As Safir Logo
المصدر:

صفحات من المعركة الأدبية صعود الأدب اليساري ومحاكمة الإصلاحيين.. حرب معارضات وديموقراطيات

طه حسين يشتري العافية
المؤلف: دكروب محمد التاريخ: 2001-06-08 رقم العدد:8919

يروي محمود أمين العالم انه، في العام 1946 او 47، قام مع صديقين له بزيارة طه حسين في منزله، وان الحديث دار حول الأدب والفن ثم مال الى حديث السياسة، وكان الصراع محتدما بين قوى اليمين في الحكومة، وقوى اليسار في الشارع الثائر بوجه الرجعية والانكليز.. ولاحظ طه حسين من مجرى الحديث ان محدّثيه هم من جماعة اليسار الناشطين، فآنس فرصة يبدي فيها لزائريه ملاحظة انتقادية لا يزال محمود العالم يتذكرها: »... قال طه حسين ما معناه: انكم تتحدثون كثيرا عن الثورة وتكتبون عن ضرورة الثورة، ولكنكم لا تعرفون ولا تتقنون فن العمل الثوري.. ما أحوجكم الى دراسة التكتيك الثوري والاستراتيجية الثورية«.. ينقل محمود العالم هذا القول الرائي لطه حسين، ويعلّق بقوله: ».. لعل هذا اللقاء المبكر مع طه حسين كان عاملا من العوامل الحاسمة في تشكيل مجرى حياتي خلال السنوات التي تلت هذا اللقاء..«. وردت هذه الرواية في مقالة لمحمود أمين العالم بعنوان »طه حسين.. مفكرا« نشرها في مجلة »الهلال« المصرية عام 1966. بين تاريخ ذلك اللقاء (1946) وتاريخ كتابة المقالة ونشرها (1966) جرت احداث وأحداث وأحداث، منها معركة خاضها كتاب من اليسار المصري (والعربي عموما) ضد طه حسين و»جماعته من أصحاب.. المدرسة القديمة!« لعله من المفيد جدا ان نستعيد، الآن، ملامح من هذه المعركة الغلط التي خاضها كتاب اليسار العربي، ومنهم بالأخص محمود أمين العالم نفسه، وشارك فيها، بشكل ما، كاتب هذه السطور، ضد طه حسين، بالذات!.. ولا أتذكر تماما متى وأين وكيف بدأت هذه »المعركة« التي عُرفت باسم »معركة القديم والجديد« او »معركة شيوخ الأدب وشبّانه«.. فالكتب العائدة لتلك المعركة (»خصام ونقد« لطه حسين، و»في الثقافة المصرية« لمحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس وكذلك مختلف المراجع التي »تؤرخ« لتلك المعركة) تحدد زمان المعركة بالعام 1954، أيام نشر طه حسين في جريدة »الجمهورية« مقالة شهيرة بعنوان: »صورة الأدب ومادته«.. ولكن، في العودة الى مجلدات مجلة »الثقافة الوطنية« اللبنانية اليسارية، التي كنت أقوم بمهمة تحريرها، والعائدة لتلك المرحلة، يتبين ان طلائع المعركة بدأت قبل عام وبعض العام من هذا التاريخ.. وكما تبين من العودة الى هذه المراجع، وكما أتذكر بوضوح، ان الكتاب اليساريين العرب الذين شاركوا في هذه المعركة، اهتموا أساسا بتركيز الانتقاد على طه حسين، فحشروه بين جماعة »الأدب القديم«!. واحيانا حشروه بين اصحاب اليمين وهو الذي كان يُعتبر بين اصحاب الشمال، او بين المخاصمين لأولئك والمتعاطفين مع هؤلاء.. حرب الديمقراطيات } .. ففي إشارة اولى للمناخ الخصامي بين اليساريين وطه حسين، مقالة صغيرة نشرتها مجلة »الثقافة الوطنية« اللبنانية تحت هذا العنوان اللافت: »طه حسين يشتري العافية«! (5 شباط/ فبراير 1953) يشير كاتبها الى محاضرة ألقاها طه حسين بعنوان »الديمقراطية«، وبدلا من ان يكشف الكاتب الأسباب التي دفعت طه حسين الى اختيار الكلام عن »الديمقراطية« في العام الثاني للثورة المصرية، حيث بدأت بوادر حجب الديمقراطية عن الشعب، وبوادر حجب الحرية عن الكتاب والمثقفين عامة.. راح الكاتب يعلّق على المحاضرة هذه بأقوال تميل الى اتهام طه حسين لا مناقشة الموضوع، فيقول: »لقد كان حسنا ومنطقيا من الاستاذ (يعني: طه حسين..) ان يجعل توفير العمل والخبز والتطبيب المجاني وتعميم التعليم من الشروط الأساسية للديمقراطية الحديثة التي يريدها لجمهوريته »الفاضلة«، ولكنه اي طه حسين يعلم ان هذه الشروط لم تتوفر في الديمقراطيات الغربية، بل هي متوفرة في الاتحاد السوفياتي«.. .. فكان على طه حسين كما رأى الكاتب ان لا يصوغ شروطا للديمقراطية وما يتطلبه منها، بل ان يرى هذه الشروط حيث هي متوافرة، في الاتحاد السوفياتي... وكان عليه اي طه حسين ان لا يتباكى على الحرية الفردية في بلد الاشتراكية الاول، فهذا يخدم أعداء الحرية والاشتراكية، معا!! على ان طه حسين، في محاضرته، كان قد قال أفكاره المعروفة عنه، بصدد الديمقراطية، وملخصها: ان الديمقراطية لا تتكامل الا »بتوفير العمل والخبز والتطبيب المجاني وتعميم التعليم« وان العدالة الاجتماعية (.. فالاشتراكية) بدورها لا تتكامل الا بتوفير الديمقراطية والحرية.. وهو ردد باستمرار، في مضمون دراساته وتصريحاته ومقالات مجلته »الكاتب المصري« انه »يأخذ من اليسارية والاشتراكية العدل الاجتماعي وإنصاف المعذبين والمظلومين، ومن النظام الرأسمالي يأخذ الديمقراطية والحرية« (جملة وردت في حديث أعطاه طه حسين للأستاذ نسيب المتني، رئيس تحرير جريدة »التلغراف«، في إحدى سفرات طه حسين الى لبنان عام 1955). وقد تبين فيما بعد، بزمن طويل جدا اي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ان طه حسين كان يرى الى الأبعد... فإن حضور الكثير جدا من الحقوق الاجتماعية في »الاشتراكية المطبقة« لم يمنع من انهيار الاتحاد السوفياتي، وذلك لعدة أسباب، بينها سبب أساسي هو بالذات: غياب الديمقراطية. اي، بالنتيجة، نقصان العدالة الاجتماعية.. فاذا عدنا الى تلك الفترة من الخمسينات، ورأينا الى غياب الديمقراطية في تلك المرحلة من نظام عبد الناصر، وان المئات من التقدميين واليساريين كانوا في السجون.. لتبين لنا ان طه حسين كان يدافع، بشكل موارب ماكر، عن حق هؤلاء المعتقلين بالحرية وحق الشعب بالديمقراطية.. ولأنه عمد الى هذا الاسلوب الموارب، شبه الرمزي، والماكر، ظن الكاتب المنتقد والنبيه ان »طه حسين يشتري العافية«!. ثم حشره في عداد أهل »البرج العاجي« المنعزلين عن الشعب!.. وكان يخيل للكاتب انه بهذا الاتهام يتضامن مع رفاقه من النقاد الشباب ضد.. طه حسين!! فهناك، في مصر اضافة الى المعارك الاساسية الكبرى رأى الرفاق ان توسيع المعركة لتشمل الجبهة الثقافية، هو جزء من معركة الديمقراطية في مصر والعالم العربي. وهذا صحيح تماما. ولكن المعركة اتخذت لنفسها صفة مزدوجة: صفة انها من ناحية معركة بين القديم والجديد، وفي الوقت نفسه، بين الشباب والشيوخ... ولكنها بالأساس، وبشكل أولي، كانت صدى لمعركة في العمق من أجل الديمقراطية والحرية لم يكن طه حسين، طوال مسيرته، بعيدا عنها ولا بعيدا عن المكافحين في سبيلها، بل كان في قلبها. ولكنها ككل معركة تحمل معها التبر وتحمل التراب.. تحمل الصح وتحمل بالتأكيد: الغلط! فلماذا زجّوا بطه حسين (او انه هو زجّ نفسه، فتلقفوه!!) في هذه المعركة؟.. والسؤال نفسه ينسحب على العديد من الكتاب اليساريين العرب الذين خاضوا المعركة بالحدة نفسها، وأحيانا أعنف، وبدون تدقيق دقيق. فهل نستطيع الآن (بعد خمسين عاما) ان نلامس بعض ما في تلك المعركة من تبر وبعض ما فيها من تراب، او .. غلط؟ شباب وشيوخ } في عددها الصادر يوم 5 آذار 1953، نشرت مجلة »الثقافة الوطنية« اللبنانية اليسارية، مقالا بقلم محمود عبد المنعم مراد، كان نشره في جريدة »المصري« القاهرية، بعنوان »إفلاس الأدب القديم..«.. وأبرز مظاهر ذلك الافلاس، في رأي الكاتب، هو احتجاب مجلتي »الرسالة« التي كان يُصدرها أحمد حسن الزيات، و»الثقافة« التي كان يُصدرها احمد أمين.. والمقالة تهاجم الذين وقفوا مع المجلتين وأسفوا لاحتجابهما وحاولوا، في مقالاتهم، تبيان الأسباب، كما يرونها.. ويقول الكاتب، في يقين حاسم، وتبسيطي: المسألة ان المجلتين بلغتا الشيخوخة، ولم تتجددا، فماتتا!! نشرت »الثقافة الوطنية« هذا المقال، نقلا عن جريدة »المصري«، واللافت ليس مجرد اعادة نشر المقال، بل ذلك التقديم الحماسي له، الذي كتبه محرر المجلة، حيث ورد هذا الموقف: ».. في غمار معركة أدبية حامية بين الأدب القديم والأدب الجديد، في مصر، أعلنت الأنباء احتجاب مجلتي »الرسالة« و»الثقافة«. وكان هذا الحادث سببا في ازدياد عنف المعركة وتبلور مدلولاتها. فنشرت »الاهرام« مقالات للاساتذة احمد حسن الزيات، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، وغيرهم، من ممثلي الأدب القديم.. ونشرت »المصري« مقالات هامة للأساتذة عبد الرحمن الشرقاوي، وعبد الرحمن الخميسي، ومحمود عبد المنعم مراد، من ممثلي الأدب الجديد..« الخ. في المقال شماتة باحتجاب المجلتين ورد أسباب »الوفاة« لمجرد الشيخوخة.. ولم يذهب المقال الى أسباب أبعد!!.. ولكن تبين، في الوقت نفسه، وفيما بعد، ومن إشارات يتضمنها هذا المقال بالذات: ان اجهزة في حكومة الثورة ضيقت على المجلتين في الورق وفي وسائل التوزيع وغيرها بهدف »توحيد الصوت الثقافي للثورة« فلا تظل في الساحة مجلات يديرها أفراد ولها صوتها الخاص، وتبين بعد عدة أشهر، ان مشروعا رسميا يُعد للمجال الثقافي كان من طلائعه ظهور مجلة جديدة، مترفة، اتخذت لنفسها اسما لافتا: (الرسالة الجديدة) يرأس تحريرها الضابط السابق والصوت الثقافي المعتمد لحكومة الثورة، الكاتب يوسف السباعي، من أهدافها تنظيم مختلف الاصوات في ظلال صوتها.. وتبين ان دفاع طه حسين بالذات عن ضرورة وجود المجلتين ليس مجرد حنين الى استمرار مجلات حملت الكثير جدا من مقالاته، وأثارت العديد من المعارك الثقافية، بل كان دفاعا، ولو مواربا، عن التعدد الديمقراطي للأصوات. ففي غمرة الحماسة للأدب الجديد، وحشر طه حسين، المستنير، في جماعة الأدب القديم، لم ينتبه رفاقنا بمصر، في حينه، الى هذا الجانب من المعركة، ومشينا نحن معهم، في لبنان وعديد من الكتاب اليساريين العرب، بحماسة اكثر.. نردّ معهم أسباب احتجاب المجلتين الى مجرد الشيخوخة.. »وهكذا حسب قول محمود عبد المنعم مراد وقف السادة الكبار على قبر »الثقافة« و»الرسالة«، ناعين باكين مترحمين، فعددوا مناقب الفقيدتين، وحاولوا ان يذكروا الأسباب التي أدت الى الوفاة..« دون ان ينتبه الكاتب ان حجب الورق عن المجلتين والتضييق على التوزيع، كان، بالتأكيد، من أهم أسباب.. الوفاة! } ومن مبالغات المعركة بين »اصحاب الأدب الجديد« التقدميين، وبين طه حسين، التقدمي الذي حشرناه بين »أصحاب الأدب القديم«، نقدم هذا الخبر العجيب الذي نشرته مجلة »الثقافة الوطنية« (كانون الثاني 1954)، قالت: »لوحظ ان عميد الأدب القديم (!!) الدكتور طه حسين، قد انصرف بعد ان شن حملاته المعروفة على الأدب الجديد الى تلخيص الروايات الكبيرة في صفحة واحدة، بالملحق الأدبي لجريدة »الجمهورية« ونحن نعلم (!) ان تلخيص الروايات فضلا عن كونه علامة افلاس (!) هو اغتيال لكل أثر يلخَّص، هو إجرام أدبي. ولا نعلم اذا كان هذا هو (الأدب) الذي يريده، أخيرا، الدكتور طه حسين«!. صياغة هذا »الخبر« تحمل دلالة على هشاشة التمسك بحبال وهمية لإثارة معركة، وتجاهل للسياق الذي يضع فيه طه حسين »تلخيص الروايات الكبيرة« ضمن مشروعه التثقيفي التنويري الذي خطط له وأخذ بتنفيذه، من زمان طويل، وهو: تعريف القارئ العربي، بوسائل متعددة، على الأعمال الفنية الأدبية المهمة، منذ زمان اليونان حتى الزمان المعاصر. ولا بد من الاشارة هنا إلى ان طه حسين كان يلخص ويلقي الأضواء ايضا، في »الجمهورية« على أعمال متقدمة فنيا وإنسانيا لمبدعين مثل: توماس مان، اندريه جيد، جان بول سارتر، فرانز كافكا، ألبير كامو، ريتشارد رايت، وغيرهم من هذا العيار والمستوى الانساني في الأدب العالمي.. (ولا بد من الاشارة ايضا إلى ان طه حسين حين كان يلخص الروايات في سياق مشروعه التنويري، كان يشرف على ترجمة الاعمال الكاملة لكبار الروائيين والمسرحيين العالميين، وذلك في سياق مشروعه التنويري نفسه). ولكن هوس »المعركة« وغبارها كان يدفع بنا، فنرى السلبي في الايجابي، ونجعل السلبي هو الأساس في غمار »المعركة«. } وتزايدت المعركة عنفا واتساعا واختلافا كأنها بين نقائض حول تفاصيل العملية الادبية نفسها، خال العام 1954.. فكان طه حسين، اذ يفصح عن تصوره للأدب، وكيف »ان اللغة هي صورة الأدب وان المعاني هي مادته« كان يبالغ في سخريته المعروفة وفي شطط أحكامه على مجادليه.. وكان مجادلوه وأبرزهم محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس يبالغون في حشر طه حسين مع »اصحاب القديم«، ويبالغون، بتزمت، في الحكم عليه كله من خلال مقالين له او ثلاثة، متجاوزين بهذا مواقف وآراء له، سابقة، تجديدية ومتقدمة وعقلانية، هي الركيزة الأساس في مشروع طه حسين التنويري، السابق والراهن والمستقبلي. وإذ يضع المجادلان طه حسين بين جماعة »الفهم البلاغي« للأدب ويقارنان مذهبه بمذاهب النقاد القدماء فلا يخرج في مجمله عن »البحث الجاد عن اللفظة الرائقة للمعنى الفريد«.. كان طه حسين يضعهما بين الكتاب الذين يكتبون ما لا يُفهم، في مقالة ساخرة شهيرة له بعنوان: »يوناني فلا يُقرأ«، ويفسر قولهما عن: »ان مضمون الأدب في جوهره أحداث تعكس مواقف ووقائع اجتماعية« بأنهما »لا يريدان للأديب الا ان يتحدث عن الفقر والبؤس والجوع، ويترك وصف الطبيعة وتحليل احساس الفرد«!. وفي ظني، ان منتقدي طه حسين، ونحن منهم في تلك الفترة من عام 1954 قد أخذوه بجريرة آخرين، فحشروه مع جماعة اليمين وأهل القديم، وأصدروا عليه حكما ظالما لا يأخذ في اعتباره مسيرة طه حسين ومعاركه التقدمية الشجاعة، ومساره الفكري العقلاني، المجدد، بل انزلقوا الى مواقع التزمت فاختزلوا طه حسين مؤلف عشرات الكتب وآلاف الدراسات والمقالات بمقالتين له او ثلاث، ولم ينظروا فيها في ضوء مسار طه حسين وفكره ومواقفه فاتخذوا منه موقفا ان لم يكن عدائيا تماما فانه قد حشره في زمرة »المدرسة القديمة«، والمنعزلين في »البرج العاجي«، وهو البعيد عن هؤلاء وهؤلاء، والناقد الساخر ضد هؤلاء وهؤلاء، في مختلف كتبه ومقالاته ودراساته، وبالاخص في مرحلة مجلته »الكاتب المصري« (1945 1948). وفي ظني ايضا، ان المتجادلين لم يروا (وربما هم لم يريدوا ان يروا) العمق الديمقراطي في طروحات كل جانب، وذلك عندما يؤكد كل طرف، في مقالاته السجالية، على حرية الكاتب ودوره في الدفاع عن الحقوق المعاشية للناس، وفي تصوير حياة الشعب، وحقه في نشدان الحرية والعدالة الاجتماعية. وقد أقول ان التيار التقدمي اليساري، في الفكر والأدب والنقد الأدبي، كان في مرحلة تأكيد وجوده القوي، وتأكيد صعود مبدعين متعددين ينتمون اليه في مختلف البلدان العربية: فكان يوسف ادريس ينشر تباشير جديدة في القصة القصيرة.. وعبد الرحمن الشرقاوي يعطي روايات (منها: الارض والشوارع الخلفية..) يتدامج فيها الفن وتصوير القاع الشعبي في القرية وفي المدينة، والغنى بالشخصيات.. وعبد الوهاب البياني يبشّر بالشعر الجديد.. وحنا مينه يخوض برواياته الاولى حياة الميناء والبحارة والبحر.. وحسين مروة في بدايات إرساء منهجه النقدي.. ومجلة »الثقافة الوطنية« تحمل تنويعات من هذه الاضاءات العربية، ويتسع انتشارها في أنحاء العالم العربي.. و»الآداب« يتلاقى على صفحاتها التياران: القومي واليساري... وككل تيار جديد، ينزع الى تأكيد تميزه عن مجمل ما سبقه من تيارات فيضع معظم كتابها وأعلامها في خانة »القديم« او المنعزل في برجه العاجي بعيدا عن حياة الشعب ورؤى المستقبل. سبق ان اضطُهد طه حسين أيام اقتحم، في الدراسة الادبية التاريخية، العقلانية في كتابه »في الشعر الجاهلي«.. ثم سبق له هو ان كتب عن »المعذبين في الارض« فاتهمه الملك فاروق بالذات بأنه شيوعي يريد للفقراء ان يقلبوا الدنيا على الأغنياء.. فلم ينكر طه حسين التهمة او يتصدى لتكذيبها، بل سارع الى نشر القصص في كتاب، وردّ فيه على فاروق وسائر متّهميه بمكر ساخر، بأن كتب لهذه القصص، ذات التوجه الاتهامي التغييري الثوري، تمهيدا ساخرا، شديد المرارة في سخريته، وشديد التحدي: ويوم كلّف الملك فاروق زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس بتشكيل الوزارة، رفض فاروق توزير طه حسين مرددا اتهامه بالشيوعية، ولكنه عاد فقبل تحت إلحاح النحاس، زعيم الأغلبية، وإصراره.. وجاء رد طه حسين على الاتهام عمليا: فسارع الى تنفيذ مشروعه بإقرار مجانية التعليم الابتدائي والثانوي.. وعندما وضع مشروعا لإقرار مجانية التعليم الجامعي، رفض فاروق يومها وقال للنحاس: صاحبك طه حسين يريد ان يدفع البلد كلها الى الشيوعية« (راجع: »طه حسين يتحدث عن أعلام عصره« للدكتور محمد الدسوقي الذي سبق ان عمل سكرتيرا لطه حسين).. ... فليس لنا إذن ان نتعجب اذا غضب طه حسين على اليساريين عندما رأى انهم هم يضيقون، فعلا، به.. ولا يعترفون بما قام به في خط اليسار!!. فعبّر عن غضبه بالسخرية ايضا، بأنهم يكتبون ما لا يُفهم، وبالشطط كذلك عندما بالغ في التفسير الكاريكاتوري لأقوالهم عن الأدب وعن العملية الابداعية، ثم عبّر عن هذا بعتب أبوي عندما رجعوا هم عن إمعانهم في الشطط. يروي عبد العظيم أنيس انه التقى طه حسين عام 1953 اي خلال ذروة السجال بينهما فسأله رأيه في ما يكتب، فقال طه حسين: »ينبغي ان تزيد من قراءاتك، وألا تكون ضيقا في نظرتك. انكم تتياسرون وتظنون انني على يمينكم. هل كتب أحدكم شيئا مثل (المعذبون في الأرض)؟«.. ويعلق عبد العظيم ان طه حسين تصرف معه »تصرّف الأب الرحيم عندما يزجر واحدا من أبنائه ويرده الى ما يعتقد انه الصواب« عن كتاب »علماء وأدباء ومفكرون« لعبد العظيم انيس، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1983، من 165 166). ولكن وقائع هذه المعركة الأدبية، بين التقدمي طه حسين، والتيار اليساري، التقدمي، في مصر والبلاد العربية، لم تنته فصولا بعد...

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة