بدأ مهرجان كان بأجمل ما كان متوقعا. كان فيلم الافتتاح »الطاحونة الحمراء« تحفة سينمائية، ورقص المدرج الأحمر الشهير بموسيقى الفيلم الاستعراضي وبالحضور اللافت جدا للنجمة الفاتنة إغراء وتمثيلا نيكول كيدمان. ولعل حضور الاستوديوهات الاميركية الكبيرة الى هذه الدورة سيجعلها فعلا من أكثر الدورات جذبا وربحا ماليا. لقد أبدع المخرج الاسترالي باز لورمان في اللعب بهذا الفيلم على تناقض الضوء واللون وتقاطع المتخيل بالواقعي فاخترع »باريسه« الخاصة، ناقلا ببراعة قصة علبة الليل الباريسية تلك التي منها اقتبس عنوان الفيلم »مولان روج«، فعادت الينا العاصمة الفرنسية بشيء من حلة مطلع القرن الماضي وكثير من خيال المخرج، عادت باريس الجامعة كل التناقضات من بوهيميين وبورجوازيين والمتفلتة من عقال التزمت صوب كل فرح واغراء ومتعة، باريس الجميلة من على سطوحها المصفحة بالاسفلت الأسود المناقض لحمرة سهراتها، وشوارعها المؤدية الى أعالي »مونمارتر« حيث المولان روج، (أو »الطاحونة الحمراء«). وفي ذاك الديكور الضخم، يسير لورمان على خطى فيلليني حيث كل شيء خاضع للخيال سوى الحب الذي يجمع بين كاتب الصدفة »تولوز« (يلعب دوره اوان ماك غريغور) والراقصة الفاتنة في علبة الليل ساتين (نيكول كيدمان). قصة تخضع لمفهوم الحب الكلاسيكي حيث الحب الصاخب والعميق يصطدم بالممنوعات بعد أن يقع ممول المولان روج الدوق البورجوازي الفرنسي بحب الراقصة فيبتز صاحب الملهى بالمال. لكن لورمان يخرجها من كلاسيكيتها عبر المزج الذكي لا بل المميز جدا بين الخيال والواقع. ولأن الفيلم هو من نوع الاستعراض الغنائي (كوميدي موزيكال)، فإن لورمان يتحفنا بخليط من الموسيقى والغناء الذي لا رابط فيه سوى جنون المخرج وعبقريته، فننتقل من فرقة بوليس الى مادونا فمارلين مونرو وآلتون جون عبر تحوير الكلمات لتتلاءم مع القصة البوهيمية التي تشبه أبطال علبة الليل. العنف والإغراء واحد وهكذا ننتقل بين لحظة وأخرى وبلعبة الكاميرا ومؤثرات الاخراج والمونتاج من مشهد البورجوازي وهو يحاول اغتصاب ساتين بعد أن رفضت عرضه بفعل الحب لعشيقها، الى مشهد رقص التانغو حيث العنف والجسد والاغراء والعنفوان واحد. صحيح أن قصصا كثيرة وضعت حول الملهى الليلي الشهير، لكن لورمان (39 عاما) قدم في أول أيام المهرجان تحفة فنية وسينمائية وغنائية ستبقى طويلا في ذاكرة جمهور »كان« وتعد بالكثير لجهة جوائز هذه الدورة، فالفيلم وعلى خلاف الكثير من الافلام التي تعرض عادة يوم الافتتاح مشارك في المسابقة الرسمية، وهو لا شك مرشح لجوائز الديكور والاخراج وافضل ممثلة.. على الأقل. ولورمان لم يكن معروفا كثيرا في السابق، فقد تم تسليط الضوء عليه عام 1992 في كان حيث حصل على جائزة الشباب عن فيلمه »بالروم دانسينغ«، والمقتبس عن أوبرا »سترايكلي بالروم«، واخرج بعده عام 1997 فيلم روميو وجولييت. ومنذ بعد ظهر أمس كان جمهور »كان« حول المدرج الأحمر لقصر المؤتمرات ينتظر بفارغ الصبر قدوم »نجمة« المهرجان الاسترالية الأصل نيكول كيدمان التي قد تكون في هذا الفيلم لعبت حتى الآن أفضل أدوارها وأبرزت أجمل ما فيها روحا وجسدا، وقد ساعد الطقس أيضا في جعل يوم الافتتاح مميزا بكل شيء. كما أن منظمي المهرجان حرصوا على بناء علبة ليل مؤقتة قرب قصر المؤتمرات تشبه الى حد بعيد »الطاحونة الحمراء« وامامها الفيل الكبير المقتبس عن فيلة الهند، وفيه أقيمت في الليل السهرة الصاخبة احتفالا بالفيلم ومخرجه وأبطاله. وقد يساهم اشتراك هوليوود واستوديوهات دريمووركس وفوكس في تشجيع عدد من النجوم الاميركيين للحضور سيما وان المهرجان كان عانى في بعض السنوات السابقة من قلة الحضور الاميركي، وقد استعدت الفنادق الفخمة بشكل جيد لمثل هذا الحضور. ويصل ثمن بعض الأجنحة الى ما يقارب 50 ألف فرنك فرنسي (حوالى 8 آلاف دولار).