As Safir Logo
المصدر:

»متشائل«حبيبي في »كتاب في جريدة« السخرية تنويع على المقاومة

المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 2001-06-05 رقم العدد:8916

»كتاب في جريدة« لهذا الشهر حمل عنوان كتاب الأديب الفلسطيني الراحل إميل حبيبي »الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل«، وهو يصدر مع »السفير« صباح غد الاربعاء. هل هي المصادفات التاريخية التي ساهمت في شهرة الروائي الفلسطيني إميل حبيبي، ليصبح واحدا من اكثر الروائيين العرب الذائعي الصيت؟ قد يكون سؤالا محرضا بعض الشيء، إذ ان القراءة، من هذا الجانب السياسي قد تنفي عن الكاتب الراحل، جميع جوانبه وصفاته الاخرى، اي تضعه في خانة »أدب ملتزم« ان جاز التعبير. بيد ان أعمال اميل حبيبي، لا تمت بصلة الى هذا التيار بمعناه الدارج. صحيح ان ثمة جوانب في أعماله، تحاكي الواقع السياسي والاجتماعي، لكنها لا تقع أبدا في خطابيتها ومباشريتها، اي انها تحافظ على جودة العقدة الفنية وحبكتها ومتانتها، بالرغم من موضوعها. ومع ذلك كله، ثمة مصادفات سياسية، إذ ان روايته الاولى »سداسية الأيام الستة« جاءت العام 1968 اي بعد نكسة حزيران وهي تأخذ من حرب العام 1967 خلفية لها. اما رواية »الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس، المتشائل« فقد جاءت في العام 1974، اي بعد حرب اوكتوبر 1973، وهي بمعنى من المعاني، تشير الى هذه الحرب حين يحمل ابن سعيد السلاح ضد الدولة (في نهاية الكتاب الثاني) على الرغم من ان فصلين منها كتبا العام 1972. التراث الفلسطيني قد لا تكون »المتشائل« فقط واحدة من أبرز روايات حبيبي، وانما ايضا، واحدة من أبرز الروايات العربية التي صدرت في المنتصف الاول من حقبة السبعينات وقد سلك فيها الروائي، دربا مغايرا على الأقل اسلوبيا لما كان سائدا في مناخ الرواية العربية في تلك الحقبة. لقد عاد اميل حبيبي ليستلهم التراث الفلسطيني والعربي وهو أمر تطرق اليه العديد ممن جاؤوا بعده لينفد الى الواقع الراهن، عبر اتكائه على الرمز، من هنا، لم يكن الرمز عنده، مجرد لعبة كتابية، ثقافوية، بقدر ما كان ضرورة ملحة، بخاصة انه كان وبقي بالطبع يكتب ضمن الاراضي المحتلة، في ذلك السجن الكبير الذي فرضته عليه، وعلى غيره، قوات الاحتلال الاسرائيلي، ازاء كل تلك »العسكرتاريا«، كان لا بد للراوي ان يلجأ الى الاشارة والايماءة، والى التبطين اكثر من لجوئه الى الوضوح والمباشرة و»الخطاب الوطني السياسي«. ولربما كان لهذا الوضع »الواقعي«، منفعة ما. اذ أنقذ إميل حبيبي من كتابة نص مسطح مليء بالعاديات. نعود اليوم لنقرأ اميل حبيبي، ورائعته »الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل«، في »كتاب في جريدة«، العدد الاخير، الذي يصدر بعد أيام قليلة (الاربعاء). فرصة حقيقية لان نعيد، ليس فقط قراءة هذا العمل الجميل، وانما لنعيد اكتشافه، ضمن زحمة الاحداث، وضمن زحمة الكتب التي تنهال علينا من كل صوب. تروي »المتشائل«، في كتبها الثلاثة (اجزائها الثلاثة) سيرة ذلك الشخص، الذي يعشق بلده والذي يقرر البقاء فيه بالرغم من احتلاله. ذات لحظة. يكتشف سعيد ان شروط بقائه تتمثل في الوصول الى صيغة حتمية تتلخص في الفداء والمقاومة، بعد ان مرّ في عدة تجارب. تمزق داخلي في البداية، بحث سعيد أبي النحس عن كيفية التكيف داخل وضعه الجديد، مفضلا صيغة الامن والامان حتى انه كان على استعداد لأن يقدم كل التنازلات التي من الممكن ان تطلبها منه دولة (اسرائيل) العنصرية، على الرغم من انه يحس في نهاية الجزء الثاني، بحيرة وارتباك وتمزق داخلي كبير ازاء هذه الازدواجية التي تجعل ابنه يحمل السلاح ضد هذه الدولة. في الجزء الثالث، يقرر سعيد الجلوس على قمة عمود ويرفض النزول عنه. رغم اكتشافه انه تغيّر داخليا، ولم يعد يرغب في تقديم هذه التنازلات الا انه لا يقوى مشاركة ابناء شعبه في نضالهم وازاء هذه المعضلة، يطلب النجدة من كائن فضائي فيحمله الى حيث الجنون او الموت. ثمة سؤال لا بد ان نطرحه داخل القراءة: ماذا يستطيع شعب ان يفعله ازاء قساوة التاريخ، حيث يطرده من أرضه، لينذره الى المنفى او الى الاحتلال! ان يقاوم بالتأكيد، كما ان يتمنى قدرا افضل. لكن هل يكفي ذلك كله؟ ليس دائما. يعرف الفلسطينيون هذا جيدا، وهم الذين يتمتعون بسخرية كبيرة، ليس فقط بصفتها »أدب اليأس« ولكن بصفتها تنويعا صوتيا للمقاومة. وحدها الأمم القديمة والشعوب التي بلا وطن، هي الجديرة بأن تسخر من نفسها وان تضحك من آلامها وان تزعزع القوى المهيمنة عليها. من هنا نفهم كل هذه السخرية التي يتمتع بها نص اميل حبيبي. فالسخرية عنده، لم تكن مجرد حالة برانية، وانما تقع في قلب هذه المقاومة التي حملها داخله، كانت، بمعنى ما، السلاح الذي أطلق به الرصاص على محتليه. كما كانت الوسيلة والحجة لإظهار ميكانيزمات الحماقات العسكرية والبوليسية التي مارستها القوات المحتلة. »الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل« هي اكثر من مجرد رواية تؤرخ لمرحلة تاريخية، من عمر الصراع والنضال العربي الاسرائيلي، انها ايضا، واحدة من نقاط الاستدلال في حركة الأدب المعاصر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة