توفيت الممثلة المصرية سعاد حسني، امس الجمعة، في لندن، حيث كانت تعالج من مرض غريب نهش عمودها الفقري، وراح يتغلغل في جسدها، الذي لطالما كان يقض مضاجع شباب الستينيات والسبعينيات. هوت ساندريلا الشاشة العربية في الموت، وتركت وراءها روعة المماحكة اليومية مع المرض والالم والتمزق، فإذا بعطرها يفوح في مسام الذين لن يجدوا عزاءً برحيلها، ولن يتوصلوا الى تحقيق حلم روادهم طويلا: عودتها إليهم، سيدة على الشاشة والقلوب، وامرأة خالبة عقول الرجال والنساء معاً، وممثلة حققت جزءا من تألق السينما المصرية والعربية. تغلب الموت على سعاد حسني، بعد رحلة من الصراع اليومي معها، جعلها تنعزل في اوجاعها ودمارها الداخلي، رافضة الانصياع لشفقة عابرة، او لمنة من احد. فهي المتمردة، دائما حتى على فراش الالم على واقع التشتت الذاتي، فالماضي لا يزال متوقدا بوهج الاشعة الطالعة من بريق عينيها وحركة يديها وسلوك جسدها أداءً لشخصيات عكست الحب والاحباط ووطأة التحولات السياسية والاجتماعية، وتمايلا على انغام الرقص والغناء. غير ان حاضر موتها كشف افلاس المجتمع والناس، حين انكفأ كثيرون عنها، لتجد نفسها في دوامة الوحدة ومتاهة القهر. لعلها أدركت، منذ وقت بعيد، معنى مواجهة الموت، وكيفية تحدي الغيبوبة القاتلة التي يعانيها المجتمع العربي. لعلها ألهمت آخرين كيف يمكن ان تكون عليه الحياة، وكيف يمكن كسر حدتها باختراق متاهاتها، وبعيش يومياتها حتى آخر لحظة ولذة. تخلّت عنها سلطات ومؤسسات، شأن ما يواجهه عظماء انكسروا في الصمت، لأنهم آثروا الابتعاد عن الاضواء، من دون ضجة، او ربما مع بعض الضجة، حين يرغب احد هؤلاء الكبار بأن يستثير حالة عامة من الاستسلام للنسيان، ومن السبات في جحيم اللامبالاة. منذ العام 1991، حين اطلت للمرة الاخيرة على الشاشة الكبيرة، في »الراعي والنساء« لعلي بدرخان، لم تكن سعاد حسني تشي، اقله بالنسبة الى غالبية الجمهور العريض، بأنها ستغادر المشهد، وستترك البلاتوهات، لتواجه موتها البطيء بصلابة امرأة عرفت دائما كيف تحظى بالاضواء والنجومية الحقة، وكيف تمارس فعل الحياة بأدق تفصيلاتها. قيل ان هذا المرض الغريب الذي تسلل رويدا الى جسدها، قبل ان يتفشى في أنحائه المختلفة، انقض أولا ًعلى مسحة الطفولة المزمنة في نظراتها، بل في جمالها الشبق والآسر. كأن المرض اعلن حقده على سحرها القاتل، او كأن حضورها في الوعي الجماعي العربي اثار المرض بقوته وشفافيته، فاخترق سطوتها ليدمر جسدها، من دون ان يصل الى روحها النضرة. عشرة اعوام مضت على إطلالتها الاخيرة. فالعمر غفلة، والسنوات اسرع من ان يتمكن المرء من الامساك بوتيرتها. والعمر لحظة، عاشتها سعاد حسني حتى الرمق الاخير، لتعلن انتصارها الحقيقي على الموت، قبل زمن بعيد. عشرة أعوام فصلتها عن محبيها، حين شاهدوها للمرة الأخيرة الى جانب أحمد زكي ويسرا والصبية ميرنا، في »الراعي والنساء«؛ تذكّر كثيرون لقاءها الحسي الأول بالرجل القادم الى عزلة النساء، فشغفوا بروعة أدائها وهي تلمس الوجه الذكوري كأنها تتحسس رغبة دفينة في اعماق ذاتها، بحثا عن نبضها المدفون في غربة الانقطاع عن العالم. غير ان محبيها هؤلاء، لن ينسوا لائحة طويلة من الأعمال السينمائية، التي بدأتها وهي في السابعة عشرة من عمرها، حين مثلت في »حسن ونعيمة« (1959) لهنري بركات؛ وأنهتها في آخر عمل جمعها بزوجها السابق علي بدرخان، وهي في التاسعة والأربعين فقط. يبدو لي انها عرفت كيف تتحايل على الزمن، وكيف تتلاعب به. كأنها انغمست في تشعباته وتناقضاته، كي تصنع منه مرآة لذاتها ولشغفها الكبير بالحياة. لعبة الحياة والموت مثلت وغنت ورقصت، وأمسكت بيديها لعبة الحياة والموت، فأمضت حياتها حتى أقصى حدودها وجنونها، ومزقت حجب الموت حين عرفت كيف تعيش أيامها بكل دقائقها والتفصيلات. اشتغلت مع كبار، وشاركت في بطولة افلامها (اثنان وثمانون فيلما) الى جانب كبار، فهي كبيرة منذ نعومة اظفارها، الصبية المدللة على الشاشة، بعد ان عرفت البؤس والعذاب منذ الطفولة. وهي كبيرة منذ ان وقفت أول مرة أمام الكاميرا، لأنها ابتكرت نمطا في الأداء مزج في طياته البساطة والحلم، والعشق الحقيقي لأن تجعل من السينما مرادفا مبسطا للحياة؛ او لأن تصنع من الحياة مادة غنية للسينما. من بركات وفطين عبد الوهاب وحسن الامام وعز الدين ذو الفقار وأحمد ضياء الدين ونيازي مصطفى ومحمود ذو الفقار وصلاح أبو سيف ويوسف شاهين، الى حسام الدين مصطفى وشريف عرفة وسعيد مرزوق ومحمد خان ومحمد فاضل وعلي بدرخان. ومن نور الشريف وحسن يوسف ورشدي أباظة ومحمود ياسين، الى أحمد زكي وحسين فهمي ونادية لطفي وشكري سرحان وآخرين: تاريخ حافل بالأعمال، ومحطات زاخرة بالمواعيد والدلالات. حين أخذني الصديق وائل عبد الفتاح الى الشارع الخلفي لبيته في منطقة الأهرام بالقاهرة، لم أكن أعلم اني بت على بعد خطوات قليلة من منزل جميل سكنته، ذات مرة، سعاد حسني، زوجة لبدرخان. وقفت أمام المنزل ذي الطابقين، أحاول ان امعن النظر في ما وراء الاشجار والجدران، لعلي احظى بوجه امرأة جعلتني أحب السنيما أكثر، وأعشق ناسها ومناخاتها. كنت أعلم انها لن تطل، فهي خرجت من بابه نحو مصائر أخرى، لتزرع في الذات باقة من حب صنعته بأفلامها وشخصياتها وسحر حياتها اليومية. ولدت سعاد حسني في السادس والعشرين من كانون الثاني 1942، في منطقة ميدان الأوبرا، من أب يدعى محمد حسني البابا، أحد أبرز فناني الخط العربي، ذي الأصول السورية. انفصل والداها في وقت مبكر، وبدأت تشارك بالغناء في برامج الأطفال في الاذاعة، مع بابا شارو، حين كانت في الثالثة من عمرها، واشتهرت بمجموعة من الأغنيات التي كتبت لها خصيصا، مثل »أنا سعاد أخت القمر«. تولى الفنان عبد الرحمن الخميسي رعايتها فنيا، وعمل على تأهيلها كممثلة، فقدمها الى المخرج حسن الصيفي الذي كان يفترض به إنجاز »حسن ونعيمة«، قبل ان يتولى المهمة هنري بركات، الذي تحمس لها ومنتج الفيلم الموسيقار محمد عبد الوهاب. ومنذ ذلك الحين، شاركت في بطولة ما لا يقل عن ثمانين فيلما، علما بةنها قدمت للتلفزيون عشر حلقات منفصلة من مسلسل »هو وهي« (تأليف سناء البيسي، معالجة وأشعار صلاح جاهين، موسيقى وألحان كمال الطويل وعمار الشريعي، إخراج يحيى العلمي). كما عملت للإذاعة في ثلاثة مسلسلات: »نادية« (صوت العرب)، و»الحب الضائع« (الشرق الأوسط) و»أيام معه« (إذاعة الشرق في باريس). لها ثلاث اغنيات خارج اعمالها الدرامية: »دولامين« (شعر أحمد فؤاد نجم وألحان كمال الطويل)، »ما يؤخذ بالقوة« (شعر صلاح جاهين وألحان سيد مكاوي) و»صباح الخير يا مولاتي« (تأليف صلاح جاهين وألحان كمال الطويل). أما المسرح، فلم يعرفها إلا في تجربتين غير مكتملتين، هما: »هاملت« لشكسبير و»في سبيل الحرية« التي كتبها جمال عبد الناصر أثناء دراسته. على الرغم من افلامها التي بلغت اثنين وثمانين عملا روائيا طويلا، يرى البعض ان اشهر تلك الأعمال يبقى »خلي بالك من زوزو« (1972) لحسن الإمام، الذي عرض في صالات الدرجة الأولى ثلاثة وخمسين اسبوعا. تعاونت مع نيازي مصطفى في تسعة أفلام، منها »الساحرة الصغيرة« (1963) و»صغيرة على الحب« (1966) و»بابا عاوز كده« (1968) وغيرها، واشتغلت بإدارة حسام الدين مصطفى في ستة أفلام، مثل »المغامرون الثلاثة« (1965) و»شقاوة رجاله« (1966)؛ ومع علي بدرخان، مثلت في ستة أعمال أيضا، أبرزها »الكرنك« (1974) و»أهل القمة« (1979) و»الجوع« (1986). »كانت جزءا من فترة جميلة عشناها جميعا«، كما قال الروائي المصري جمال الغيطاني في رحيلها، مضيفا انها »رمز لأيام الحيوية والنشاط، تلك الأيام التي انتهت«.