As Safir Logo
المصدر:

»لايف« عرض كوريغرافي راقص لنادرة عساف في »مونو« حركة الجسد المأسورة بالنموذج الثقافي

مشهد من العرض
المؤلف: باشا عبيدو التاريخ: 2001-06-11 رقم العدد:8921

قدمت نادرة عساف، على خشبة مسرح مونو، عرضها »لايف« (LIFE)، عرض كوربغرافيا ادائية راقصة، اخراج ربيع خوري. مشاهد، تقع بين الشاعرية والواقع وبين الرمزية والتعبيرية مع فرقة »السراب«. كأنه عرض فتوة وازدهار، عرض نادرة عساف »لايف«، حيث التحولات الاجتماعية والمكاسب والانجازات، تشكل لعبة التعاكس بين الفني واللافني، او صلة الوصل الابدية، بين الشيء والشيء الاخير، الضرورة والحتمية. غير ان مثل هذا السلوك والتوجه، يؤثران في حكاية المهنة او الامتهان وانفتاحها على الاجتماعي المفتوح بدوره على الثقافي. و»لايف« نادرة عساف، عرض ثقافي بنسبة 99 بالمئة، في الخيار والمصوغ والفلسفة التي يدور العرض عليها. ركائز التعابير ثقافية. الاختيارات الموسيقية ثقافية، وضعية الراقصة ثقافية. جمع الراقصات، احوالهن الفردية، تقشف المنصة، كل هذه، احوال ثقافية تدور في افلاك الراقص والدراما، لانهما صنوا مسرحية نادرة عساف. مسرحية تدور على صياغة عقد مفاهيم النهضة الراقصة في السنوات الاخيرة في العالم؛ اواخر النصف الاول من القرن العشرين، وبدايات النصف الثاني من القرن ذاته. نادرة عساف، تساهم في كتابة صفحة الرقص، باستلهام التجارب الماضية، لكي تغربلها في خيارات خاصة، بهدف استعمال ناتج الغربلة في العمليات الفنية الواسعة، الدائرة دائما لديها، بين راقص ودراما. مواقف درامية مارتا غراهام، حاضرة بقوة في لايف. ذلك ان جسد الراقصة، عند نادرة عساف، هو جسد جذع، تبدأ الحركة به، وتتمدد منه. الجذع جذر العرض في مشاهده المتتالية. اثنا عشر مشهداً، بلا رابط محدد، الا اجساد الراقصات، اللواتي حاورن الهواء بأجسادهن، في ألعاب راقصة ومواقف درامية، شفافة، رشيقة ولينة. الحب الاول، خيبة القلب، موقف القلب والذهن، صداقة، حوار، قبول، نمو، تنوير افكار، ثم »الاجتماع اللبناني«. تركت الاجتماع اللبناني الى آخر العد، للتأكيد على الهواجس الاجتماعية السياسية، التي ينتحلها العرض في ضمنياته وعلانياته، في اسلوب راوح بين الرمزية غير الثقيلة والتعبيرية والواقعية المباشرة، الطالعة من محترفات الرقص، كما هي في صورها الاخيرة، على موسيقى، لطالما اكدت البعد الثقافي لعرض نادرة عساف. وهي موسيقى ستينيات وسبعينيات وثمانينيات. روك ايقاعي وراب وجاز وبلوز، بأصوات البلوز البعيدة. جولة في ثقافة عالمية، لا تريدها نادرة عساف حكراً على احد. لذا، ارادت ان تعممها، بتقديمها في نسيج علائقي، مال قليلاً وكثيراً الى نبرة تعليمية، امسكت بالاجساد الراقصة نادراً. ذلك ان نمذجة الصوت الثقافي، في الجسد، لم تحرر الجسد، قدر ما أسرته بصوت النمذجة نفسها. هكذا راحت الرؤية تكتسب شعبها، في عمليات قصدية، كلستها او صدتها، بحيث لم تصب غاياتها بالسهولة، التي احبت عساف ان تقيمها في عرضها وان تبني عرضها عليها. الا ان ما يبرر لعساف وقوعها في بعض المطبات، هو العمل نفسه. باعتبار ان »لايف« لم يبن كمجرد نزوة عابرة او محاولة خريج شاب لديه حماسة في ملء وقت الفراغ. تأصلت الرؤية هذه في عرض نادرة عساف، في نشأة وتربية وجدانيين على الرقص، انعكست على الرقص، لما لم ينفصل العقل عن الوجدان ولا الوجدان عن العقل، في تصميم المشاهد الراقصة الدرامية او الدرامية الراقصة، في اجواء منفتحة على اساليب الرقص بكليتها، في خطوة قد تقود عساف لاحقا الى تصفية احلامها في مصوغ، تختاره وتذهب في تطويره، او في قراءته نقدياً، حتى تستخرج منه، الخاص والبيئوي. خفر المخيلة لعل نادرة عساف تصفي عروضها اللاحقة، من الطموحات الفائقة او الكلية. لان تعميق العلاقة بالرقص، يفترض اقامة الجسور بين طالب الرقص والرقص نفسه، في منأى عن الاحتشادات. كأن يغلي العرض، بالاشارات الثقافية البالغة: تاريخ الموسيقى وتاريخ المعمار وتاريخ الثورات وتاريخ الازياء، وتأثيرها في الحركات الاجتماعية والفنية. لن يحدث هذا كله بضربة واحدة. لان الحتميات، لا تقع في عرض اول او ثان او حتى في عرض ثالث. ذلك ان الانجازات الوثيقة في اي ضرب فني، بحاجة الى عاملين هامين اثنين: شروط الثبات الطالعة من القواعد المتداولة، والمخيلة. احسب ان المقارنة بين حضور العاملين، ستميل لصالح القواعد المتداولة: المخيلة حاضرة، ولو بخفر شديد. حدها، حد الرغبة في كتابة عرض راقص، متين ومتماسك وممسوك بالشروط، قبل تحرير استنابة قيدها الى خشبة المسرح. الاوضح هو غير الاعنف. الاعنف هو غير الاوضح. العنف واضح في »لايف«، غير انه ليس صريحاً. ثم ان الوضوح، ليس لسانا ينطق بغير الكذب. انه عمليات فنية معقدة، تحمل الى بساطة، هي بوابة الى سلوك الرقص في خصيصته لدى سيدة، تريد لعرضها ان يستمر، خارج عرض واحد. قضية ملحة، تتنكر لحكاية التوازن بين الكوريغرافيا والاخراج. لان المسافة بينهما في »لايف« ليست ضيقة. بون شاسع بين الكوريغرافيا والاخراج. ذلك ان الاول، هو العرض، مولده، اناؤه، حامل الادوات والعناصر والتفاصيل في ألعاب ارتقائية، لا تزال تبحث عن هوية وتاريخ محددين، في عمليات تواصل تبدو ضيقة في عرض نادرة عساف، في تغليب الذاتي على المفهوم الشامل، سواء جاء هذا المفهوم من اللحظة الاجتماعية المحدودة او الزمن اليومي العادي او من الديناميكية الثقافية. يطل التشكيل كنواة فوق تقشف المنصة، منصة عارية بأجساد عارية تصارع معايير العلاقة بالهواء. مفردات حاسمة، تنتظر تطويراً، بدون استنكاف، في اتخاذ الجسد وضعية في الخيال قبل الواقع. لان السؤال الذي يطرحه »لايف« نادرة عساف: كيف يتخذ الجسد في الخيال وضعاً، في غياب الخيال في مرامح حريته. اذ ان النحت ليس خيالا (النحت عنوان عريض في عرض نادرة عساف) بل ان النحت لا ينبت إلا من خيال.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة