As Safir Logo
المصدر:

الغجر الهائمون.. لغتهم لغة القارة المفقودة

المؤلف: حسين قصي التاريخ: 2001-05-18 رقم العدد:8902

ويستدل الباحثون من تاريخ الغجر وحياتهم، انهم رحلوا في مبتدأ امرهم في التشرد، من بنجاب في الهند، فمروا بقطاعات هندية، واخترقوا الحدود الى ايران فأرمينيا فآسيا الصغرى، واليونان، ورومانيا، والمجر، وبوهيميا، ومولدافيا، وبولونيا، وليتوانيا، وروسيا، واسكندينافيا، وفرنسا، وإيطاليا، وانكلترا، واسكوتلندا وهولندا واسبانيا والبرتغال. ومن هناك اجتازوا عبر الأوقيانوس، الى اميركا الشمالية والجنوبية. وفي ملحمة »الشاه نامه« للفردوسي، حكاية: »غجر الهند وملك العجم«، نجد »ان جميع الشعوب التي رزحت تحت نير الاستعباد، اطلقت على نفسها لقب »السلاف« ومعناها النصر والبطولة ومن هذا العرق: الفند والكروات وبوسنة ودالماسيا وبولونيا والروس كانت تعرف في التاريخ القديم باسم »تشيفي« وتلفظ »شيفي«، وتقطن في اعالي القوقاس. والبوهيميون وحدهم بين الشعوب المذكورة، المتحررة من صلب واحد مشترك، هم الذين احتفظوا بالاسم الاصلي محرفا »تشيكي«. البوهيم ويذكر »شيدر«، احد علماء الاجناس، انه خرج من اصلاب هذه الشعوب التي ذكرناها قبل قليل، الرحالة البدو، الذين ينعتهم الفرنسيون بالبوهيميين، والالمان بزيفونير، والاسبان بجيتانو والعرب بنَوَر او غجر. وهناك من يقول ان كلمة بوهيم، هي تفسير لكلمة »تشيفي« وكذلك تحريف كلمة »Gypcio جبسيو«. وبالرغم من ذلك، فإن الرأي السائد اليوم في العالم، ان اصل هؤلاء القوم الرحل، هندي وليس مصريا ولا اوروبيا. اما العالم »فايان« فيقول ان الغجر، هم من »الزط«، وقد جاؤوا من »مول تان« "Mul-tanس اي من البلاد الاصل بنجاب الهند. وكانوا قديما يسمون »زاتس« او »الزط« او »الزوط«. وهم يعتقدون بمبدأ خلق العالم من التهوبوت وابداع كل شيء من الطين والتراب. ويذكر »فايان« ان الغجر الزط، كانوا يعبدون الشمس المنبثقة من الاوقيانوس السماوي. وحينما التجأوا الى فنيقيا، حملوا معهم آلهتهم عشتروت.ومن تقاليدهم ان السماء كتابهم، وان النجوم ادابهم، وان ضياء الكواكب ملائكتهم، وان فصول السنة والاشهر انبياؤهم. وان الشمس والقمر كهنتهم، وأن العالم معبدهم والله هو نورهم. ويزعم بعض علماء الاثار والأوابد، ان الغجر هم البقية الباقية من »الاتلتتديين«، لان فيهم من شعب بوسيدونيا، ملامح اللون النحاسي القاتم، والعيون السود الحادة، والشعر الاحمر الناري غالبا، والقامة المستقيمة، والبنية العضلية المكتنزة، وهي مثل حي للسلالة الحمراء البدائية التي نجدها في النقوش الفرعونية. اما بعض الباحثين الاخرين، فيقول انهم من اصول »البوسكو« و»الأوسكو« القدماء، والبربر الهمج. اولئك الذين يحتفظون باللغات اليونانية القديمة والتي هي اصل اللغة التي كانت لغة القارة المفقودة. وفي كتابه »التقاليد الهندية الاوروبية«، يذكر »جاكوليو Jacolliot« ان هذه الفئة الرحالة من الغجر، جيء بهم من مصر الى اوروبا منذ ازمنة بعيدة، وقد عرفوا في فرنسا باسم بوهيم وتريغانو. وفي انكلترا جبسي، وفي اسواج والدانمارك باسم الترتر، وفي اسبانيا باسم جيتانو. وفي المانيا زيفوينر، وفي ايطاليا وتركيا زنغاري. وقد توصل »جاكوليو« الى ربط اللغة والعيلة الغجرية عموما، بالعيلة الهندية الكبرى، كما حدد الطريق التي سلكتها قبائلل الغجر الرحل من الهند الى اوروبا بواسطة علم الفلولوجيا والدراسة المقارنة للغات. وكذلك العناصر الغربية الدخيلة على لغة الغجر والتي حملت دمغتها مثلما تحمل الرسالة طوابع البريد التي تدمغها في جميع البلاد التي تمر بها. ويتحدث الشاعر الكبير الفردوسي في كتابه الشهر الملوك (... عن ابتداء رحلة التيه والتشرد عند القوم، فيقول ان »شنقال« ملك »كانوجيا« اراد سنة 420 ق.م ان يخفف التعاسة وينشر السعادة بين ابناء شعبه لأنه كان من اهل المبرات. فانتقى عشرة آلاف »لوري« من الفقراء والمشردين، رجالا ونساء، وكانوا مهرة بضرب العود. وقد اعطى كل واحد منهم ثورا وحمارا، لانه اراد ان يجعل منهم مزارعين، وأمر جباة الضرائب والمكوس ان يزودوهم بألف حمل من الحنطة، وعليهم ان يفلحوا الارض بالثور والحمار ، اما الحنطة فهي بذار للزرع، ومقابل هذه العطايا، طلب منهم ان يعزفوا بآلات الطرب للفقراء مجانا، غير ان اللوريين، اكلوا الثيران والقمح. ثم عادوا بعد سنة للمثول امام الملك صفر الوجوه، نحاف الأبدان، فقال لهم الملك: »كان يجب ان لا تبددوا البذار: القمح الطري والزرع المحصود. لم يبق لكم الآن سوى الحمير... فحملوها امتعتكم وحضروا آلاتكم الموسيقية، وزينوا اوتارها بشرائط الحرير، وارحلوا«!. ويقول الفردوسي انه لا تزال قبائل اللوري، الى يومنا هذا، تائهة في العالم، متبعة كلمات الملك الحكيمة، لا تطيل الإقامة في مكان واحد. سارحة وراء الرزق والعيش في بقاع الارض. رفقاء الكلاب والذئاب في الذهاب والاياب، وفي المأوى والغياب، مستعدة للسلب والنهب في الدروب، آناء الليل وأطراف النهار. اما حمزة الاصفهاني، وهو مؤرخ عربي مشهور، فقد اورد هذه الحكاية بشيء من التصرف قبل رواية الفردوسي بخمسين عاما. غير انه تحدث عن قوم من »الزط Zott« يبلغ عددهم 12 ألف نسمة. وهؤلاء ظهروا في القرن السابع للميلاد. ومنهم من فرّ من معسكر الفرس واعتنقوا الاسلام وأقاموا في البصرة، وقسم آخر رحل الى انطاكية وسواحل سوريا. وكان هؤلاء الزط او غجر الشرق، يتقنون لغتين او ثلاث لغات. وكانوا كلما انتقلوا من بلد الى آخر يجيدون لغة البلد الذي ينزلون فيه الى جانب لغتهم الاصلية. وبرأي الباحثين، ان الزط/ الجط، هم في اغلبيتهم الساحقة من سكان بنجاب. اما اللولي/ اللوري/ النوري، فهم بحسب رأي مينورسكي، يمتون بأصولهم الى »ألور او أرور Alor ou Aror« احدى مدن الهند الكبرى والتي كانت عامرة، ثم تحولت الى خرائب بعد ان تشرد اهلها. الى جانب هؤلاء كان قوم من الغجر الاوروبيين يسمون »روم Rom« ويعرفون في سوريا وايران ب»دوم« و»ضوم«. وقد ذكر الرحالة اوريل شتاين كانوا من كشمير. وقد عرفوا بنباهتهم وذكائهم. اما آخرون فيقولون إنهم قوم هجروا بنجاب في فترة عصيبة تتصل بالفقر والجوع والحروب والقتال والاضطهادات الدينية. وربما هاجر قوم منهم على سبيل المغامرة، بعد يأسهم من حالات البلاد وتفككها السياسي. وهناك من يحدد تاريخ هجرة هذه الاقوام بسنة 100م. ويستدلون على ذلك من خلال مقارنة لهجات الغجر في اوروبا مع اللغات الهندية الآرية المعاصرة. ذلك ان لهجات الغجر الاوروبيين لم تظهر إلا في أواخر القرن الاول للميلاد. الإضطهاد الأوروبي تعرض الغجر في كافة انحاء اوروبا للاضطهاد، فكانوا يقتلون ويسجنون وتفرض عليهم الضرائب القاسية، ويقبض عليهم، فيباعون عبيدا ارقاء يقومون بأعباء اقسى المهن. وقد اضطهدوا في المجر عام 1761م، عندما اتخذت الملكة ماريا تريزا سلسلة تدابير لدمجهم في المجتمع. وفي عام 1870، جرت دعاوى ضدهم بتهمة السرقة والقتل وأكل لحوم البشر، فأعدم الملك جوزيف الثاني اكثر من 45 غجريا دفعة واحدة. وفي فرنسا صدر مرسوم سنة 1682م. يشدد على مطاردة الغجر واضطهادهم وطردهم من البلاد تماما، فنزحوا من هناك الى مقاطعات ميديوديا في اسبانيا، حيث مقر الغجر المتحضر، كذلك صدر مرسوم في انكلترا حوالى سنة 1600م، اعدم بموجبه 106 من كهول الغجر في مقاطعة يورك. وقد استولى الذعر على جماعتهم، اذ شاهدوا بأم اعينهم ما صارت إليه آخرة آبائهم التعيسة، اما في المانيا فقد عمد الامبراطور فريدريك الثاني الى الايقاع والفتك بهم. وأنشأ لهم مستعمرة خاصة لتضم فلولهم. كذلك الامر، عمدت كاترين امبراطورة الروسيا الى سن قانون، جعلت بموجبه الغجر عموما عبيدا للتاج. ومنذ ذلك الوقت اتخذ الغجر اوكرانيا والقرم، مقرا لهم كبدو رحل. وفي اوائل القرن الثامن عشر، طرد ماركيز دي بومبال جميع الغجر من البرتغال. وقد تعرضوا قبل ذلك الى الاضطهاد مع اليهود والمغاربة العرب. وبسبب ذلك رحل الغجر الى ريو دي جانيرو في البرازيل. وهناك ساهموا في تكوين روحية »الكاريوكا« وشعبها، باندماجهم وتمثلهم في الامة البرازيلية. وقد طبعت تقاليدهم الكرنفال في الريو بطابعهم. يعرف »بيتار« عالم الاجناس، الغجري فيقول: »بشرة ملفوحة بحرارة الشمس، شعر اسود فاحم، انف حاد بارز، اسنان بيض وعيون كستنائية واسعة، ونظرة ثاقبة، مرونة عامة في المشي، تساوق في الحركات وكل التنقلات. واما الشكل والقوام، فأفضل جدا من معظم الشعوب الاوروبية«. ولا شك ان الغجري معروف بمشيته الرشيقة ككل حركاته وأحابيله وأساليب تعبيره وهو يسير قفزا كالطير، تتحكم بمشيته مفاصل متينة، تمتاز بمرونة عجيبة وقامة منتصبة. وتعبر نظرات الغجري عن القلق وعدم الاستقرار. وهي اثمن سلاحه، وأضمن اداة تحميه في صراعه العنيف من اجل البقاء، اما ملابس الغجري فتختلف باختلاف الاقاليم، ونساؤهم لا تحيك الملابس، مما يجعل الناس يعطفون عليهم بالاحذية والملابس، وتعرف الغجريات من ملابسهن وزينتهن، ومن عاداتهن وضع مخدات على اقفيتهن ليظهرن بدينات. ويحزم الغجري الرأس بمنديل وبآخر حول العنق. وكثيرا ما يرتدون لباسا جديدا تحت ثياب ظاهرة ممزقة. ولا شك ان من الغجر من تحضر، فلزموا بيوت اسيادهم او سكنوا حول الأديرة، او بنوا مستعمرات كما في الصرب والمجر واطراف ايطاليا. وهناك قرى عديدة مأهولة في تركيا، وهي برمتها من الغجر. كذلك من بين الغجر المتحضرين، من سكن الكهوف والمغاور خصوصا في اسبانيا، حيث انشأوا اكبر مدينة كهفية في العالم، في حي سنتياغو بالقرب من قارش، شرقي غرناطة، وقد وصفهم الرحالة »الكروس« فقال: »كأن الوادي خلية نحل يعج بالغجر، وفي اخاديد الجبال الشاهقة وبين صخوره الضخمة، حفر الغجر كهوفا عميقة لمئات وألوف الاطفال والنساء والرجال، مع حميرهم وطيورهم وعصافيرهم. اما الغجر الرحل فمساكنهم من الخيام المخروطية الشكل. وهي من الواح خشبية في البانيا. والعيلة كلها تجري وراء بيتها المتنقل سيرا على الاقدام، مسافات طويلة. اما اثاث بيوتهم، فهي طاولة قصيرة القوائم (طبلية) وحصر ووسائد وأدوات وأواني وصحون. والغجر يصنعون السكاكين ويعالجون الاسنان، ويعتاشون من الصيد والمهارات التي يتقنونها مثل: صناعة الحديد وأدوات الفضة والعزف والغناء. ولذلك نراهم يرتادون الملاهي والحانات والمطاعم والمقاصف، للعزف على الات الطرب الرقيقة الحساسة. ولهم خبرة في فن الوشم فيقصدهم الحجاج: المسلمون والنصارى للاستيشام، وخط كتابات ورسوم وآيات وصلبان على اذرعهم للتبرك. ويعتبر قبائل الغجر في رومانيا اشهرهم في هذا الفن. وقد اشتهروا بالتعدين وصناعة القدور وتبييض النحاس وحبك المناخل وتسنين الامشاط وحدوات الخيل وصنع المنافيخ واستخراج الذهب وصناعة الالعاب الخشبية، بالاضافة الى صناعة المسامير المختلفة. أركولوجيا الحياة الغجرية وتمتاز حياة الغجر بصفة البيع والشراء بصورة عامة. وربما قايض الغجري بالبضاعة الحرفية التي صنعها بعض الحاجات التي تلزمه من القرى المجاورة او المدينة القريبة. وتتلبس تجارة الغجري بالاستجداء اولا والسرقة والنشل اذا قدر. ويقال ان سرقته بريئة، لانه لا يقدم عليها بالقوة والعنف. وهم يزعمون ان لا جريمة او جنحة اذا سرق الغجري ما هو بحاجة اليه، واشتهر الغجر بسرقة الدجاج من الأقنان. ولهم في ذلك حيلة طريفة بسرقة الدجاج والطيور ليلا، بدون ان يسمع لها صوت، وذلك برمي مصران دقيق طريء. وحالما تهم الدجاجة ببلعه، يبدأ الغجري بنفخ المصران، فيتضخم عند بلعومها بالهواء، فيسحبها بسهولة في سكون الليل. وحياة الغجر بعامة، مضطربة. وهي بدون استقرار ولا نظام. ويلتف الناس حولهم للتسلية. فمنهم حاوي الافاعي ورائض الدببة ومدرب السعادين والراوية والبهلواني والمتأرجح على الحبل والمصارع. وقد بالغوا في الاهتمام بالموسيقى وما دونها من مهن وفنون والعاب، فباتت حياتهم بذاتها، موسيقى متعددة الالوان والصفات، ممزوجة بروحهم وتقاليدهم، تبعثها جوقات منظمة انغاما متساوقة بين الحاضرين، وتقتصر تلك النغمات الساحرة الملونة، على عازف كمان وعلى دف وراقصة خليعة. وغالبا ما يختار الحكام والاثرياء افرادا من الغجر لتشكيل جوقات موسيقية، لكونهم متفوقين في ضروب آلات النفخ والزمر، الى جانب شهرتهم بالعزف على القيثارة والآريا والعود. ومهارتهم الفائقة بالكمان وخصوصا منهم الغجر في المانيا. وبشأن الزواج عند الغجر، لا ضرورة لتسجيل العقد في الدائرة المدنية، ويكفي تبليغ الاتفاق المتبادل الى القبيلة او مجتمع الغجر. ولهم عاداتهم تبعا للبلد الذي يعيشون فيه. فالخطيبان يشربان من كأس واحد في تركيا، ثم يحطمانه. وفي البلقان تقبل الخطيبة احدى محارم العريس الحمراء، ولدى قبولها يعلق محرمة اخرى مماثلة على خيمتها. وفي المانيا يحمل الشاب في وعاء مجوف زنارا او زهرة من لون تفضله الخطيبة. اما زواج النور في آسيا، فهو ضرب من المساومة والتجارة. ومن تقاليد غجر المجر، ان يتم الاتفاق بين الآباء ابان طفولة ابنائهم، فيشعل كل منهم شمعة، يقسم امامها بزواج الولدين وهما بعد في الخامسة. وعلى الطفل ان يقبل الإبنة ويأخذها لبيت ابيه، حيث يتربيان معا. وتقام احتفالات الزواج في سن الخامسة عشرة. وعند الولادة، ينصب الزوج خيمة الى جانب خيمة زوجته، يطبخ ويغسل ثيابها التي لا يلمسها شخص ليس له صلة بالام، مثل الدايات والممرضات والطامثات خاصة. ويروي »كنوبلو Knobloch«، ان الام لا تغمض عينيها في الايام الاولى بعد الولادة، خوفا ان تختطف الارواح الشريرة ولدها. وفي ترانسلفانيا، توقد عشوة امام الخيمة لتطرد الارواح الشريرة. اما في فيينا فلا يسمح للغجري ان يرى ابنه المولود. ويذكر الباحثون، ان اولاد الغجر ينشأون على هواهم في اوساط العشيرة، فيرقصون ويسبحون ويتصارعون، ويلعبون مع بعضهم. ويتعلمون العزف على »الفيولون« وسرقة الاوز والبط والدجاج، اما البنات فيتعلمن الاشغال المنزلية وأساليب الشحاذة والكرية وفنون العرافة وكشف البخت وقراءة الكف. والغجر لا دين لهم، لانهم يقتبسون بوجه عام، طقوس الديانات في البلدان التي يقيمون فيها. وهم حين يعتنقون الديانة المسيحية، يتمسكون بالعماد اكثر من بقية اسرارها وطقوسها، لا عن ايمان، وانما للحصول على شهادة من الكنيسة، تحميهم من العقوبات اذا اقترفوا جريمة. اما في الشرق الادنى فهم يدينون بالاسلام، ويحجون الى مكة والمدينة، والى القدس.. كما يزورون الاديرة القديمة، حيث توجد ايقونات عجائبية تاريخية، كما لهم مراسمهم وطقوسهم الغريبة لدى اعلان او تسمية ملكة او ملك الغجر. وتتولى الغجريات الطاعنات بالسن، مهنة العرافة والتطبيب بالنباتات، فيأتين بالحيل والاحابيل واصطناع ادوية وعقاقير من مواد نباتية او حيوانية لا تخطر ببال انسان، وكثيرا ما نرى انتشار وسائل التدجيل والتداوي الباطل في مجتمعهم. اذ يتجاسر بعض المتحذلقين والمحتالين والمشعوذين على ممارسته. والمجتمع الغجري ايا كان، في اوروبا او اسيا او افريقيا، لا يخرج عن كونه كتلا طفيلية بين شعوب منظمة اجتماعيا. وحياة »البوهيمية« تنطبق على جميع الغجر لهوايتهم بالموسيقى، وانصرافهم عما دونها من شؤون الحياة. ولذلك يبدو عالم الغجر كتلة واحدة، متضامنة شديدة الاواصر والوشائج، حتى انهم يعتبرون انفسهم امة واحدة رغم تفرقهم في شتى ارجاء الارض، ورغم فقدان وحدة الشكل في كثير من عاداتهم. والسلطة في العائلة الغجرية، هي للاب، في كل مكان. فهو الذي يضع الخطط للانتقال وهو الذي يأذن بالزواج. اما المرأة، فهي تتمتع عمليا بذات السلطة عن طريق زوجها وعن طريق تأثيرها في الاولاد. ولأنها تشحذ وتغش وتخدع السذج والبسطاء، اما العقارات والدراهم فهي لا تخص فردا بل هي ملك العائلة. اذ ليس في لغة الغجر كلمة تعبر عن معنى »ارث« او »وريث«. اما الارث عند قبائل الروداري، فمن حق الابن الاصغر الذي يبقى مع زوجته الى جانب والديه في شيخوختهم. وللغجر مجالس منتخبة تجتمع لفض خلاف او خصام او حل قضايا مستعصية بين القبائل. وهي تجتمع مع شيوخ القبيلة للمداولة. كما لهم نظام حكومي اداري، يتولاه مجلس منتخب من مندوبين عن مختلف الدول والاقطار، وزعيم اول يسمونه ملكا، ويوجد في بولونيا رئيس اعظم يشغل مهمة قاض روحي يدعى »الشيخ زوغا«، انتخب سنة 1948 كما يوجد رئيس اخر انتخب سنة 1946 اسمه رودلف قويق، وقد اعترفت به الدولة رئيسا لمجلس الغجر العالمي. قضاة الغجر والواقع ان الرؤساء العاديين لقبائل الغجر، هم قضاتهم. خصوصا بين جماعات الغجر »السينتو« في المانيا والنمسا، حيث ينصبون ميزان العدل، ويحكمون بالحق بشكل محاكم عيْلية بين القبائل. واحكام الزعيم /(القاضي)، تلزم الخصوم بالطاعة والاذعان. علما ان القاضي عند الغجر لا راتب له، مع انه يتكبد مصاريف الاسفار الطويلة، وقد يرأس القاضي مجلسا بعدد غير محدود من الشيوخ، وربما يحكم على الخصمين المبارزة بالسيوف في انكلترا وبالسكاكين في رومانيا، وتعتبر النتيجة حكما قطعيا. وتعتبر جريمة الزنا، عظيمة وعقوبتها صارمة جدا. ويحق للرئيس/(القاضي) او لشيوخ القبيلة/(مجلس القضاء)، منح العفو حين يرتأون ذلك. والواقع ان عددا من ادباء الغرب، قد تأثروا بحياة الغجر الشاقة والصعبة، وعطفوا عليهم، وأحسوا بمرارة عيشهم. ويأتي في طليعتهم »مس ياتس Miss yates« التي جمعت شواردهم وحكاياتهم وأغانيهم الشعبية، اما »لست« الموسيقي الكبير، فقد وصف اثرهم الموسيقي وأناشيدهم الساحرة. وأنشودة بيرانجية »البصارات المشعوذات«. ونحن لا يمكننا ان ننسى كبار الادباء الانكليز وكبار ادباء الاسبان والبرتغاليين ولا رواية كارمن لماريمه والتي نشرت منذ ما يزيد عن قرن من الزمن، وهي لا تزال انشودة عامرة في صدور الاجيال. اما اكثر ما جاء عن الغجر في كتب الادب عند العرب فهو مبثوث في القصص والحكايات الشعبية، ومنها حكاية الف ليلة وليلة وتغريبة بني هلال وحكاية ابي القاسم البغدادي وفي قصص وحكايات الزير ابي ليلى المهلهل.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة