As Safir Logo
المصدر:

تقرير بنك عودة للفصل الأول: ضرورة العودة إلى عمودية القرار الاقتصادي النمو الاقتصادي 5،0$ بسبب المنحى التصاعدي للمؤشرات العقبات لا تزال عديدة وقد يكون الثمن في المدى القريب تصاعد التجاذبات السياسية

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2001-06-04 رقم العدد:8915

اعتبر التقرير الاقتصادي لبنك عودة عن الفصل الأول من العام 2001 أن التدابير الحكومية أتاحت وقف المنحى التراجعي الذي ساد طوال السنتين الماضيتين، معتبرا أن الانتعاش الخفيف الذي حققته هذه التوجهات لم يكن كافيا لإحداث معدل النمو لتبدأ عملية اعادة التوازن الآمنة للاقتصاد اللبناني، الذي ما يزال يعاني من علامات الضعف. واعتبر التقرير أن نمو الناتج المحلي سجل خلال الفصل الأول من العام 2001 وبمعدل سنوي ما نسبته 5،0 في المئة بعدما كان صفرا في العام الماضي. واشار التقرير الى أن صافي حركة الرساميل الوافدة زاد بنسبة 46 في المئة مقارنة مع الفصل الأول من العام 2000 حيث بلغت هذه الرساميل 1661 مليون دولار وهذه الحركة سببها معدلات الفوائد أكثر منها الى آفاق عوائد الاستثمار، وهذا أدى الى فائض ميزان المدفوعات 146 مليون دولار. وسجل التقرير انخفاض موجودات مصرف لبنان 638 مليون دولار خلال الفصل الأول مقابل ارتفاع موجودات المصارف التجارية بقيمة 783 مليون دولار. وسجل التقرير تناقضات في المؤشرات من حيث تحسن تسليمات الاسمنت بنسبة 24 في المئة، في حين تراجعت رخص البناء بنسبة 11 في المئة، وتراجعت الرسوم العقارية المستوفاة بنسبة 9،47 في المئة، مما يؤكد استمرار تراجع قطاع البناء وبالتالي توجه معامل الترابة الى التصدير وبأسعار كلفة الانتاج لتسديد أقساط الديون والفوائد التي توجبت من جراء التوظيفات الكبيرة لمؤسسات انتاج الاسمنت. ولاحظ التقرير أيضا تراجع التسليفات للقطاعات الاقتصادية المتعلقة بالصناعة والزراعة، ولاحظ التقرير أيضا اتسام الفصل الاول بشروط تشغيلية حرجة تعكس ركود مختلف الأسواق. واعتبر التقرير أيضا أن التصحيح يتطلب مزيدا من الانتاجية لا يمكن أن يأتي الا من خفض حجم الدولة، والتصحيح يتطلب اهتماما خاصا بحقوق الانسان والديموقراطية وبالحريات الفردية. وبالتالي لا يمكن أن يشكل السلام والديموقراطية بديلين للاصلاحات، وهما لا يكفيان وحدهما لإحداث التنمية الاقتصادية. وخلص التقرير الى أن العقبات لا تزال عديدة، وقد يكون الثمن في الأمد القصير تصاعد التجاذبات السياسية على الساحة المحلية. ماذا في التقرير: إن التوجهات الاقتصادية الجديدة للحكومة اللبنانية، والمتمحورة حول مزيد من الانفتاح واباحة المنافسة، أتاحت وقف المنحى التراجعي الذي ساد طوال الأشهر الأربعة والعشرين الأخيرة. ففي الواقع، أدت هذه التوجهات، في الفصل الأول من العام 2001، الى انتعاش خفيف للطلب، تعود محدوديته الى تردي الاوضاع السياسية الاقليمية مع كل ما تولده من انعكاسات على الوضع المحلي. وبالتالي، لم يكن تحسن أهم المؤشرات الاقتصادية كافيا لإحداث معدل النمو المطلوب كي تبدأ عملية اعادة توازن آمنة للاقتصاد اللبناني، الذي لا تزال علامات الضعف بادية عليه. لقد اتخذت المؤشرات الاقتصادية الرئيسية منحى تصاعديا بالمقارنة مع الفصل الأول من العام 2000: إذ ازداد انتاج الكهرباء بنسبة 7،3$، واستيراد المشتقات النفطية بنسبة 7،15$ وتسليمات الاسمنت بنسبة 9،23$ وعدد الوحدات الصناعية المستحدثة بنسبة 56$، والآلات الصناعية المستوردة بنسبة 1،7$ الخ... مع ذلك، فإن مقارنة مؤشرات قطاع الاقتصاد الحقيقي مع مؤشرات القطاعين النقدي والخارجي ترجح، من جهة، أن تكون تسليمات الاسمنت قد غطت الصادرات أكثر مما غطت الطلب المحلي، الذي هو المحرك الأساسي للاستثمار، ومن جهة ثانية، أن ازدياد الواردات، في ظل انخفاض الرسوم الجمركية، طاول تعزيز المخزونات أكثر مما طاول اعادة تكوينها، التي هي المحرك الأساسي للاستهلاك. وإن تطور مؤشر الاسعار (1،0$) وسرعة تداول النقد (5،10$) وحجم الشيكات المتقاصة (6،1$) يعزز هذا الترجيح. ففي الواقع، وفي ظل ازدياد الطلب الاجمالي بما يقارب 6$، جاء نمو الناتج المحلي الاجمالي، المقدر بنسبة 5،0$ فقط، على أساس سنوي، نتيجة تردي رصد التبادلات الخارجية الذي يفاقم الضغط الخارجي ويحد من أثر الرافعة الذي يخلفه ازدياد الطلب على الانتاج المحلي. فالقسم الأكبر من الطلب الاضافي امتصته الواردات التي زادت بنسبة 19$ بالقيم الحقيقية. وكان ازدياد الطلب الاجمالي ناجما بصورة أساسية عن الطلب الخاص، باعتبار أن الانفاق العام انخفض بنسبة 18$ مقارنة مع الفصل الأول من السنة الماضية، ويعود هذا الانخفاض الى التأخر في اقرار موازنة العام 2001 والى التقشف الذي واكبه. في الفصل الاول من السنة، تم التعويض عن الفرق بين الانتاج المحلي وقيمة الطلب الاجمالي (المقدر بحوالى 4900 مليون دولار أميركي) برصيد التبادلات الخارجية (1516 مليون دولار). وبما أن حركة الرساميل الوافدة (1661 مليون دولار) تجاوزت فائض الطلب عن الدخل، فإننا نلاحظ ازدياد الموجودات الخارجية الصافية بقيمة 146 مليون دولار. وقد نتج هذا الازدياد، الذي يوازي 187 مليار ليرة لبنانية، عن الفرق بين تغير الكتلة النقدية (م3) بقيمة 658 مليار ليرة وتغير التسليفات للقطاعين العام والخاص بقيمة 936 مليار ليرة، باعتبار أن تغير صافي الابواب الاخرى (الذهب، فروقات القطع والحسابات المالية) بلغ 465 مليارا. ومرة أخرى، تم تعويض فائض استهلاك واستثمار المقيمين عن دخلهم المحلي بالادخار الخارجي، الذي اجتذبته معدلات الفوائد القصيرة الاجل أكثر مما اجتذبته آفاق عوائد الاستثمار المتوسط الأجل. من الثابت أن النمو الهزيل للسنوات الاربع الماضية قد راكم أشكالا من الضعف لا يسهل الخروج منها. فثمة عتبات لا ينبغي على أي اقتصاد ناشئ أن يتجاوزها، مهما كلف الامر، تجنبا لاختلالات مستديمة. وأهم هذه العتبات: نمو اقتصادي يقل عن 1$ سنويا، وتحسن حقيقي لسعر صرف الليرة يزيد عن 5$ سنويا، وبطالة تفوق 10$ من القوة العاملة، وعجوزات مالية وجارية تفوق 3$ من الناتج المحلي الاجمالي، واحتياطيات لا توازي واردات ثلاثة أشهر، ودين يزيد عن 50$ من الناتج المحلي الاجمالي، وقدرة على التمويل تقل عن 15$ من الناتج المحلي الاجمالي. والحال أن وضع الاقتصاد اللبناني هش على مختلف هذه الصعد، وخصوصا ان نسبة الزيادة السنوية للبطالة تفوق 2$ من القوة العاملة، ونسبة النمو السنوي للدين تفوق 15$ من الناتج المحلي الاجمالي. ومن هنا فإن ضخامة التغييرات البنيوية التي لا تزال ضرورية في معظم قطاعات الاقتصاد تفرض قرارات سريعة لم يعد من الجائز أن تؤخرها القوى السياسية والمصالح الفئوية، لأن ذلك يرتب عليها مسؤولية تاريخية جسيمة. بل إن التنفيذ السريع لهذه الاصلاحات والتغييرات البنيوية هو وحده الذي يسمح لطاقات الانتاج غير المستخدمة في القطاع الخاص بأن تحقق، مع الوقت، معدلات النمو المنشودة. على صعيد المالية العامة، أسفرت تدفقات ايرادات الدولة ونفقاتها عن عجز بقيمة 646 مليار ليرة، أي بتراجع نسبته 41$ مقارنة مع الفترة المماثلة من العام 2000، نتيجة انخفاض النفقات بنسبة 18$ مقابل ارتفاع الايرادات بنسبة 7$. إن الأداء الاقتصادي الضعيف للفصل الاول، والمقترن بمعدل وسطي سنوي للتضخم قدره 8،0$ وبفائدة حقيقية لخدمة الدين قدرها 5،12$، يجعل النمو الاسمي للناتج المحلي الاجمالي أقل من نمو الدين، مما يرفع نسبة هذا الأخير الى حوالى 155$ من الناتج المحلي الاجمالي. على الصعيد النقدي، وقياسا الى شهر آذار 2000، فإن التطور المقارن للكتلة النقدية بمفهومها الواسع (3،8$) وللتضخم (8،0$) ولسرعة تداول النقد (6،10$) يؤكد الانتعاش الطفيف للطلب. أما صافي حركة الرساميل الوافدة، فقد ازداد بنسبة 46$ مقارنة مع الفصل الأول من العام 2000، اذ ارتفع من 1135 مليون دولار الى 1661 مليونا. على أن هذه الحركة معزوّة الى معدلات الفائدة أكثر منها الى آفاق عوائد الاستثمار. يبقى أن ازديادها، الذي جاء أكبر من ازدياد عجز الميزان التجاري، أدى الى فائض في ميزان المدفوعات بقيمة 146 مليون دولار. وقد نتج هذا المبلغ عن انخفاض موجودات المصرف المركزي بقيمة 638 مليون دولار وارتفاع موجودات المصارف التجارية بقيمة 873 مليونا. وليس هذا التطور بمنأى عن تطور سوق القطع، التي اتسمت طوال الفصل بطلب على الدولار الاميركي، ولّد تحويلات بهذه العملة من مصرف لبنان الى المصارف التجارية. ويقدر حجم هذه التحويلات بما يزيد عن 2،1 مليار دولار. على الصعيد المصرفي، بلغت زيادة الموجودات المصرفية في الفصل الاول 1043 مليار ليرة فقط، أي بتراجع نسبته 40$ مقارنة مع الزيادة المحققة في الفترة المماثلة من سنة 2000، التي اعتبرت أصلا سنة سيئة. وقد أضيف الى مفعول الحجم هذا مفعول الكلفة، الناجم عن تقلص هوامش الفائدة المصرفية بما لا يقل عن 30 نقطة أساسية، اثر انخفاض مردود سندات الخزينة بمعدل 15،0$ وانخفاض مردود السيولة الجاهزة بالعملات الاجنبية بنحو 5،1$، نتيجة انخفاض معدل الليبور لشهر واحد (الفائدة المرجعية) بمقدار 57،1$ بين كانون الاول 2000 وآذار 2001. وبسبب الضغوط الظرفية المذكورة آنفا، لم يتراجع متوسط كلفة ودائع المصارف بالعملات الاجنبية الا بمقدار 30 نقطة أساسية، مما أدى الى تقلص الهوامش المشار اليها، وتاليا الى انخفاض أرباح المصارف بنسبة 18$ مقارنة مع الفصل الاول من العام 2000. 1 السمات الظرفية 1 1 القطاع الاقتصادي الحقيقي في الفصل الاول من العام 2001، سجلت أهم مؤشرات القطاع الاقتصادي الحقيقي منحى تصاعديا بالمقارنة مع الفترة المماثلة من العام 2000: فازدياد انتاج الكهرباء (7،3$) واستيراد المشتقات النفطية (7،15$) وتسليمات الاسمنت (9،23$) وعدد الوحدات الصناعية المستحدثة (56$) وقيمة الآلات الصناعية المستوردة (1،7$) الخ... يدل بلا شك على انتعاش الطلب الاجمالي (بعنصريه الاستثماري والاستهلاكي)، وهو انتعاش نقدره بنسبة 6$ بالقيم الحقيقية، الامر الذي ترجم، من ناحية العرض، بازدياد الواردات بنسبة 19$ وارتفاع الناتج المحلي الاجمالي بنسبة 5،0$. ثم إن التطور المقارن لمؤشرات قطاع الاقتصاد الحقيقي والقطاعين النقدي والخارجي يؤكد ضعف النمو. فمن الواضح أن تسليمات الاسمنت غطت الصادرات أكثر مما غطت قطاع البناء الذي يستقطب عادة أكثر من نصف الاستثمار الخاص. كذلك، فإن تطور مؤشر الاسعار وسرعة تداول النقد وحجم الشيكات المتقاصة يظهر أن ازدياد الواردات، في ظل الانخفاض الكبير للرسوم الجمركية، قد طاول تعزيز المخزونات أكثر مما طاول اعادة تكوينها نتيجة الاستهلاك الاضافي للأسر. بناء عليه، أمنت التبادلات الخارجية مساهمة سلبية في النمو الملجم أصلا من القطاع العام الذي تراجعت نفقاته الاجمالية بنسبة 18$ في الفصل الأول من السنة بسبب التأخر في اقرار موازنة العام 2001 والتقشف المرافق لهذا التأخر. يبقى أن نمو الناتج المحلي الاجمالي (5،0$)، وإن لم يكن كافيا، يعبر عن وقف المنحى التراجعي الذي ساد في السنتين الماضيتين. وفي التفاصيل اللاحقة تحليل لأهم مؤشرات القطاع الاقتصادي الحقيقي. 1 1 1 الزراعة والصناعة في الفصل الأول من السنة، سجل الانتاج الزراعي والصناعي تحسنا طفيفا كما تشهد على ذلك الصادرات. فحسب احصاءات المجلس الأعلى للجمارك، بلغت قيمة الصادرات الزراعية والصناعية 178 مليون دولار، أي بزيادة نسبتها 9$ مقارنة مع الفترة المماثلة من العام 2000. غير أن الصادرات، بسبب قلة وزنها في الطلب الاجمالي (يقدر ب 3$)، عجزت عن تحفيز النمو والتعويض عن الآثار الانكماشية للواردات، التي ارتفعت بنسبة 19$. ويتضح ذلك من خلال تراجع نسبة تغطية الواردات بالصادارات من 4،11$ في آذار 2000 الى 4،10$ في آذار 2001. إن هزال التسليفات المصرفية الجديدة للزراعة والصناعة، والتي انتقلت من ازدياد قارب 38 مليون دولار في الفصل الأول من العام 2000 الى انخفاض قدره 5 ملايين دولار في الفصل الاول من العام 2001، يدل على ضعف تمويل هذين القطاعين وقدرتهما على ان يعطلا جزئيا الضغط الخارجي الذي يواصل الحد من النمو. 1 1 2 البناء كان أداء قطاع البناء تناقضيا في الفصل الاول، فبينما تراجعت مساحات رخص البناء المعطاة من قبل نقابة المهندسين بنسبة 11$ قياسا على الفصل الاول من العام 2000 (1377370 مترا مربعا مقابل 1543702م2)، ازدادت تسليمات الاسمنت من جهتها بنسبة 24$ إذ بلغت هذه الأخيرة 517273 طنا مقابل 417379 طنا في الفصل الأول من العام 2000. وكانت حصة شركة الترابة الوطنية 9،39$ من المجموع، مقابل 4،37$ لشركة الترابة اللبنانية و7،22$ لشركة سبلين، على ان هذا الوضع قد يكون معبرا عن ازدياد الصادرات اكثر منه على انتعاش محلي، فالواقع انه بسبب الركود المحلي، اتجهت بعض المؤسسات منذ السنة الماضية نحو التصدير، فكسبت حصصا من السوق تفتح امامها آفاقا جديدة، وخصوصا انها استثمرت في السنوات الاخيرة مبالغ ضخمة في زيادة طاقاتها الانتاجية. وان تراجع الرسوم العقارية المستوفاة من 9،47 مليار ل.ل. الى 1،34 مليارا، أي بنسبة 29$، يؤكد هذا التوجه، أما مؤشر كلفة البناء، كما تصدره »نشرة المؤشرات«، فلم يسجل في آذار 2001 أي ارتفاع بالنسبة الى كانون الاول 2000، مما يدل على استمرار ضعف الطلب. 311 التجارة والخدمات تؤكد أهم مؤشرات التجارة والخدمات (الواردات، حركة المرفأ والمطار)، انتعاش الطلب ومساهمة القطاع الثالث ايجابيا في النشاط. إلا أن ذلك بقي نسبيا جدا، فازدياد الواردات افاد لتعزيز المخزونات اثر تخفيض الرسوم الجمركية اكثر منه لتغطية زيادة في الاستهلاك الخاص،ثم ان هبوط سرعة تداول النقد من 76،0 في الفصل الاول من العام 2000 الى 68،0 في الفصل الاول من العام 2001 يؤكد ركود استهلاك الأسر. كذلك، تراجع حجم الشيكات المتقاصة بالليرة والعملات الاجنبية بنسبة 6،1$. فالشيكات المحررة بالليرة زادت بنسبة 2،2$ فيما انخفضت تلك المحررة بالعملات الاجنبية والتي هي الاكبر حجما بنسبة 2،3$. وفي هذا السياق، ينم ازدياد الواردات بنسبة 19$ بالقيم الحقيقية إما عن زيادة المخزونات من قبل التجار وإما عن تزايد عمليات إعادة التصدير غير المنظورة الى البلدان المجاورة. لكن تطور مؤشر اسعار الاستهلاك في الفصل الاول (1،0$) يؤكد الانتعاش الخفيف للطلب. وبالمقارنة مع الفصل الاول من العام 2000، سجلت حركة مرفأ بيروت زيادة في عدد البواخر وعدد المستوعبات وحجم البضائع، وذلك بنسبة 6$ و8$ و18$ على التوالي. ففي الواقع، رست في المرفأ 657 باخرة أفرغت 25708 مستوعبات او ما يعادل 1362150 طنا من البضائع مقابل 619 باخرة و23747 مستوعبا و1158604 أطنان من البضائع في غضون الفترة المماثلة من العام 2000. أما أرقام المديرية العامة للطيران المدني فتظهر تحسن النقل الجوي بالنسبة الى الفترة المماثلة من السنة الماضية. 21 القطاع الخارجي إن ازدياد الواردات بنسبة 19$ مقابل ازدياد الصادرات بنسبة 9$ في الفصل الاول من العام 2001 عزز الضغط الخارجي ومساهمته السلبية في نمو الناتج المحلي الاجمالي. ففي الواقع، لمّا كانت الزيادة الحقيقية للواردات اعلى من الزيادة الحقيقية للطلب الاجمالي (19$ و6$ على التوالي)، فقد تم التعويض عن زيادة هذا الاخير بالواردات، اذ سجل الناتج المحلي الاجمالي نموا نسبته 5،0$ فقط، على أساس سنوي. وأسفرت هذه التطورات عن تراجع نسبة تغطية الواردات بالصادرات من 4،11$ الى 4،10$، ما ادى الى عجز تجاري بقيمة 1516 مليون دولار، اي بزيادة نسبتها 20$ مقارنة مع عجز الفترة المماثلة من العام 2000 (1266 مليون دولار). ففي الواقع، بلغت قيمة الواردات 1693 مليون دولار (مقابل 1429 مليونا في الفصل الاول من العام 2000) بينما بلغت الصادرات 178 مليون دولار (مقابل 163 مليونا في الفصل الاول من العام 2000. لقد سجلت حركة الرساميل الصافية في الفصل الاول فائضا قدره 1661 مليون دولار مقابل 1135 مليونا في الفترة المماثلة من العام 2000، مما أتاح امتصاص العجز التجاري كليا، فيما سجل ميزان المدفوعات فائضا قدره 146 مليون دولار (مقابل عجز قدره 131 مليونا في الفصل الاول من العام 2000). ويعود ذلك الى كون ازدياد حركة الرساميل الوافدة، جراء الاصدارات السيادية، قد جاء أكبر نسبيا من ازدياد عجز الميزان التجاري (46$ و20$ على التوالي). ويعزى فائض ميزان المدفوعات بوجه خاص الى الموجودات الخارجية الصافية للمصارف التجارية التي زادت بقيمة 783 مليون دولار، فيما انخفضت موجودات المصرف المركزي بقيمة 638 مليونا. 31 القطاع العام ترجمت سياسة الدولة المالية، في الفصل الاول، بنفقات قدرها 1486 مليار ليرة (أقل بنسبة 6،2$ منها في الفصل الأول من العام 2000) وبإيرادات قدرها 1040 مليارا (أعلى بنسبة 5،10$ منها في الفصل الاول من العام 2000)، أي بعجز قدره 446 مليارا، ما يوازي 30$ من النفقات، وما يقل بنسبة 8،23$ عن عجز الفترة المماثلة من السنة الماضية. وينجم ذلك بصورة أساسية عن كون النفقات العامة الفعلية قد شكلت 70$ من النفقات الملحظة في الموازنة بينما شكلت الايرادات العامة المحصلة 90$ من تلك المقدرة اصلا في الموازنة. وإذا أدرجنا أرقام خارج الموازنة، تصل النفقات العامة الاجمالية الى 1745 مليار ليرة مقابل 1099 مليارا للايرادات، عندئذ، يرتفع العجز الاجمالي للمالية العامة الى 646 مليارا، اي ما يوازي 37$ من النفقات. وعليه، ازداد الدين العام الداخلي الاجمالي بنسبة 9،1$، إذ ارتفعت قيمته من 27161 مليار ليرة في نهاية كانون الاول الى 27675 مليارا في نهاية اذار، اي بما مقداره 514 مليار ليرة. واذا حسبنا الارقام الصافية للفترة نفسها (القيمة الاجمالية الفعلية ناقص حسابات القطاع العام الدائنة لدى مصرف لبنان والمصارف التجارية، والتي بلغت 2452 مليار ليرة)، نلاحظ ازديادا فعليا للدين الداخلي بنسبة 8،2$، كونه قد ارتفع من 24530 مليار ليرة الى 25222 مليارا، اي بمقدار 692 مليارا مقابل 1113 مليارا في الفترة المماثلة من العام 2000. وحسب الارقام المنشورة من قبل المصرف المركزي، فقد ازداد الدين الخارجي المحرر بالعملات الاجنبية بنسبة 7،1$ اذ ارتفعت ارقامه من 7030 مليون دولار في كانون الاول 2000 الى 7154 مليونا في اذار الماضي. وقد بات يشكل 28$ من اجمالي الدين العام وحوالى 42$ من الناتج المحلي الاجمالي، وهو مستوى مساو تقريبا للمتوسط المسجل في الأسواق الناشئة (40$). إن ازدياد الدين بالعملات الاجنبية جاء نتيجة الاصدار السيادي بقيمة 200 مليون دولار المحقق في شهر شباط الماضي. وعليه، يكون الدين الاجمالي القائم قد بلغ في نهاية اذار الفائت 38406 مليارات ليرة (6،25 مليار دولار)، في حين ان الدين الاجمالي الصافي هو بمقدار 35953 مليارا (9،23 مليار دولار). إن نمو الدين الاسمي ناجم عن ازدياد سلفات الخزينة المباشرة بقيمة 266 مليار ليرة وازدياد سندات الخزينة المتداولة بقيمة 248 مليارا. ومن جراء ذلك، لم تشهد بنية الدين تغيرا يذكر بالنسبة الى كانون الاول 2000، إذ بلغت حصة السلفات 4$ (مقابل 3$) وحصة السندات 96$. وكان ازدياد سلفات الخزينة بقيمة 266 مليار ليرة ناجما عن ازدياد سلفات مصرف لبنان بقيمة 216 مليارا وازدياد سلفات المصارف التجارية بقيمة 50 مليارا، نتيجة إقدام هذه الاخيرة على حسم سندات بالدولار مصدرة من قبل الدولة ومدفوعة كمتأخرات للمستشفيات والمتعهدين. في الفصل الاول، سجل الرصد الصافي للاكتتابات بالسندات مقابل الاستحقاقات فائضا قدره 248 مليار ليرة، بحيث ارتفع حجم المحفظة من 26279 مليار ليرة في نهاية كانون الاول 2000 الى 26527 مليارا في نهاية اذار 2001. ويعزى ازدياد الاكتتابات بصورة أساسية الى حصة مصرف لبنان والجمهور (662 و235 مليارا على التوالي) فيما تراجعت حصة المصارف التجارية بقيمة 650 مليارا. وليس هذا التطور منفصلا عن تطورات سوق القطع التي اتسمت طوال الفصل بتحويلات من الليرة اللبنانية الى العملات الاجنبية امتصت سيولة المصارف بالليرة، من جراء انخفاض ودائعها بالليرة ومحافظ سندات الخزينة لديها. إن الأداء الاقتصادي الضعيف في الأشهر الثلاثة الاولى، والمقترن بمعدل وسطي سنوي للتضخم قدره 8،0$، جعل النمو الاسمي للناتج المحلي الاجمالي أقل من متوسط الفائدة المدفوعة على الدين الاجمالي (5،12$)، مما يزيد ثقل هذا الاخير الى حوالى 155$ من الناتج المحلي الاجمالي، ويظهر ذلك مدى الحاجة الى اتخاذ المزيد من المبادرات والتدابير الكفيلة بتعزيز الفائض الاولي الذي بلغ في الفصل الاول 279 مليار ليرة، اي ما يوازي 16$ من النفقات، فتعزيز الفائض الاولي شرط ضروري للحد من دينامية نمو الدين بالنسبة الى إمكانية نمو الناتج المحلي الاجمالي في الوقت الراهن. القطاع المالي الوضع النقدي إن التريث الشديد الذي خيم على كل الاسواق طوال الفصل الاول دفع السلطات النقدية الى مزيد من التشدد في سياسة معدلات الفوائد في سوقي النقد والسندات. فالواقع ان الضغوط على سوق القطع، والمرتبطة بمختلف الاستحقاقات السياسية المحلية والاقليمية، استتبعت تحويلات من الليرة اللبنانية الى العملات الاجنبية، ما أسفر عن انخفاض احتياطيات القطع الصافية لدى مصرف لبنان بقيمة 2،1 مليار دولار، وذلك في ظل ازدياد حركة الرساميل الوافدة، الذي غذته فقط إصدارات سندات اليوروبوند الحكومية. وإن الوضع النقدي، المحلل من زاوية التدفقات، يؤكد هذه الاتجاهات. وتفسر هذه التطورات ارتفاع دولرة الودائع من 9،66$ في نهاية كانون الاول 2000 الى 9،68$ في نهاية اذار 2001. ان تقلص الكتلة النقدية وما رافقه من انخفاض لودائع المصارف بالليرة، اسفر عن عجز في اكتتاب المصارف التجارية بسندات الخزينة، ما استتبع انخفاض حسابات الدولة الدائنة لدى مصرف لبنان بقيمة 178 مليار ليرة وتدخل هذا الاخير مباشرة ليرفع محفظة سنداته بقيمة 660 مليار ليرة. في هذا السياق، ظلت الساحة النقدية متأثرة بسياسة التثبيت النقدية، ما اسفر عن تضخم طفيف وارتفاع في سعر الصرف الحقيقي. النشاط المصرفي كان النشاط المصرفي في الفصل الأول شديد التأثر بالمناخ الاقتصادي العام، فهذا النشاط، المقدر بالميزانية المجمعة للمصارف، ازداد بنسبة 5،1$ قياسا على كانون الاول 2000، اذ ارتفعت ارقام هذه الميزانية من 67888 مليار ليرة الى 68932 مليارا. وهذه الزيادة هي اقل بنسبة 40$ من تلك المحققة في الفترة المماثلة من العام 2000 وبنسبة 17$ من متوسط الزيادة الحاصلة في الفترة المماثلة من السنوات الاربع الماضية. ويعود ذلك بصورةأساسية الى ضعف الودائع، التي هي المحرك الاكبر لنمو الموجودات. ففي الواقع، زادت هذه الودائع بقيمة 796 مليار ليرة فقط، ما يوازي نموا أقل بنسبة 38$ من ذلك المحقق في الفترة المماثلة من العام 2000 وبنسبة 24$ من متوسط نمو الموجودات في الفترة المماثلة من السنوات الاربع الماضية، إن ضعف نمو الودائع مرتبط بضعف المصادر الرئيسية الثلاثة لخلقها: التسليفات للقطاع الخاص التي سجلت تراجعا بقيمة 47 مليار ليرة، استدانة الدولة من الجهاز المصرفي، والتي تدنت بنسبة 40$ عما كانت عليه في الفترة المماثلة من السنة الماضية، وحركات الرساميل الوافدة التي جاءت متواضعة. وقد اتصف النشاط المصرفي بالخصائص التالية: ارتفاع الدولرة في آذار بالمقارنة مع كانون الاول 2000، اذ ارتفعت حصة الودائع بالعملات الاجنبية من اجمالي الودائع من 9،66$ الى 9،68$. استقرار رسملة المصارف على 4،6$ بين كانون الاول وآذار، بسبب ضعف ارباح العام 2000 وما رافقه من ضعف المخصصات المرصودة لحسابات الاحتياطيات. ازدياد السيولة الاجمالية من 1،70$ في كانون الاول الى 2،71$ في آذار، نتيجة انخفاض نسبة تحويل الودائع الى تسليفات من 9،40$ الى 9،39$. اشتداد الضغوط على التكاليف والهوامش من جراء انخفاض العوائد الجارية على سندات الخزينة وانخفاض معدل الفائدة المرجعية (الليبور). وبسبب العوائق البنيوية والتجاذبات الظرفية، لم تتمكن المصارف من خفض متوسط كلفة ودائعها بالعملات الاجنبية إلا بمقدار 30 نقطة اساسية، مما قلّص الهوامش المصرفية وخفض الارباح بنسبة 18$ قياساً على الفصل الاول من السنة الماضية. ولم يسمح ركود الاسواق بالتعويض عن انخفاض الهوامش هذا بمصادر مردود بديلة. البورصة وسوق السندات لم يكن الفصل الاول من العام 2001 فصلاً جيداً بالنسبة الى البورصة وسوق السندات اللتين شهد نشاطهما انحساراً شديداً وأسعارهما انخفاضا كبيرا. فسوء احوال الاسواق الدولية زاد في عدم فعالية الاسواق المحلية، التي تفاقمت محدوديتها من ناحيتي حجم التداول والسيولة نتيجة التريث الشديد المرتبط بالوضع الاقليمي وانعكاساته على الساحة المحلية. لقد نجم عن ذلك، على مستوى اسواق الاسهم اللبنانية، انخفاض اضافي في مؤشر اسعار بورصة بيروت بنسبة 5،12$ ليبلغ 5،52 نقطة، اي أقل بنسبة 65$ من أعلى مستوى له على الاطلاق وأقل بنسبة 48$ من متوسط قيمة الاسهم عند ادراجها في البورصة. على ان ضعف الاسعار رفع حجم النشاط الى 12 مليون دولار، اي أعلى بنسبة 22$ عنه في الفترة مماثلة من السنة الماضية، لكنه أقل بنسبة 90$ من المتوسط الفصلي منذ استئناف عمل بورصة بيروت. ويعود هذا الطلب الى الادراك بأن ثمة تبخيسا واضحا لاسعار الاسهم. وهكذا، اشتدت الضغوط على الاسعار مع بلوغ نسبة السعر/ متوسط الربح 4،7 اضعاف ونسبة السعر/ متوسط الاموال الخاصة 3،1 ضعفا. إن هذه المستويات، الادنى حتى تاريخه، تعبّر عن تقييم الاسهم اللبنانية بسعر يقل بنسبة 38$ عن متوسط الاسعار في البلدان الناشئة. ولم تكن سوق ايصالات الايداع العمومية اللبنانية افضل حالا. فمؤشر اسعار هذه الايصالات انخفض بنسبة 2،14$ ليصل الى ادنى مستوى له على الاطلاق، بسبب عدم اهتمام المستثمرين الدوليين بالمنطقة. كذلك، تأثر نشاط سوق سندات اليوروبوند اللبنانية بالاوضاع المحلية والاقليمية السيئة. فقد لاحظنا في الفصل الاول عروضا من جانب المؤسسات الاجنبية إثر تدهور الوضع السياسي الاقليمي، ما وسع متوسط هامش الاصدارات اللبنانية بمقدار 51 نقطة اساسية (من 388 نقطة في نهاية كانون الاول 2000 الى 439 نقطة في نهاية آذار 2001). وعليه، ارتفع متوسط العائد، في الفترة نفسها، من 99،8$ الى 15،9$. ورغم كل هذه الصعوبات، استطاعت الحكومة اقفال اربعة اصدارات لسندات اليوروبند منذ بداية السنة، بقيمة 1750 مليون دولار، مدعومة باكتتابات كبيرة من قبل المصارف اللبنانية، باعتبار ان لدى هذه الاخيرة فوائض تشغيلية بالعملات الاجنبية نتيجة عمليات التحويل في سوق القطع. وهكذا، ارتفعت القيمة الاجمالية لسندات اليوروبوند اللبنانية، الحكومية والخاصة، من 8،4 مليارات دولار في نهاية كانون الاول 1999 الى 2،6 مليارات في نهاية كانون الاول 2000 ثم الى 0،7 مليارات دولار في نهاية آذار 2001. التبعات السياسية لكل سياسة اقتصادية ان الأداء الاقتصادي الضعيف الذي عرفه لبنان في السنوات الاربع الماضية يدل بوضوح على ان البلاد لا تزال بعيدة عن مرحلة النمو المطرد، الذي يسمح بتعبئة فعالة للموارد المحلية وباجتذاب الاستثمارات الاجنبية. فالتراجع التدريجي والمتواصل لحصة لبنان من اجمالي الناتج المحلي الاقليمي يظهر اننا لا نزال متأخرين عن بلدان المنطقة، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر التهميش الاقتصادي. وكون الاقتصاد اللبناني لم يستفد اطلاقا، في السنة الماضية، من الارتفاع الكبير لاسعار النفط يشكّل تحديا، ذاته دليلا ساطعا على ذلك. وبمعزل عن الاختلالات الضخمة الموروثة من سنوات الحرب، فإن الاسباب الرئيسية الكامنة وراء هذا التأخر هي التالية: »عجز مؤسساتي«، ينال من الفعالية التنظيمية لاقتصاد السوق ويولد »عجوزات في النمو«. هجرة كفايات كبيرة، يغذيها »عجز في الديموقراطية«، وهي تنال من نوعية اليد العاملة وتاليا من الانتاجية الاجمالية. تنوع اقتصادي ضعيف ينال من البعد الحقيقي للاقتصاد، بحيث تعطى الافضلية للقطاع الثالث (التجارة والخدمات)، ما يولد تبعية ازاء استيراد المنتجات المصنعة والسلع الاستهلاكية. مناعة ضعيفة ازاء الصدمات الخارجية من خلال سوق العمل وحركة الرساميل. فتحويلات اليد العاملة المهاجرة تساوي ثلاثة اضعاف الصادرات. قطاع عام متضخم، لا يتفاعل بما فيه الكفاية مع متطلبات التنافسية في السوق، ومعتمد اكثر فأكثر على اجراءات الدعم والحماية. يمكن ان تشكّل سنة 2001، من نواح عدة، سنة مفصلية، فبعد سنوات من الركود، شهد النشاط في الفصل الاول انتعاشا طفيفا من شأنه، فيما لو تسارع في الاشهر المقبلة، ان يثبت قدرة الاقتصاد الاكيدة على النهوض، وان يشكّل فرصة لاطلاق الاصلاحات البنيوية التي طال انتظارها. ففي الواقع، لئن كان منعطف الفصل الاول عائدا بصورة اساسية الى عوامل ظرفية، إلا ان المحرك البنيوي الرئيسي للنمو يبقى سياسي الطابع، والمطلوب هو الانتقال الآمن من عهد الاصلاحات المجزأة لفترة 1992 2000 الى عهد الاصلاحات المنظمة. منذ نحو عشر سنوات، يحكى بالتتابع عن ازمة الدين، وعن تصحيحات بنيوية وسياسات ماكرو اقتصادية الخ... لكن ذلك لم يكف، لاننا لم نعكف على مخططات انمائية تستوعب المشاكل القائمة وتفرض تصورا للنمو المنطلق من القاعدة. وهذا التغيير يتطلب قبل كل شيء استعادة نفوذ الدولة في شأن الخيارات الكبرى والتوجهات الاقتصادية على حساب الاوليغارشية السياسية المناوئة لكل محاولة اصلاحية. بتعبير آخر، المطلوب هو العودة الى عمودية القرار الاقتصادي. فالاصلاح الضريبي الواسع المبسِّط والمخفف للعبء الضريبي بهدف اعادة استيعاب الاقتصاد المستتر، وتحديث الادارات الرسمية المالية والجمركية، واصلاح النظام القضائي وإقامة شبكة من الحماية الاجتماعية، تبقى كلها الشروط الاولية اللازمة لتمكين المؤسسات الخاصة من الانطلاق في عمليات اعادة الهيكلة. وبمعزل عن هذه التغييرات التي تستطيع الدولة ان تفرضها بكلفة سياسية قد تكون مرتفعة، لا بد ايضا من اصلاح الجهاز المصرفي، بتشجيع عمليات الاندماج الكبرى بغية التخفيف من قيود الحجم والرسملة التي قد تعيق المصارف اللبنانية في مواجهة منافساتها الاقليمية. لا تزال هذه الاصلاحات منذ سنوات حبراً على ورق، بسبب المعارضة التي تلقاها من مختلف اصحاب المصالح. لكنها باتت اليوم اكثر إلحاحا وضرورة لتقدم مسار اعادة الهيكلة. فالظروف الراهنة تمنح الحكومة هدنة مؤقتة إنما نسبية على جبهة »عجوزات النمو«. ويقتضي الاستفادة من هامش المناورة هذا للتصدي للمشاكل الجوهرية التي يعانيها الاقتصاد اللبناني. فالمطلوب هو تصحيح »عجزه المؤسساتي« بهدف التخفيف مع الوقت من النواقص التنظيمية التي تشكوها ليبرالية هذا الاقتصاد. ولكن، لا ينبغي ان توحي هذه الملاحظات بأن الاقتصاد اللبناني محكوم بالفشل، وإن كان لا يزال يعتبر عاجزا عن المنافسة، حسب معايير البلدان النامية الاكثر تقدما. فالتأخر في اطلاق الاصلاحات اللازمة سوف يؤدي بلا ريب الى ازمات اقتصادية من شأنها ان تؤجج مع الوقت التجاذبات السياسية في البلاد. لذا، ثمة حاجة الى استبدال الخطط والرؤى بارادات سياسية صادقة تنطوي على المضامين التالية: التصحيح يتطلب مزيدا من الانتاجية، لا يمكن ان يتأتى إلا من خفض حجم الدولة، وتقليص دور الحكومة في الحماية والدعم، ومن تعزيز عمل القطاع الخاص. التصحيح يتطلب ايضا اهتماما خاصا بحقوق الانسان وبالحريات الفردية التي تخدم التنمية الاقتصادية لا المصالح السياسية. التصحيح يستلزم ملاءمة انظمة التعليم مع حاجات الشباب وتحضيرهم، في اطار العولمة، لمنافسة حقيقية في اسواق العمل الاقليمية والدولية. التنمية ليست بالضرورة رهن الانخراط في الاسواق الاقليمية؛ فتجربة النمور الآسيوية واقتصادات اميركا اللاتينية تظهر ان نمو التجارة الاقليمية البينية هي نتيجة سياسات انمائية وليس سببا لها. فالتجارة يجب ان تتجه تبعا للمزايا التفاضلية. لا يمكن ان يشكِّل السلام والديموقراطية بديلين للاصلاحات، وهما لا يكفيان وحدهما لإحداث التنمية الاقتصادية. فتجربة النمور الآسيوية تظهر ان اداءها الاقتصادي الافضل تحقق في فترات شهدت نفقات عسكرية عالية جدا وأنظمة سياسية قمعية. اننا لا نوصي بذلك طبعا. فمن الاكيد ان السلام والديموقراطية هما من اشكال التقدم المنشودة للغاية، غير ان علاقتهما بالنمو دقيقة الى حد ان كل تغيير في مجال معين يستتبع حكما درجة من التقدم في مجال آخر. يبدو ان الحكومة ملتزمة بهذا التوجه، لكن العقبات لا تزال عديدة. وقد يكون الثمن في الامد القصير تصاعد التجاذبات السياسية على الساحة المحلية. فعلى حكومة الرئيس الحريري ان تبرهن عن ارادة سياسية حازمة لمواجهة مظاهر الجمود البنيوي في المجتمع اللبناني، وخصوصا ان الفرصة التي يتيحها لها الظرف الراهن قد تتلاشى بسرعة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة