استغرب الرئيس عمر كرامي أن نرى أبطال اتفاق 17 أيار الذين قاتلوا في لبنان بالسلاح الاسرائيلي، هم الذين يرفعون اليوم أصواتهم بالمطالب الاسرائيلية وأولها خروج الجيش السوري نهائيا من لبنان في هذه الظروف الاقليمية الدقيقة. مواقف كرامي وردت في الكلمة التي كان مقررا أن يلقيها في الاحتفال بذكرى الشهيد رشيد كرامي، وتلاها أمام الصحافيين في مستشفى النيني، وجاء فيها: أربع عشرة سنة مضت على استشهاد رشيد كرامي، وذكراه العطرة ما تزال تعبق شذا فواحا في نفوس اللبنانيين، الذين آمنوا معه بحتمية الوفاق والعيش المشترك، ونبذوا السلاح، وعقدوا الخناصر على جمع الكلمة ووحدة الصف، في سبيل لبنان الواحد الموحد، العربي السيد الحر المستقل. لقد قضى رشيد كرامي شهيدا في سبيل القضية والوطن، مات وهو يبشر بالمحبة والاخاء والعدالة والسلام، ونثر قلبه الكبير في سماء لبنان، ليصبح أمانة في عنق كل لبناني وطني حر شريف، يخفق قلبه بالمحبة، ويفيض بالعطاء، وينبض بحب لبنان. واليوم في الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاده، تفتح طرابلس قلبها وذراعيها، لتحتضن كل الوطنيين الشرفاء من كل أنحاء لبنان، الذين جاؤوا ليشاركوا هذه الذكرى بكل ما تحمله من مبادئ ومعان وعبر. فرشيد كرامي من موقعه القيادي كزعيم وطني كبير، ومن موقعه الرسمي كرئيس لوزراء لبنان، تصدى للمؤامرة الاسرائيلية، التي كانت تهدف الى تقسيم لبنان وتفتيته تمهيدا لابتلاعه. ولما عيل صبر اسرائيل وعملائها في لبنان، بتعطيل دور رشيد كرامي أو تجاوزه، قرروا تصفيته كي يسهل عليهم إنفاذ أهدافهم الشريرة، ولكن فاتهم أن رشيد كرامي ليس شخصا يزول، فتزول معه القضية والمبادئ والوطن، ذلك أن كل وطني شريف هو رشيد كرامي، وتبقى راية الجهاد والنضال والاستشهاد مرفوعة، وتستمر المعركة مع اسرائيل وعملائها، الى أن تتحرر مزارع شبعا والجولان وتقام الدولة الفلسطينية المستقلة الحرة وعاصمتها القدس الشريفة. إن السياسة الاسرائيلية تجاه الدول العربية، وخاصة ما يعرف بدول الطوق، واضحة المعالم والاهداف. فلقد نشطت اسرائيل منذ قيامها، وبمختلف الطرق والأساليب، للعمل على إضعاف الدول العربية اقتصاديا وعسكريا، واثارة الفتن والخلافات في ما بينها، حتى تتمكن من اصطيادها الواحدة تلو الأخرى، باتفاقات اذعان هي أقرب الى الاستسلام منها للسلام. من هنا ندرك مدى دور اسرائيل في أحداث لبنان، الذي بدأ متسترا ثم انقشع للعيان. وحين نعود الى اتفاق 17 أيار الذي فرضته اسرائيل على لبنان، يتبين لنا بوضوح، نواياها تجاه هذا الوطن. ومنذ سقوط ذلك الاتفاق المشؤوم واسرائيل ما تزال تواصل التآمر على لبنان، الا أن تصدي الشعب اللبناني للمؤامرات الاسرائيلية، والتضحيات الكبيرة التي قدمها، والتفافه حول المقاومة ومساندتها، والمساعدة الكبيرة التي قدمتها سوريا الشقيقة، كل ذلك أدى الى تحقيق التحرير الذي احتفلنا بالأمس القريب بمرور سنة على انجازه. ومع ذلك فالتآمر لم يتوقف ولم ينقطع، فالحصار الاقتصادي الذي يعاني منه لبنان، يتعلق جزء كبير منه بمؤامرة اخضاعنا للاستسلام، كما أن محاولة اعادة إذكاء الفتنة الداخلية ما تزال قائمة على قدم وساق، والتهديدات بالويل والثبور وعظام الأمور توجه الينا من كل حدب وصوب. أما الهدف من ذلك كله والذي يبدو بمنتهى الوضوح، فهو ايجاد الاجواء المريحة لإسرائيل ودعمها لتمكينها من الهيمنة، وبالتالي تهيئتنا للدخول في العصر الاسرائيلي. في ذكرى رشيد كرامي وما تحمله هذه الذكرى من معان وطنية كبيرة، من طرابلس القلعة الوطنية التي يحفل تاريخها بملاحم الاستشهاد والتضحيات والبطولات، من طرابلس العروبة والفداء، من طرابلس الوحدة الوطنية والعيش المشترك، من طرابلس المحرومة التي تعض على جرحها، وتنتفض لكرامة هذا الوطن وسيادته واستقلاله وتصحيح كل اعوجاج فيه، من طرابلس عبد الحميد كرامي، التي لا تهادن ولا تساوم على المبادئ، ولا تسكت عن الانحرافات، ولا تخلط الخاص بالعام، طرابلس التي كانت وستبقى الرقم الصعب والاساسي في المعادلة اللبنانية، طرابلس التي تستقبل هذه الجماهير الحاشدة، المؤمنة بها وبمبادئها وبمواقفها، تعلن أمام الله والتاريخ وهذه الجماهير، أنها مستمرة في رسالتها الوطنية، وواجباتها القومية، مهما كانت الصعوبات ومهما عظمت التضحيات. ان المؤامرة على لبنان لا تزال مستمرة، وان اتخذت اشكالا مختلفة. وان سوريا القلعة الوطنية العربية الكبرى، كانت على مر التاريخ، تتصدى لكل المؤامرات، وتقدم اغلى التضحيات، من اجل عزة العرب واستقلالهم وكرامتهم. ولقد عزز موقع سوريا ومكانتها ودورها الوطني الرائد، الرئيس حافظ الأسد طيب الله ثراه، بحيث اصبحت سوريا بمواقفها وتضحياتها مفتاح الحل في المنطقة، فلا يمكن ان يتم سلام بدون سوريا، ولا يمكن ان تنشب حرب بدون سوريا. انها حقائق تعترف بها الدول الكبرى، وها نحن اليوم، وبعد ان تسلم الامانة الرئيس الدكتور بشار الأسد، في ظروف اقليمية ودولية معقدة، وضعف عربي لم نشهد مثيله، نجد في مواقف الرئيس الدكتور بشار، ما يطمئننا الى ان الحق العربي، سواء في سوريا او في لبنان او في فلسطين المحتلة، او في اية بقعة عربية اخرى، هو في يد قوية أمينة. ان الموقف السوري تجاه الازمة اللبنانية، والتضحيات التي قدمتها سوريا على الارض اللبنانية، هي العامل الاساسي في افشال المؤامرة واحباط المخططات الاسرائيلية. ولولا موقف سوريا وتصديها للمؤامرة لاصبح لبنان اليوم تحت الهيمنة الاسرائيلية في ظل اتفاقات مشابهة لاتفاق 17 ايار. ولعل المفارقة العجيبة الغريبة، ان نرى أبطال اتفاق 17 ايار الذين قاتلوا في لبنان بالسلاح الاسرائيلي، هم الذين يرفعون اليوم اصواتهم بالمطالب الاسرائيلية، وأولها خروج الجيش السوري نهائيا من لبنان، في هذه الظروف الاقليمية الدقيقة، التي تواصل فيها اسرائيل تهديداتها بشن حرب على لبنان وسوريا، وفي ظل وضع داخلي لا يبدو متماسكا على الاطلاق. ولقد بلغ بهم الامر حدا بحيث لم يعودوا يريدوننا ان نطالب حتى بمزارع شبعا اللبنانية. من هنا فإننا نعود لنؤكد مجددا أنه لولا سوريا لما توقّف الاقتتال في لبنان، وانه لولا دعم سوريا للمقاومة اللبنانية لما تحقق التحرير. لذلك اذا كانت هنالك خلافات على بعض الامور الداخلية مع سوريا، إلا ان ذلك يجب ان لا يؤدي الى كل تلك التشنجات، خاصة اننا نعلم جميعا وكما تعلن الدولة بكل مؤسساتها، أن الوجود السوري هو شرعي وضروري ومؤقت، علما بأن سوريا قد اعلنت عن استعدادها للانسحاب حين تطلب الدولة اللبنانية ذلك منها. في ذكرى رشيد كرامي ومن طرابلس، وباسم طرابلس، وباسم هذه الجماهير، نقول للرئيس بشار الأسد، نحن مع سوريا في خطها القومي وفي نضالها وتصديها لاسرائيل وعملائها في كل الميادين وخاصة في لبنان، ولا يزايدن احد علينا باستقلال وسيادة لبنان. ان المقاومة التي رفعت رأس لبنان والعرب عاليا، بتضحياتها وبطولاتها وتخطيطها السليم، وتصرفاتها العقلانية الرصينة والمسؤولة، لا تزال السيف المسلط على رقاب الاسرائيليين. ان المطالبة بارسال الجيش الى الجنوب لا يهدف الى بسط الشرعية على الارض المحررة، لان هذه الشرعية قد تأمنت بإرسال وحدة مشتركة من الجيش وقوى الامن الداخلي، التي تولت حفظ الأمن وبسط سلطة الدولة في المناطق المحررة. لذلك فإن المطالبة بإرسال الجيش الى المناطق المحررة انما يهدف في حقيقته الى وقف المقاومة وفصل المسارين، وهو ما تسعى إليه اسرائيل. من هنا فقد كنا وسوف نبقى مع المقاومة، لاننا نؤمن بأن هذا هو الاسلوب الوحيد لدحر اسرائيل. كما لا يمكن للشعب الفلسطيني ان ينتصر وينال حقوقه إلا باستمرار الانتفاضة. وعلى هذا الاساس فإننا نقول للمواطنين في لبنان الذين لا يتفقون مع رأينا هذا، إن التطرف لا يؤدي الا الى التطرف، وهذا مقتل للبنان. لذلك فإننا نناديهم ان تعالوا الى حوار عقلاني هادئ، لا ننشد فيه إلا مصلحة الوطن وسلامته. في هذا اليوم الاغر، يوم الوفاء للشهيد الرشيد، أتقدم باسمي واسم طرابلس الفيحاء، بالشكر والامتنان من الخطباء لتفضلهم بمشاركتنا في إحياء هذه الذكرى. كما أتوجه بخالص الشكر الى هذه الجماهير المحتشدة التي توافدت من جميع انحاء لبنان لمشاركتنا في هذا المهرجان. ولا بد لنا ونحن نستمطر الرحمة على روح الشهيد رشيد كرامي، من ان نستذكر ارواح شهداء الامة الابرار، في جنوب لبنان وفي ارض فلسطين، الذين يبذلون دماءهم رخيصة من اجل الذود عن شرف الامة وكرامتها. اننا في الختام نجدد العهد من اجل الحفاظ على القيم والمبادئ والاهداف التي استشهد من اجلها الشهيد الرشيد، ونردد معه ايماننا وثقتنا بأن وعي الشعب اللبناني واخلاصه ومقاومته هي الصخرة التي تتحطم عليها مؤامرات التقسيم والشرذمة ومخططات اسرائيل والصهيونية، ليبقى لبنان ويستمر وطنا عربيا سيدا حرا مستقلا.