As Safir Logo
المصدر:

الردود حول قصيدة النثر معركة شخصية شرف لا أدّعيه وتهمة لا أنكرها

المؤلف: حجازي احمد عبد المعطي التاريخ: 2001-06-13 رقم العدد:8923

في التعقيبات التي نُشرت خلال الأسابيع الاخيرة في بعض الصحف ردا على ما أثرته حول قصيدة النثر، لاحظت لدى البعض محاولة متكررة لتحويل المسألة الى معركة شخصية، لأن المعركة الشخصية أظرف وأكثر اثارة وقدرة على التسلية من النقاش الموضوعي وهي فرصة لتسويق بعض الاسماء، واستعراض بعض المهارات الرخيصة، وصرف الانظار عن الاسئلة الحقيقية التي تمتحن فيها المواهب والمقاصد والخبرات. لكني لا أجد ما يشجعني على خوض هذه المعركة لأن المعركة الشخصية ليست مجرد تطاول ومهاترة، وانما هي أيضا لها مواصفات، وتقاليد، وشروط لا أعتقد أنها متوفرة الآن. فضلا عن أن المناقشة الموضوعية أولى وأحق لأن الاسئلة المطروحة على قصيدة النثر أسئلة ملحّة بقدر ما هي متجاهلة، فلا بد من التحلي بأكبر قدر مستطاع من الموضوعية ونحن نناقشها. النثر فن أيضاً ولقد قيل في القصيدة النثرية كل ما يمكن أن يقال من كلام نظري، وبقي شيئان، الاول أن يتمكن القراء من تذوقها، والآخر أن ينجح النقاد في تفسير ما يجدونه فيها من جمال متحقق، أي أن تأتي التجارب المكتوبة في قصيدة النثر مصدّقة للنظريات المنشورة التي نستطيع أن نفهمها كنظريات لكننا لا نجد في قصائد النثر تطبيقا لها يدل على صدقها، ولهذا يظل النقد النظري في واد، وقصيدة النثر في واد آخر.. النقد النظري يقول مثلا إن في النثر ايقاعا يمكن أن يغنينا عن العروض، بل إن ايقاع النثر في زعمهم أرقى من أوزان الشعر، لأنه خافت يعتمد على الصور والمشاعر والافكار أما أوزان الشعر فدربكات، ودفوف، وصلاصل، ونقرأ قصيدة النثر فنجد نثرا قد يكون جميلا ممتعا بما يتضمنه من صور ومشاعر وايحاءات والتفاتات، لكننا نبحث عن الايقاع فلا نجده، ونطلب من الناقد أن يدلنا عليه فيعجز ويرتج عليه، واذا هو مثلنا حائر كأنه لا يستطيع أن يعجزه، ولا يطيق يقول أن الايقاع موجود لكن أدواته هو لا تمكنه من اكتشافه، ولا يستطيع أن يقول إن الايقاع غير موجود كما زعم هو من قبل أو كما زعم غيره، وعليه فإن قصيدة النثر نثر يمكن أن يستفيد بالشعر أو يستعير بعض عناصره المعنوية، لكنها ليست قصيدة لأن القصيدة لا تقوم بالمعنى فقط. ولكنها تقوم في كل شيء بالكلمات أي بالاصوات. ومع أن قصيدة النثر لم تعد بدعة جديدة كما كانت منذ مائة عام، بل أصبحت الآن بدعة قديمة تبنتها أجيال متوالية، وظهر فيها كم ضخم من الانتاج فنحن لم نقرأ لأي ناقد كلاما مقنعا يبرر نسبتها الى فن الشعر، وهذا هو أصل المناقشة وجوهر السؤال. لا أريد ولا أستطيع ولا يستطيع غيري أن يمنع أحدا من كتابة قصيدة النثر أو ينكر ما نجده في بعضها من جمال رشيق وفطنة عصرية، لكن المتعة التي تجدها فيها ليست هي المتعة التي تجدها في القصيدة الموزونة سواء كتبها أمرؤ القيس، أو شوقي، أو نزار قباني، أو أمل دنقل. المتعة التي نجدها في قصيدة النثر أقرب الى ما نجده في النثر منها الى ما نجده في الشعر. والنثر فن أيضا، لكنه فن آخر يختلف عن فن الشعر فإذا ادعى أحد أن هذا هو ذاك فالبينة على من ادعى وليقنعنا بما يقول. وهذا هو المأزق الذي يحاول بعضهم أن يتجنب الوقوع فيه بتفسير أتى في قصيدة النثر تفسيرا شخصيا، وتشبيه موقفي من الذين يكتبونها بموقف الأستاذ عباس محمود العقاد مني ومن زملائي الذين ظهروا في الخمسينات، وخرجوا على الطرق التقليدية الموروثة في استخدام العروض، واستحدثوا في الوزن والتقفية طرقا لم تكن مستخدمة من قبل فقصيدة النثر في رأي هؤلاء السادة طور جديد من أطوار الشعر، وثورة شاملة على التقاليد والقواعد الجامدة ومع أني بدأت مجددا، وكتبت شعرا كان في وقته ثورة فنية، فقد انتهيت محافظا بحكم تقدمي في السن، وهذا هو مصدر عجزي عن تذوق قصيدة النثر، وأنا بهذا أتنكر لتاريخي، وأرتد على نفسي كما تنكر العقاد لتاريخه، اذ بدأ مجددا يعارض شوقي وينقده ويسخر من شعره، ثم انتهى مقلّدا يحارب المجددين الذين كنت أنا واحدا منهم، ولهذا حاربت العقاد وهجوته، ثم انتهيت محافظا كما انتهى. ولقد أشار أكثر من معقب الى قصتي مع الاستاذ العقاد، ورأى أن موقفي من قصيدة النثر شبيه بموقف العقاد من الشعر الجديد، ولهذا أجد نفسي مضطرا لاستعادة هذه القصة ومناقشة هذا التشابه الذي يبدو للبعض وكأنه تطابق، وكأن التاريخ يعيد نفسه فأنا العقاد الآن أو صالح جودت، أو عزيز أباظة، وهم صلاح عبد الصبور أو عبد الوهاب البياتي، أو لويس عوض. والحقيقة أني كنت طرفا مباشرا أو حتى سببا مباشرا في المعركة التي قامت بين الاستاذ العقاد والشعر أو الشباب المجددين، وقبل أن أبدأ نشر قصائدي عام 1955 كانت قصائد صلاح عبد الصبور الذي سبقني بعام أو عامين تُنشر فيرحّب بها أنصار التجديد، ولا يشعر سواهم بالخطر، حتى نشرت قصائدي فاستقبلها الناس استقبالا حسنا، وأحسوا بأن التجديد ليس نزوة عابرة، أو تجربة فردية، أو اسما لا غير وانما هو حركة تتسع وتغير لغة الشعر وشكله ووظيفته. شعراء أم نصّابون وقد تمثلت هذه الحركة أول ما تمثلت في القصائد التي نظمها عدد من الشعراء الشباب خلال المقاومة الوطنية للعدوان الثلاثي، وقام المجلس الأعلى للفنون والآداب بجمعها من الصحف وتقديمها الى لجنة الشعر لتختار منها ما يستحق الجوائز التي رُصدت لهذا الغرض. وقد تحمس بعض أعضاء اللجنة لقصائد منها قصيدتي أثبتت بأعلى السلم كالاستاذ علي أحمد باكثير والاستاذ كامل الشناوي. غير أن الاستاذ العقاد الذي كان مقرر اللجنة رفض ادخال هذه القصائد المنظومة بالطريقة الجديدة في المسابقة، وأحالها على لجنة النثر. وهنا بدأت معركتنا معه التي ظلت شعلة حتى رحيله في يوليو سنة 1964، وبلغت ذروة عنفها في سبتمبر سنة 1961 حين دعانا المجلس الأعلى للفنون والآداب أنا وصلاح عبد الصبور للمشاركة في مهرجان الشعر الذي كان يقيمه في دمشق، دون أن يستأذن في ذلك الاستاذ العقاد. وكنا قد دُعينا في العام السابق 1960 للمشاركة في المهرجان ومرت تجربتنا الاولى بسلام، لأننا شاركنا فيها بقصائد نظمناها في الأوزان التقليدية وأردنا بها أن نثبت للجميع قدرتنا على السباحة في كل البحور، فالفن ليس مجرد نشاط تلقائي أو ثرثرة عضوية وانما هو ملكات تعمل في وقت واحد وتخضع عملها لنظام دقيق شاركت في وضعه الامة كلها بأجيالها المختلفة وخبراتها المتراكمة، فإن كان للشاعر أن يعيد التشكيل أو يضيف شيئا من عنده فلن يتاح له أن يفعل الا اذا تغلغل في تراث هذا الفن، وعرف أدواته وأسراره، واصبح قادراً على اللغة كأنه هو الذي ابتكرها ووضع قواعدها. والذين يظنون أنهم شعراء، وهم لا يستطيعون أن يميزوا بين الرجز والكامل أو يدركوا الفرق بين الفاعل ونائبه، ليسوا أكثر من نصّابين! وأعود الى قصتي مع العقاد فأقول إن التجربة الاولى مرت بسلام وتكررت الدعوة في العام التالي وسافرنا بالفعل دون أن نعد بالتزام الأوزان التقليدية، فأرسل الاستاذ العقاد الى يوسف السباعي في دمشق يهدد بالاستقالة من المجلس الأعلى للفنون اذا سمح لنا بإلقاء أشعارنا الجديدة في المهرجان ورضخ السباعي للتهديد بالطبع، فالعقاد هو العقاد، زعيم من زعماء الثقافة الحديثة، اذا قال فعل واذا حضر أغنى واذا غاب افتُقد لم نلق أشعارنا، فوجدنا نحن أيضا من يفتقدنا، اذ كنا في تلك المرحلة المبكرة قد أصبحنا معروفين. وعدت الى القاهرة غاضبا لأنظم قصيدة في هجاء العقاد تجربتي أن تكون في البحور التقليدية التي لا يتسامح العقاد في الخروج على قاعدة من قواعدها. ومع أنني جرّبت الهجاء قبل ذلك في الأوزان الجديدة كما فعلت في قصيدتي »دفاع عن الكلمة«، فقد رأيت في هجائي للعقاد أن أجعله في بحر البسيط: من أي بحر عصر الريح تطلبه/ إن كنت تبكي عليه، نحن نكتبه/ يا من يحدث في كل الأمور، ولا/ يكاد يحسن أمرا أو يقربه/ أقول فيك هجائي وهو أوله/ وأنت آخر مهجو، وأنسبه/ تعيش في عصرنا ضيفا، وتشتمنا/ أنّا بإيقاعه نشدو ونطربه/ وأننا نمنح الأيام ما طلبت/ وفيك صناع من التاريخ مطلبه/ وفيك لا أمسنا زاه ولا غدنا/ وفيك أبهت ما فينا وأكذبه/ وتدّعي الرأي فيما أنت متهم/ فيه، وتسألنا عما تخربه/ وانه الحمق لا رأي ولا خلق/ يعطيك رب الورى رأساً فتركبه/ مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن/ مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن/« وأعطيت القصيدة التي جاءت في ثلاثة مقاطع من هذا البحر ولهذه القافية لزميلنا الاستاذ أحمد بهجت الذي كان يشرف على الصفحة الأدبية في الاهرام آنذاك، فنشرها لتثأر لي من العقاد على نحو فاحش لا أتمثله الآن الا وأعجز عن أن أواري سوءتي؟. لأني في سورة من سورات غضبي وطيشي آذيت هذا الرجل العظيم الذي اضطّر الى أن يرد علي بحديث مع صحيفة المساء قال فيه وله الحق بل هم الذين يعيشون في عصر العقاد فإذا جاء اليوم من يقول لي ها أنت تكرر مع أصحاب قصيدة النثر ما صنعه العقاد معك قلت له: هذا شرف لا أدّعيه وتهمة لا أنكرها! أريد أن أقول إن الموقفين متشابهان لكنهما غير متطابقين. متشابهان لأن كل ثورة لا بد أن تصير في النهاية الى نظام والا فهي لم تحقق شيئا من الثورة في السياسة أو في الاجتماع أو في الفن والادب، توسع مجال الحرية وتجعل الحركة في هذا المجال الحر حقا مشروعا أي قانونا، وبهذا تكتمل. ولقد ثار العقاد على شعراء عصره، لأن قصائدهم كانت نثرا موزونا وأوصافا باردة لا روح فيها، فلما ظهر الرومانتيكيون واصبح الشعر تصويرا وتأملا وبوحا واعترافا تحوّلت ثورة العقاد الى ذوق عام. ولقد ثرنا على العقاد وأثبتنا للناس أن الشاعر يستطيع أن يتحرر من الاوزان التقليدية ويكتب شعرا جديدا في أوزان جديدة فلما حققنا ما بشّرنا به، وقرأ الناس شعرنا وتبنّوه لم يعد هناك ما نثور عليه الا الجهالة والسوقية! ومع ذلك فسيرتي مع الشعر لا تتطابق وسيرة العقاد معه. العقاد بشّر بالشعر الحر ثم حاربه وطارده في كل مكان، واعتبره نثرا، واتهم أصحابه بأشنع التهم ولم يحدث قط أني تحمست لقصيدة النثر، بل كنت أعتبرها دائما شعرا ناقصا ولم أغيّر رأيي حتى الآن وبالرغم من هذا كتبت عنها، ونشرت نماذج منها في ابداع وتربطني بعدد من أفضل كتابها صداقة وثيقة. ولنفرض في النهاية أني أكرر العقاد، من ذا الذي يكرّرني؟ (*) يُنشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة