نزلوا بالآلاف الى الشارع، كما يفعلون دوما لوداع الذين يحبونهم فقط. نزلوا يرحبون بسعاد حسني تعود الى ارض الوطن وتبقى في هذه الارض الى الابد. مشوا خلف نعشها، وعلم مصر يحتضنه، رافقوها في رحلتها الاخيرة، الى حيث، ربما، تجد راحة افتقدتها منذ زمن. نزلوا بالآلاف، يودعون نجمة اضفت على حياتهم، حياتنا كلنا، طعما آخر، وبعض فرح لم تخبره كثيرا، ثم رحلت كما رحل من قبلها رموز كثيرون لزمن جميل آخر. عدد كبير من النجوم شارك عشرة آلاف محب في وداع سعاد حسني. نجوم منهم من رافقها منذ بداياتها في السينما، ومنهم من عرفها استاذة ونموذجا يحتذى. والى جانب اسرتها وشقيقتها المطربة نجاة الصغيرة، حضر كل من علي بدرخان رفيق الدرب، وناديا لطفي ويوسف شاهين وسميرة احمد وحسين فهمي ومحمود ياسين وعادل إمام وآثار الحكيم ومحمود عبد العزيز وحمد هنيدي وأبو بكر عزت ورجاء الجداوي ودلال عبد العزيز وكثيرون آخرون. وكان بعض المودعين ينتحب خلال الصلاة على روح الفنانة الراحلة قبيل ظهر امس في مسجد مصطفى محمود في المهندسين غربي القاهرة، وكانت الصلاة مقررة في مسجد عمر مكرم في ميدان التحرير، ولكن تقرر نقلها توقعا لوصول اعداد كبيرة من المشيعين. وتولى حوالى ثلاثمئة عنصر من القوات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية حماية الجنازة. وقامت قوات الامن اثر انتهاء الصلاة بنقل الجثمان سريعا بسيارة إسعاف الى مدافن الاسرة من دون السماح للجماهير بالسير وراء نعشها. وليل امس الاول، عادت سعاد حسني الى مصر التي غادرتها قبل ست سنوات لكنها عادت في نعش مصنوع من الخشب ومغطى بوشاح اخضر مطرز بآيات قرآنية مكتوبة بحروف مذهبة، وصل على متن رحلة عادية لشركة مصر للطيران. وكان في استقبال النعش اسرة الراحلة وعدد من زملائها. وقبل اسبوع، رحلت سعاد حسني. سقطت من الطابق السادس في مبنى »ستيوارت تاور« في لندن. وانتهت بذلك قصة بدأت قبل 57 عاما قضت الاعوام الاخيرة منها في المعاناة والألم. رحلت السمراء التي يزين وجهها الملائكي عينان سوداوان كبيرتان متلألئتان بأهدابهما الطويلة، والمتحدرة من بيئة متواضعة لأب سوري الاصل كان خطاطا أنجب سبعة عشر ولدا آخرين من زيجات عدة. رحلت »زوزو« التي بدأت رحلتها الفنية في الثالثة من عمرها في برنامج إذاعي كان عنوانه »بابا شارو« قبل ان يكتشفها المخرج هنري بركات ويقدمها في دور البطولة الاول لها على الشاشة الكبيرة في العام 1959 في فيلم »حسن ونعيمة«. كانت تلك بداية رحلة فنية استمرت حتى العام 1991 اثمرت 75 فيلما جسدت سعاد حسني فيها مجموعة كبيرة من الشخصيات وأدت أدوارا مختلفة، بعضها كوميدي وبعضها الآخر درامي أتقنت تقديمها جميعا حتى كرّست نجمة من صنف نادر، ذات موهبة استثنائية وقدرة عالية على الاقناع. واستطاعت الراحلة ان تجسد عبر الادوار التي قامت بها في افلامها المختلفة مدرسة خاصة شاملة في التراجيديا اقل ابتعادا عن الواقع مما خالف السائد في الاربعينيات والخمسينيات. وكذلك اعطت لأدوار الاغراء بعدا روحيا جماليا بعيدا عن استثارة المشاعر الفظة وسمت بهذه الادوار لتضعها في اطار من الحيوية بعيدا عن احتقار جسد المرأة التي جسدتها نجمات الاغراء قبل ذلك وبعده. وقد اختيرت نتيجة إبداعها كأفضل ممثلة في تاريخ السينما المصرية لدى اختيار النقاد عشرة من افلامها ضمن افضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية مع نهاية القرن الماضي. وانتهت الرحلة الفنية مع فيلم »الراعي والنساء« (1991) الذي أدت خلاله دورا مميزا على الرغم من مرضها الشديد. أما رحلة سعاد حسني الانسانة فربما تكون قد انتهت قبل ذلك بقليل. هل انتهت في العام 1988 عندما اصيبت باكتئاب شديد قاد الى مرض عضوي قضى على عامودها الفقري؟ ام انها انتهت مع رحيل العملاق صلاح جاهين الذي استطاع التقاط مكامن السحر والجاذبية في شخصيتها بحيث نسج معها علاقة متينة تركت أثرا كبيرا على حياتها ومستقبلها وبات بمثابة أب روحي لها لم تتمكن من تجاوز رحليه حتى لحظة وفاتها؟ قبل ذلك الاكتئاب الذي قضى عليها، كانت حياة سعاد حسني غنية ومتنوعة، فقد أحبت العندليب الراحل عبد الحليم ورفضت الحديث عن علاقتهما كما أراد هو، وكانت تصمت وتغرق في نوع من العزلة عندما كانت تُسأل عن علاقتها به. وتزوجت خلال حياتها خمسة هم المصور صلاح كريم والمخرج علي بدرخان والفنان فطين زكي عبد الوهاب وكاتب السيناريو ماهر عواد. لكنها لم تنجب من اي منهم. وودعت الجماهير جثمان الفنانة وسط اتهامات كثيرة بأن الحكومة ساهمت في موتها بوقفها منحة علاجها بذريعة كلفتها التي تجاوزت مليون جنيه (260 ألف دولار) فضلا عن انتقادات الصحف التي أساءت إليها وصوّرتها كمتشردة في شوارع لندن. رحلت طوعا؟ وخرجت ناديا يسري، الصديقة التي عاشت مع سعاد حسني أيامها الاخيرة، عن صمتها امس وقالت ان زوزو انتحرت »لأنها اصيبت بضيق شديد بعد عودتها الاخيرة من المصحة، وزادت هذه الأزمة بعد اطلاعها على ما نشر في وسائل الاعلام عنها«. وقالت نادية يسري التي كانت تستضيف الفنانة الراحلة في شقتها السكنية في لندن ان »مشهد سقوط (سعاد حسني من شرفة الشقة) كان رهيبا ولا يمكن ان يضيع من مخيلتي حيث قصت شبكة سلك كنت وضعتها على البلكونة لمنع دخول الطيور... لقد شاهدتها في البلكونة اثناء دخولي الى باب العمارة وفوجئت بسقوطها اثناء وجودي في المصعد«. وقالت نادية يسري التي وصلت على الطائرة نفسها التي أقلت جثمان سعاد حسني إن الفنانة الراحلة وضعت خطة للانتحار وتمكنت من تنفيذها اثناء وجود الاولى خارج المنزل لساعتين. ورفض أفراد اسرة الفنانة الراحلة فكرة انتحارها وقالوا إن معنوياتها كانت مرتفعة جدا في الآونة الاخيرة وإنها كانت تستعد للعودة الى مصر في نهاية الشهر الحالي. كما رفض عدد من الفنانين الذين كانوا في استقبال جثمانها عند وصوله الى مطار القاهرة فكرة الانتحار، وقال الفنان سيد راضي انه قدم بلاغا الى مدير إدارة البحث الجنائي في مطار القاهرة يتهم فيه نادية يسري »بالتسبب بوفاة الفنانة الراحلة« بهدف »الاستيلاء على مجوهراتها ومذكراتها«. وقدمت مجموعة من الفنانين شكوى الى النيابة العامة تتهم فيها ناديا يسري بقتل سعاد حسني رافضين »فكرة انتحار الراحلة نظرا لتفاؤلها الدائم وإقبالها على الحياة« مشيرين الى تقارير اكدت »حصول مشاجرة قبل 15 دقيقة من حادث سقوطها« إذ سمعت أصوات وصراخ. وقال مقدمو الشكوى ان الجثة »وجدت حليقة الرأس تقريبا« كما عثر على حذاء الفقيدة المنزلي »موزعا بين الحمام والشرفة«، الامر الذي يؤكد عدم انتحارها حسب رأيهم. (ا ف ب، رويترز، ا ب)