بعد فتح »السفير« لملف الاسرى المحررين، وبعد عشرات المقابلات التي اجريناها مع من كان منهم على استعداد ليفتح لنا باب الذاكرة المنتفخة بالاحداث والتجارب المؤلمة، تكونت لدينا مجموعة من الملاحظات والقواسم المشتركة ما بين هؤلاء »الشهداء الاحياء«، كما درج البعض على تسميتهم. فوراء كل ذلك التماسك والايمان تكمن نفوس متعبة: احباط، قلق على المستقبل، شعور بالاهمال، وعوارض جسمانية عدة لا تخفي جذورها النفسية. هي نفوس صلبة، لكنها ليست من الفولاذ، وخصوصا امام تجربة عنيفة كتجربة الاعتقال، والخضوع لشتى اساليب العنف والاذلال التي مارسها الاحتلال الاسرائيلي، ان بشكل مباشر، او عبر العملاء. من هنا، برزت الحاجة الى مداواة الجراح والامراض النفسية التي تمخضت عنها تجربة الاسر، تماما كما هي حاجة الاسرى الى علاجات من القرحة، و»الديسك«، وامراض القلب والشرايين، وسائر انواع الامراض المزمنة التي خلفتها ظروف العيش داخل المعتقل، والتي تحاول الدولة ابراء ذمتها اتجاه اصحابها من خلال التكفل بطبابتهم وان حرم قدامى الاسرى المحررين (من خرج منهم قبل العام 1993) من منافع سلوك »اراحة الضمير« ذاك. واذ يقوم مجلس الجنوب من جهة، ومؤسسة عامل بمساعدة منظمة »اطباء العالم« من جهة اخرى، ببعض الخدمات على صعيد اعادة التأهيل النفسي والاجتماعي للاسرى المحررين، كان لا بد من تسليط الضوء على هذا الجانب من مشاكلهم، والذي لا ينفصل عن مشكلتهم الكبرى: مصيرهم المجهول. الى جانب لافتة مربعة كبيرة كتب عليها: »نادي الخيام«، علقت لافتة اكبر يستدل بها الزائر على وصوله الى »مركز الرعاية الصحية والنفسية والعلاج الفيزيائي بالخيام«. واول ما يخطر في البال لدى دخول المبنى هو ان عملية اعادة التأهيل الاولى التي اجريت في ذلك المكان كانت للمكان نفسه، اذ انقلب من مبنى استخدمه قبل التحرير عناصر ميليشيا »لحد« كناد ومركز اذاعي، الى مركز يؤمه الاهالي بحاجاتهم الصحية المختلفة. وبالرغم من ان المركز انشئ لخدمة الاسرى المحررين بشكل اساسي، الا ان هذه الفئة بالذات من اهالي الخيام والقرى المجاورة لا تأتي الى المركز، بل تذهب خدمات المركز اليهم. فهل هو الحاجز النفسي بين معتقلين سابقين في الخيام، وبين مبنى كان يشغله »السجانون« وفي المنطقة نفسها؟ »ابدا، هذا غير وارد«، تقول الدكتورة الهام الحاج حسن (دكتوراة في علم النفس العيادي واستاذة في الجامعة اللبنانية). »لا يوجد اي حاجز نفسي، بل بالعكس. فالاسرى غالبا ما يودون العودة لزيارة المعتقل نفسه لانهم يدخلونه دخول المنتصرين، فيشعرون بانهم قهروا اعداءهم، وبأن وجودهم في مكان الاسر كزوار، هو دليل على ذلك«. ما زالت فكرة العلاج النفسي، او حتى الرعاية النفسية، تندرج بحكم الثقافة والمفاهيم السائدة عموما في خانة العجز والضعف، او ربما الجنون بمواصفاته الدرامية واستتباعه لمستشفى الامراض العقلية. لكن يبدو ان هذه المفاهيم تتضخم الى اضعاف اضعافها في ما يتعلق بالاسرى المحررين المتنازعين بين احساسهم بالبطولة وبين آلام معاناتهم داخل المعتقل وبعد خروجهم منه. وهذا ما جعل الاختصاصيين النفسيين يستدلون حتى الان على منازل حوالي مئة وعشرين واحدا منهم عبر مساعدين اجتماعيين في المناطق المجاورة للخيام (في مركبا، حولا، دير سريان، العديسة، وغيرها). وفي خلال الزيارات المنزلية يحاول الاختصاصيون النفسيون تعريف الاسرى المحررين على خدمات الرعاية النفسية للمركز ضمن مختلف الخدمات الصحية الاخرى، وذلك تجنبا للصد الكلي. »سرعان ما لمسنا حاجة الاسرى المحررين الى الكلام والتنفيس عما بداخلهم طالما اننا لا نأتي على ذكر كلمة العلاج النفسي«، تقول روبينا طهمزيان (دبلوم دراسات عليا متخصصة في علم النفس العيادي) وهي تشارك الحاج حسن مسؤولياتها عن قسم الرعاية النفسية بالمركز بصفتها من منظمة »اطباء العالم«. و»الدليل على ذلك هو انهم غالبا ما يفتحون قلوبهم امام كل من يكترث لامرهم بما يكفي لسؤالهم عن احوالهم، ومن دون ان يتوجسوا من دوافعه. اما مهمتنا في الوقت الحاضر فهي الاستماع اليهم، ولكن من دون اصدار اية احكام (Compassionate Listening) وذلك كخطوة اولى«. اما اطباء مجلس الجنوب، فتختلف طريقة عملهم في هذا المجال، اذ يتولى الطبيب المعاين للاسرى مهمة تحويلهم الى طبيب نفسي متعاقد مع المجلس في حال رأى ضرورة لذلك. لكن، وبالرغم من حاجة غالبية الاسرى المحررين الى مثل هذه الرعاية النفسية، لا يمكن لطبيب المجلس اجبارهم على الذهاب اذا لم يريدوا هم ذلك. يقول الدكتور جمال حافظ (اختصاصي بالامراض النفسية والعقلية والعلاج النفسي) والذي عاين اكثر من مئة حالة حتى الان انه »يهتم بعلاج الحالات المرضية، وليس بإعادة تأهيل الاسرى المحررين لان هذا امر يتطلب توافر مركز بنظام كامل متكامل، يعمل فيه اختصاصيون عدة على استعادة الاسير المحرر لامنه النفسي، ولمهاراته الاجتماعية والمهنية، ويجب ان يقابل ذلك دعم الدولة من خلال استكمال انخراط هؤلاء في المجتمع عن طريق توظيفهم مثلا«. ويضرب حافظ المثل بالرهائن الاميركيين في لبنان، والذين ما لبثوا ان ترجلوا من الطائرة التي استعادتهم حتى اخذوا الى احدى القواعد الاميركية في فرانكفورت، حيث امضوا ما لا يقل عن ستة او سبعة اشهر لم يروا فيها اهلهم الا نادرا. »تكون اعادة التأهيل في اماكن هادئة ومعزولة، وليس بعد مرور زمن على التحرر من الاسر. اما الحالات النفسية التي نتعاطى معها على شكل زيارات اسبوعية، فالعامل الاقتصادي هو احد اسبابها الرئيسية. اذ يأتي الاسرى، ويبدأون بعرض مشاكلهم، عوضا عن الكلام عن تجربتهم، فيطلبون المساعدة لقبض تعويضاتهم، او »واسطة« تؤمن لهم عملا ثابتا. وفي هذا ما يحير لان امورهم كانت من الممكن ان تحل بجرة قلم من المسؤولين اذا قرروا مساواتهم بالجيش مثلا، لكن لا اعرف لماذا يحصل ما يحصل«. ويشرح حافظ كيف اضطر مرة الى »لفت نظر« قيادة عليا في احد التنظيمات التي انتمى اليها اسير محرر (لقّبه بالقنبلة الموقوتة) لضرورة مساعدته ماديا، والا نفذ وعيده »الجدي جدا« بتفجير نفسه في مراكز هامة في البلاد. »ولا يمكن تصور التحسن الذي طرأ على الحالة النفسية للرجل بعدما تلقى المساعدة اللازمة«. يصنف حافظ ابرز الحالات النفسية الخاصة بالاسرى المحررين كالتالي: القلق الشامل (وهو الشعور بالخطر لكن مجهول المصدر)، وهو نابع من الترهيب الجسدي والنفسي اليومي للمعتقل الذي يفقد اخيرا امنه النفسي، بعد ان يبذل جهدا كبيرا للحفاظ عليه في خلال ايام الاعتقال الاولى. حالة الهلع: وهو الشعور بالقلق الزائد المرفق بحالة خوف حادة، وهذه الحالة تولد نوعا من عدم الاستقرار النفسي. حالة الاكتئاب: وهي الحالة المرضية التي يعاني منها مجمل المعتقلين خصوصا بعد الافراج عنهم، نظرا للصدمة التي يتلقونها اثر انخراطهم في المجتمع (القديم الجديد). وتتمثل هذه الحالة بالقلق، فقدان الرغبة في ملذات الحياة على انواعها، قلة الشهية بشكل عام (طعام، علاقة جنسية، الخ..)، الارق مع اضطراب في النوم، والحذر المبالغ به من الاخرين. ويشير حافظ الى تفاوت ظهور تلك الحالات على الاسرى المحررين، بحسب ظروف المعتقل، وتكوين البنى التحتية لنفسية الفرد. اذ قد يتعافى البعض بعد فترة وجيزة من العلاج النفسي والعقاقيري، فيما لا يكون العلاج نهائيا بالنسبة الى البعض الاخر. »فالأكثرية ما زالت تعاني من هذه الاضطرابات حتى الان، وبعد مرور سنة او اكثر على العلاج«. ربما يكون الشبح المسيطر على حياة الاسرى المحررين، فيزيد حالتهم النفسية سوءا، هو الخوف من المستقبل، اي بعد نفاذ منحة التحرير والراتب السنوي، في بلد تتزايد فيه معدلات البطالة، ولا مكان فيه لأناس تتفاوت قدرتهم على التركيز والتذكر، ولا تعينهم اجسادهم على اداء الاعمال الشاقة جسمانيا. لكن، وبحسب المقابلات التي اجرتها معهم طهمزيان، يبرز تعطش الاسرى السابقين الى قصاص »عادل« للعملاء كأحد الاسباب الهامة لقلقهم، واحباطهم، وفقدانهم الثقة في كل من حولهم. »معظمهم يقول انهم اذا شعروا بأن العدالة تأخذ مجراها مع العملاء، فإنهم سيرتاحون كثيرا. وهم غالبا ما يربطون بين رؤيتهم لعميل سابق حرا طليقا، في الشارع مثلا، وبين افكارهم السوداوية عن الحياة التي يعيشونها بلا مبالاة«، تقول طهمزيان، فيما تؤكد الحاج حسن وجود حالة من »انعدام القدرة على استجلاب اسقاطات من الماضي، لانه مؤلم، في حين ان المستقبل مظلم، ما يجعلهم اسرى الحاضر، واسرى اللحظة التي يعيشونها، وهذا ما يؤجج اضطراباتهم النفسية«. »كان احد الاسرى المحررين الذين تعاطيت معهم يستعيد »الفيلم« الذي عاشه في الاعتقال بشكل متكرر، فيتوتر فجأة، وينشف ريقه، ويعرق«، يقول حافظ. »اعتقل ذلك الشخص لسبع سنوات، ومورست عليه شتى انواع التعذيب لكنه لم يعترف الا بأشياء مر عليها الزمن، وليس بالمعلومات الهامة التي غذى بها المقاومة قبل اعتقاله. فقد كان قويا بهذا المعنى، لكنه خرج فاقدا حبه لنفسه، ولابنه، ولكل ما في الحياة. فإذا عرضت عليه مالا... يقول وماذا افعل به؟ سيارة.. والى اين اذهب بها؟ اسافر.. وماذا سأفعل في الخارج؟ وهكذا«. لم يستعد ذلك الرجل، بحسب حافظ، ايجابيته الكاملة من العلاج، لكنه استعاد مثلا رغبته الجنسية، وهي احد الاشياء التي يصعب على الرجال من الاسرى المحررين البوح بها لزائراتهم من الاختصاصيات النفسيات العاملات في مركز الخيام. اما النساء الاسيرات، فيبدين استعدادا اكبر للتجاوب، وهو تجاوب لم يزد حتى الان، وبحسب المسؤولتين عن المركز، على اختفاء بعض العوارض ذات الجذور النفسية مثل ضيق النفس، الشعور بالاختناق، وتسارع دقات القلب. لكن الاسرى من الجنسين، والذين يتمتعون »بحصانة« دينية، يصرون على ان ايمانهم واداءهم للطقوس الدينية بانتظام يجعلهم لا يشكون من شيء بتاتا، لا سيما على الصعيد النفسي. »الحق ان هذا الشعور بالانتماء الديني السياسي قد يكون مفيدا، كما الانتماء الحزبي وغيره، خصوصا حين يترافق ذلك مع الدعم المادي والمعنوي للاسير المحرر من قبل الحزب او التنظيم المعني بامره« تشرح الحاج حسن. اما طهمزيان فترى ان من كان من الاسرى المحررين قادرا على اعطاء المعنى او الدلالة لتجربته فهو افضل حالا من الناحية النفسية، بعكس من لا يستطيع ذلك في قرارة نفسه. تضيف »ربما يمكن ان يعطوا معنى وطنيا لصمودهم في المعتقل، لكن كيف يعطون معنى لكونهم عذبوا على ايدي ابناء قراهم؟ ولما لا يعتبرونه محاكمات عادلة للعملاء؟ ولتقصير الدولة اتجاههم؟«.