الداخل الى دارة النحات سهيل الهنداوي تطالعه النصب والتماثيل النصفية، موزعة في مدخل الدار الذي يعتبر متحفا صغيرا. تماثيل هنا ولوحات هناك ونصب صغيرة في زاوية من ذلك العش الصغير.. سهيل الهنداوي من مواليد مدينة الصويرة في العام 1948، أبصر النور في مدارسها وتخرج في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، العام 1970. بدأ نشاطه الفني منذ التلمذة وحتى الاحتراف، نفذ غالبية أعماله النحتية في ايطاليا بعد تجهيز نماذجها. يستوحي الفنان سهيل الهنداوي، الحاصل على جائزة الابداع في النحت، من التاريخ اولا واخيرا. انه المادة النحتية بكل مقاييسها، في تلك الكتل والهياكل المنحوتة. { هو التاريخ اذا..؟! نعم.. (قالها وأعقبها بالتأكيد)، فغالبية التماثيل والجداريات حكت وما زالت تحكي أحداث التاريخ وملامحه وحالاته الانسانية. { ما هي برأيك وظيفة النحت والفن التشكيلي عموما اليوم، في هذا العصر الذي يشبه البحر الهائج..؟! الفن عموما حالة متطورة من حالات الحياة، والتشكيل يرحل بالانسان الى حالة من حالات السمو، على ان لا يخضع لخيارات اخرى جامدة مبرمجة، يعني، على الفن ان يتبع التطور الفني والاحتياجات الفنية ليس الا! { كيف تنحاز الى العمل بمادة دون اخرى؟ في العام 1998 كنت أعمل نحاتا في التلفزيون قسم الديكور، بعد تخرجي من أكاديمية الفنون الجميلة فرع النحت، وفي إحدى المرات رأيت أمامي كتلة ضخمة من الفلين (ستايروبور) وكنت أحمل منعما (مبردا) في يدي، فأطلقت العنان لها لتنحت هذه الكتلة، ولم أتوقف الا بعد ان رأيت عينا رائعة نحتها منعمي (مبردي) على حافة تلك الكتلة.. من يومها بدأت أميل الى العمل بالفلين خاصة بعد سفري الى فرنسا، اذ رأيت هناك انهم يتفننون بالنحت بهذه المادة، وقد أتيحت لي الفرصة لمشاركة كبار النحاتين في التلفزيون الفرنسي، وأرجو ان تصدقني اني قد تفوقت عليهم. تكليف رسمي { وعند عودتك الى بغداد..؟ شاركت في مسابقة »عروس مندلي«، هذه الشابة التي تقطعت أوصالها في ليلة عرسها، وقد تم اختيار فكرتي حينها، وبعد هذا فزت في مسابقة تمثال السيد الرئيس، وكان في هذا العمل مسؤولية كبيرة لأن مثل شخصية القائد يصعب الاجتهاد فيها، لذا كانت الدقة والمواصفات هي الاهم في العملية النحتية.. هذا العمل فتح أمامي مجالات أوسع، لذا فهو يعني لي الكثير الكثير. { وهل تتأثر أفكارك بحالات معينة، ام انك لا ترفض العمل بناء على الطلب؟ أنا أعمل بخطين، خط التكليف الرسمي الذي أعمل فيه بحرية وخيالات رائعة، طبعا ما عدا ما يتعلق بالشخصيات ذات الملامح الواضحة، والخط الآخر هو ما ينبع من أفكاري الخاصة.. حاليا انا مهتم بإيجاد خصوصية لعملي عبر التعامل مع الحرف، وإعطائه قيمة جديدة غير تقليدية. { لكن البدايات كانت مختلفة؟. بدأت عملي الفعلي في العام 1973. أقمت معرضا شاملا لجدارية العطاء، موجودة الآن في مركز صدام للفنون، وهي من الخشب الصاج.. شاركت ضمن معارض عامة.. شكلت جماعة 17 التي تضم كلا من سلمان عباس وعامر العبيدي وخضير الشكرجي وسالم الدباغ وسهام السعودي. وكانت الانطلاقة هي في ما أنجزته في مسابقة »عروس مندلي« التي شارك فيها 65 نحاتا ونحاتة اختاروا النموذج الذي قدمته، والتمثال الآن ينتصب في مدينة مندلي.. عززت موقفي بشكل قوي جدا عندما تم اختيار نخبة من نحاتي العراق لنحت تمثال السيد الرئيس ومنهم المرحوم خالد الرحال والزملاء محمد غني حكمت واسماعيل فتاح الترك وعلي الجابري حيث شكلت لجنة من ذوي الاختصاص فاز النموذج الذي قدمته. ثم كانت جدارية عن شهرزاد وشهريار في أحد البيوتات، بطول اربعة أمتار، ثم قراءة جميلة في ملحمة صيد الاسود. وقد نفذت في ساحة الاحتفالات في مدينة تكريت بارتفاع مترين وبطول عشرة أمتار من الفايبر كلاس تمثال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وقد جاء نجل الرئيس عبد الناصر فاختار عملي ضمن المسابقة التي أقيمت من أجل ذلك. وهنأني كثيرا على إنجاز ذلك وهو بطول مترين ونصف وقد أرسل الى ايطاليا قبل الحصار ولحد الآن لم يكتمل. وقد تقرر من حيث المبدأ وضعه في شارع المغرب ببغداد. كذلك نصبت جدارية تمثل العامل العراقي والصناعة العراقية. في السويد أنجزت تمثالا وضع في قصر المؤتمرات، قاعة الملوك والرؤساء فن مادة ال(ستيل) وقد عرض في اكثر من مدينة سويدية وغيرها من الاعمال الاخرى. { نجد معارض شخصية للرسامين ولكننا لا نرى أي معرض للنحاتين فلماذا يا ترى..؟! للمادة تاريخ أولا النحات يتعامل مع التاريخ أكثر من باقي الفنانين، فقد تحمل المادة النحتية تاريخا يعود الى أكثر من ثلاثة آلاف عام.. ثانيا ان النحات يتعامل مع الدقة الشديدة لأنها تماثيل تعيش مدى العمر. وتبقى لأجيال متعددة، وهذا يزيد عملية التحضير للمعرض صعوبة، اخيرا الاعمال النحتية ضخمة عادة وفيها مراحل كثيرة.. طين، جفصين، شمع، قوالب قد تنجح وقد تفشل وهكذا فمتى يستطيع النحات ان يهيئ معرضا شخصيا..؟! ما الذي يميز النحات عن سواه من الفنانين التشكيليين؟ الخيال والطاقة الفنية والكفاءة البدنية، لأنه يتعامل مع الحجر والخشب وغيرهما. بغداد