويختل بناء الأسرة. والفقه الاسلامي تحدث بإفاضة عن حالة المرأة المرضعة المرأة الظئر التي تؤجر ثديها لارضاع الصغير في فترة احتياجه للرضاعة. هذه الحالة تحكمها قاعدة كلية في الفقه الاسلامي »ما يحرم بالنسب يحرم بالرضاعة«. فلمن يعطى حق الامومة في مثل هذه الحالات؟ فهل نعطي حق الرؤية، رؤية الصغير للمرأة التي اخذت البويضة منها ونعطي حق الحضانة للمرأة التي زُرعت البويضة في رحمها. ان العملية تثير مشاكل عديدة، فالطفل المستنسخ لن يكون نتيجة تفاعل بين الخصائص الوراثية للرجل والمرأة بل هو شبه تكرار لخصائص الشخص المانح، رجلا كان او امرأة. وتزداد حيرتنا في التساؤل عن الهوية الاجتماعية والقانونية للطفل المستنسخ فهل يعتبر أخاً او اختاً أم ابنا لوالديه؟ ويبدو الامر اكثر غرابة وخوفا عندما يكون واهب الخلية امرأة لتزرع في بويضة امرأة اخرى ليخرج طفل هو نتاج تزاوج بين امرأتين بدون أب. اننا، نحن اهل الشرق المؤمنين حاملي قيم الحضارة الفاضلة، نخشى الاستنساخ ونرفضه من اجل ان تكون الحياة اكثر شرفا وقدسية وفضيلة. وعلى فرض نجح الاطباء في استنساخ البشر وفق الفرضية المتداولة حتى اليوم فإن التطابق سوف يكون في البنية البيولوجية العضوية وليس في الصفات النفسية الاخلاقية والعقائدية والثقافية بمفهومها الواسع. فالاخلاق ونمط الشخصية والثقافة صفات تتعلق بالبيئة وليست بالوراثة ككل. فكما قال الرسول (ص) »كل مولود يولد على فطرة فأبواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه«. فالأسرة بيئة والعشيرة بيئة والحزب بيئة والطائفة بيئة. والاستنساخ كما اوضح الدكتور مختار الظواهري استاذ علم الهندسة البشرية في كلية العلوم جامعة الكويت، ينتج نسخا طبق الاصل وراثية ويكون الشكل متطابقا ولكن الاستنساخ لا يستطيع نقل الخبرات والسلوكيات من الاصل الى النسخة، فالخبرة والسلوك يكونان نتيجة تفاعل التركيب الوراثي للفرد مع البيئة فلا نتوقع ان تكون النسخ متطابقة في سلوكها وثقافتها وخبرتها مع الاصل. فمن غير المنطقي ان يظن الناس ان استنساخ الطبيب يُنتج طبيبا او ان استنساخ عالم رياضيات سوف ينتج ذاك العالم بل يجب ان يمر بجميع المراحل التي مر بها الاصل وتحت العوامل والظروف نفسها وهو امر لا يمكن تأكيده. إن استخدام العلم وتطبيقاته على مستوى النبات والحيوان في سبيل ان يستفيد الانسان منه أمر يتقبله الشرع ولا يرفضه شرط ان لا يساء استخدامه ويبقى ضمن ضوابط الشريعة واحكامها، وان لا يؤدي مستقبلا الى ما نخشاه ونخاف منه. ولكن التدخل في سنة من سنن الله لا يمكن ان يوافق عليه اي رجل دين بل واي مسلم. ونرى نحن رجال الدين ان هناك حدوداً وضعها الله للانسان لا يمكن تجاوزها لذلك لا يجب ان يأخذ العلماء الغرور فيعتقدون انهم قادرون على التلاعب بالحياة فقط لانهم استطاعوا تغيير طبيعة النبات والحيوان البيولوجية. فالله لن يترك الانسان يعبث كما يشاء ويقول الله في محكم كتابه * حتى إذا اخذت الأرض زخرفها وأزينت وظن أهلها انهم قادرون عليهم أتاها أمرنا ليلاً او نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس وكذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون* سورة يونس الآية 24. إن أية محاولة لتغيير الخلقة ام تبديل فطرة الانسان والعبث بتركيبه الوراثي بحيث يمكن السيطرة عليه وتسخيره من اجل تحقيق اهداف غير إنسانية، ان هذا كله مخالف للسنة الالهية ولفطرة الله التي فطر الانسان عليها، اذ يقول الله عز وجل * فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم* الروم الآية 30. إن اي محاولة لتغيير خلق الله ما هي إلا اتباع لخطوات الشيطان. يقول الله في كتابه العزيز *إن يدعون إلا شيطانا مريدا، لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً ولاضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الانعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبينا* سورة النساء 117 119. وسائل الرقابة والمكافحة القانونية إن نقص المعرفة لدى الشعوب لمستحدثات العصر يأتي كحافز قوي على اننا بحاجة الى ثورة ثقافية شعبية يقودها مثقفون متخصصون في كل بلادنا العربية لتبسيط ونقل كل مستحدث على مستوى العلوم البيولوجية والطبية وغيرها. وكما نهتم بصحة الجسم فيجب ان نهتم بصحة العقل من خلال الإعلام. نحن بحاجة الى ان يعرف الجمهور كل شيء، حتى اذا ما أُخذ رأيه في موضوع ما يستطيع ان يوافق او يرفض بوعي وليس عن جهل، وقوانيننا العربية لا تسعفنا كثيرا في هذا المجال ووسائل الوقاية والمكافحة القانونية قليلة وعلى المشرع الوضعي ان يتدخل في تقرير النصوص والقواعد بل اقامة نظام قانوني لحماية جسم الانسان، نظام صالح للتطبيق على كل ميدان من ميادين العلم والطب حيث ان حقول العلم والطب في تسارع مستمر ولا يكتفى بالقواعد والمبادئ العامة الموجودة في النصوص لان عملية كهذه تمس اهم مفهوم ارتبط بالانسان اعني مفهوم (القدسية)، فالانسان كان ولا يزال من وجهة نظر كل الاديان اقدس المخلوقات وان حياته اقدس من ان تسلب او تتعرض للعبث. وعلى تشريعاتنا الوطنية ان تسير وتستوحي هدي الشرائع السماوية التي كرمت الانسان وجعلته خليفة الله على الارض وان لا نفرط في أمنه وسلامته، وفي ذلك يقول الله تعالى في كتابه العزيز * ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير مما خلقنا تفضيلا* سورة الإسراء آية 70. وإذا كان رجال الدين والفقهاء والمشرعون القانونيون يناقشون هذا الموضوع على اساس انه احتمالات وتوقعات مستقبلية، فإن عليهم ازاء هذه التطورات الاهتمام بها، اذ ان خطورتها ترجع الى انها تتعلق بحقوق ومصالح الانسان التي تتعلق بالنسل والنفس والعقل والتي هي مصانة بالشريعة وحفظها من المقاصد الاساسية للشرع، ومن هنا جاءت اهمية الابحاث التي توضح الحدود التي يمكن فيها تطبيق مكتسبات الطب وعلم الاحياء على الذرية الادمية على نحو لا يخل بالقواعد الاساسية للشريعة ولا يهدد المصالح التي تدور حولها الاحكام الشرعية. ومن هنا فإن مهمة الفقهاء والمشرعين هي التأكد من ان مثل هذه التطورات لن تخالف الشرع وانه اذا خرج الاطباء والعلماء بأي رأي او اكتشاف علمي جديد فلا يكون هذا الاكتشاف والرأي صحيحين إلا اذا وافقا القرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة. واذا تعارض اي اكتشاف مع القرآن الكريم والسِّنة النبوية فلا يكون حقا والشرع الاسلامي يأبى ان يعامَل الانسان معاملة الاموال لان الله عززه وكرّمه على بقية الخلق. (*) نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى. (بحث قُدم في ندوة علمية عقدت في المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية التابع لجامعة الدول العربية بيروت).