من حقنا أن نعبر عن الاستياء والغضب ازاء تجاهل بابا الفاتيكان الاعتذار للمسلمين عن الفظائع التي ارتكبها الصليبيون بحقهم، اثناء الزيارة التي قام بها هذا الاسبوع لدمشق، ليس فقط لان موكبه في بلاد الشام نكأ جراحا في الذاكرة العربية والاسلامية لم تندمل بعد، ولكن ايضا لانه قبل يوم واحد من قدومه الينا كان قد اعتذر للارثوذوكس في اثينا، وفي العام الماضي اعتذر لليهود. اما المسلمون والعرب فقد ضن عليهم بكلمة اعتذار واحدة. (1) لا أتصور ان ذلك كله كان من قبيل السهو والمصادفة، وأعجز عن أجد له تبريرا يفترض حسن النية، مع ذلك فسأترك السؤال عن الدوافع معلقا حتى نعثر على جواب مقنع له وسنحاول ان نسترجع الحقائق حتى نضع المشهد في اطاره الصحيح. الكل يذكر في الاغلب ما حدث في شهر مارس من العام الماضي، حين دعا البابا في خطبة قداس الاحد 21/3 الى الاعتراف بالخطايا التي ارتكبت ضد اليهود من بني اسرائيل. كما دعا الى الاعتراف بالخطايا الاخري التي ارتكبها اتباع الكنسية، وكانت ضد الحرب والسلام وحقوق الناس واحترام التقاليد الدينية والثقافات الاخرى. وفي خطبته اعلن البابا الكاثوليكي عن الندم لوقوع تلك الاخطاء والذنوب، وعن الامل في المغفرة والصفح. بعد طلب الصفح الذي اعلنه البابا، وفي وقت متزامن مع خطابه، اصدر كرادلة الفاتيكان وثيقة ظلوا يعدونها طيلة ست سنوات، وقصدوا ان تعلن مع بداية الالفية الثالثة، كان عنوانها »الذاكرة والمصالحة الكنيسة واخطاء الماضي« في ذلك الاعلان ذكرت الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في اربعة اسطر فقط، بينما خصص فصل كامل لموضوع »المسيحيين واليهود« والاسطر الاربعة التي تعنينا وردت في جزء من الوثيقة تحت عنوان: اسئلة مثارة. وفيها تساءل كرادلة الفاتيكان قائلين: هل على ضمير ووجدان اليوم ان يعاني في الشعور بالذنب، ازاء وقوع حوادث تاريخية واستثنائية ومعزولة، مثل الحروب الصليبية او محاكم التفتيش ؟ اليس من السهل ان تحاكم تجارب وممارسات الماضي بضمير اليوم ؟. التساؤل لم يكن استفهاميا، ولكنه كان استنكاريا حيث يفهم من السياق ان الذين صاغوه ارادوا ان يقولوا: هل يعقل ان نستشعر الذنب الان بسبب الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش، وهي التي كانت ظواهر استثنائية ومعزولة؟. (2) حين اعلن الفاتيكان عن الجولة الاخيرة للبابا ( وهي الرحلة رقم 39 التي يقوم بها ) وقيل انه سيمضي فيها على خطى القديس بولس، مبتدئا باليونان، ومارا بسوريا، ثم منتهيا بزيارة جزيرة مالطة، كان الصدى في اثينا متحفظا. ذلك ان اليونان التي تعد احد معاقل الارثوذوكسية لم تخف مرارتها ازاء قيادة الكنيسة الكاثوليكية. فأصدر رئيسها المطران كريستودولوس بيانا صحفيا رحب فيه بالبابا، لكنه طالبه باتخاذ مجموعة من الخطوات الضرورية اذا ما اراد ان يستقبل في اثينا، واشترط عليه ان يعبر عن اعتذاره وتوبته كرئيس للكنيسة الكاثوليكية، عما وصفه بالعداء الذي ابدته تجاه الكنيسة الارثوذوكسية على مر العصور، منذ عهد الامبراطورية البيزنطية وحتى الان. اعتبرت المراجع الكاثوليكية هذا المطلب تحديا هو الاول من نوعه الذي يصادفه الفاتيكان. غير ان مصادر الكنيسة الارثوذكسية اليونانية ذكرت ان باباوات روما والكنيسة الكاثوليكية كانوا السبب وراء سقوط الدولة البيزنطية وقيام الامبراطورية العثمانية على انقاضها. ويذهب اليونانيون في اتهاماتهم الى حد اعتبار ان الحروب الصليبية التي قادها الباباوات الكاثوليك لم تكن تستهدف احتلال فلسطين والاماكن المسيحية المقدسة فيها بقدر ما كانت حملة للقضاء على الكنيسة الارثوذكسية واخضاعها لسلطة البابا الكاثوليكية في روما. ويعتبر اليونانيون ان احتلال الصليبيين لاجزاء واسعة من الامبراطورية البيزنطية عام 4021 وبقاء الاحتلال الصليبي فيها لمدة 75 عاما اضعف الدولة البيزنطية كثيرا وانهكها لدرجة جعلتها غير قادرة حتى بعد زوال الاحتلال الصليبي على استرداد عافيتها، مما هيأ بالتالي سقوطها بيد الزحف العثماني في عام 3541 ميلادية. يوم السبت الماضي 5/5 نقلت وكالات الانباء من العاصمة اليونانية اثينا الخبر التالي: امام رئيس كنيسة الروم الارثوذوكس المطران كريستودولوس طلب الباب يوحنا بولس الثاني الصفح عن الكاثوليك الذين ارتكبوا خطيئة في حق الارثوذوكس واعلن البابا انه عن كل المرات السابقة والراهنة التي اخطأ فيها ابناء وبنات الكنيسة الكاثوليكية عملا او امتناعا تجاه اخوتهم واخوانهم الارثوذكس ليمنحنا الله الصفح الذي نطلبه منه. واثار البابا موضوع عملية النهب المؤسفة لمدينة القسطنطينية الامبراطورية التي كانت قلعة المسيحية في الشرق خلال الحملات الصليبية في عام 4021 لافتا الى ان المسيحيين الغربيين قد اسهموا بذلك مما يجعل الكاثوليك يشعرون بندم كبير. واعلن البابا طلب الصفح التاريخي هذا، بعد أن عقد لقاء مطولا مع كريستودولوس في مطرانية اثينا الارثوذوكسية. لقد اعتذر البابا عما فعله الكاثوليك بالقسطنطينية وغيرها من اراضي الدولة البيزنطية وبقائهم فيها مدة 75 سنة. وسكت عما فعلوه بالمسلمين وبلادهم على مدى مائتي سنة وشتان بين ما ارتكبوه بحق البيزنطيين وبين ما انزلوه بحق المسلمين، الامر الذي يدفعنا الى طرح السؤال الكبير: لماذا ؟ (3) هذه قصة اخرى ربما القت بعض الضوء على الاجابة. في أواخر عام 19 عقد في تونس مؤتمر عالمي للدراسات الموريسيكية لمناسبة الذكري الخمسمائة لسقوط غرناطة (2941 - 2991 ) والموريسيكيون للعلم هم مسلمو الاندلس الذين اجبروا على التنصر ومن بقي على دينه منهم قدم الى محاكم التفتيش ثم اجبر الجميع على الرحيل وطرودا خارج البلاد بعد ذلك وطردهم اليهود الذين كانوا يتمتعون برعاية الدولة الاسلامية، لأن الاسبان ارادوا بلادهم كاثوليكية خالصة. اثناء عقد المؤتمر كان قد عرف ان الملك الاسباني خوان كارلوس سيلقي خطابا في 13/2/29 لاعلان الاعتذار رسميا عن قانون الطرد، الذي كان المسلمون واليهود ضحاياه، واصدر قانون ذو دلالة رمزية يلغي قانون الطرد. آنذاك في 2/21/19 وجه اعضاء المؤتمر الى الملك الاسباني نداء طالبوا فيه الملك بالتفضل بتبني موقف في شكل اعتذار ادبي يوجه الى العالمين العربي والاسلامي، عما حصل للموريسيكيين الاندلسيين. كيف جاء الرد من مدريد ؟ في 13 مارس 29، نقلت محطة تلفزيون السي. ان. ان ووكالات الانباء العالمية ان ملك اسبانيا زار اكبر المعاهد اليهودية في مدريد واضعا الطاقية اليهودية التقليدية فوق رأسه والقى هناك خطابا تضمن اعتذاره الشخصي لليهود عن طردهم التعسفي، وأعلن عن منح الجنسية الاسبانية الرمزية لليهود سفارايد الذين التجأوا بعد الطرد الى الدولة العثمانية. باعتبار ان الدولة الاسلامية كانت الوحيدة التي امنتهم ورحبت بهم. تجاهل الملك المسلمين وما جرى لهم ، وسكت الجميع في العالم العربي والاسلامي، ولم يصدر اي رد فعل من أية جهة معنية بأمر المسلمين. حدث تطور لاحق تحدث عنه مدير مركز الدراسات الموريسكية في تونس الدكتور عبد الجليل التميمي في مقالة نشرتها صحيفة الحياة اللندنية في 91/8/0002 اذ بحكم عمله قام الدكتور التميمي بزيارة لمدريد في شهر يونيو 29 والتقى هناك المدير العام لوزارة الخارجية. الذي اخبره بان لقاء سيعقد في مدينة الزهراء بقرطبة وسيلقي فيه الملك خوان كارلوس خطابا مهما يتحدث فيه عن تداعيات قانون الطرد، وسيتخذ فيه موقفا مماثلا لذلك الذي عبر عنه بشأن اليهود. فهم الدكتور التميمي ان الملك سيقدم في خطابه اعتذارا للمسلمين كما فعل بالنسبة لليهود، ومن ثم فانه تفاءل خيرا، ومضى يترقب اللقاء والخطاب في نوفمبر 29 القى الملك خطابه المنتظر، لكنه لم يشر بطلب الى مأساة الموريسيكيين والفظائع التي عانوا منها في ظل محاكم التفتيش التي تعد اشنع مأساة بشرية في عصر النهضة على الاطلاق. بالتالي لم يصدر عن الملك اعتذار، وتم تجاهل المسلمين مرة أخرى، كما التزم المسلمون الصمت ولم يصدر عنهم اي احتجاج، كما حدث في المرة السابقة. لم يكتف الاسبان بذلك، ولكنهم اعلنوا في شهر يوليو في العام الماضي انهم سوف يساهمون بمبلغ مليون ونصف المليون دولار في الصندوق العالمي لتعويض من بقي حيا من ضحايا النظام النازي في ألمانيا وقالت المصادر الاسبانية ان المبلغ سيوجه لتعويض احفاد اليهود الذين طردوا مع المسلمين من اسبانيا عام 2941م. لم يأت احد على ذكر المسلمين المطرودين من هناك بطبيعة الحال، الذين لا يزال احفادهم في المدن المغربية يحتفظون بمفاتيح بيوتهم التي تركوها في غرناطة وقرطبة وغيرهما. (4) في منتصف التسعينات كان قد عرف ان الفاتيكان قد اعد لجنة خاصة لدراسة اعلان الالفية الجديدة المتضمن لدعوة تطهير الذاكرة. فوجه الكاتب السوري جورج جبور الذي كان يعمل مستشارا صحفيا برئاسة الجمهورية، رسالة الى السفير البابوي في دمشق، ناشد فيها لجنة الفاتيكان ان تشير في اعلانها الى الاعتذار للعرب والمسلمين عن الفظائع التي ارتكبتها الحملات ضد العرب والمسلمين في القرن العاشر الميلادي، لكن الرسالة اهملت ولم يكن لها صدى يذكر. هذه المرة حين عرف ان البابا سيزور بلاد الشام التي أقام فيها الصليبيون اولى اماراتهم، ومنها انقضوا على بيت المقدس، سرت شائعات في دمشق مفادها ان الباب سيقدم اعتذارا عما جرى امام قبر صلاح الدين المدفون في دمشق باعتباره القائد المسلم الذي اصبح رمزا لتحرير القدس من هيمنة الصليبيين ولكن هذه الشائعات نفيت على الفور وصرح النائب البطريركي للروم الكاثوليك ايسيدور بطيخه صرح لمندوب جريدة الحياة عدد (5/5 ) في هذا الصدد قائلا ما نصه: ان فكرة الاعتذار عن الحروب الصليبية غير مطروحة على الاطلاق. وتساءل: من يعتذر لمن ؟ هل البابا صليبي؟ ان الصليبيين هم من الغرب وحاربوا الشرق وخربوا كنائسه ومساجده. ثم اضاف مستدركا أننا نعتذر عما حدث في تاريخ الكنيسة من اشياء مظلمة ومواقف خاطئة، فالانسان يخطئ، لكن هل الكنيسة وحدها اخطأت، أم ان الجميع اخطأوا. اننا اذا اردنا فتح باب الاعتذارات فلن يكون كاملا. لم يسأل أحد نائب البطريرك، لماذا اعتذر البابا لليونانيين الارثوذوكس عما فعله الصليبيون ولماذا التنصل من تلك الافعال حين تعلق الامر بالعرب والمسلمين ؟ سأتطوع انا بالاجابة على السؤال، زاعما ان التبرير الذي قاله نائب البطريرك يداري على الحقيقة ولا يعلنها. ذلك ان احدا لا ينكر ان الفاتيكان شأنه شأن اي مؤسسة عالمية لها نفوذها وجماهيرها العريضة يموج بتيارات عدة في داخله، ومراكز قوة تؤثر على صياغة المواقف وصناعة القرارت في داخله. ومن الثابت ان حظوظ العرب والمسلمين بين مراكز القوة في الفاتيكان بالغة التواضع، ومن ثم فلا تأثير يذكر لهم، في الوقت الذي نجح الاسرائيليون في اختراق اسوار الفاتيكان، مدعومين بالولايات المتحدة الاميركية ذات النفوذ الاكبر فيما وراء تلك الاسوار. وقد انعكس ذلك على الحصة التي كان على كل طرف ان يفوز بها. وفي مسالة الاعتذار فاز الاسرائيليون بما يريدون، وكانت حصة العرب والمسلمين صفرا كما رأيت. غير ان هناك اعتبارا أهم من الحظوظ، يتمثل في موقف الدول العربية والاسلامية ذاتها، ومدى حرصها على الدفاع عن الحقوق والذاكرة، وغيرتها على الاثنين. فقد وضعت البطريركية الارثوذوكسية في اليونان شروطا لاستقبال البابا واعلنت على الملأ تمسكها بالاعتذار والتوبة. واستجاب البابا لذلك، ونفذ لهم ما يريدون في اعلان اذاعه على الملأ كما يريدون. لكننا التزمنا الصمت وتجاهلنا طلب الاعتذار هذه المرة، تماما حين سكتنا عن توجيه ذات الطلب حين اعلن الفاتيكان عن تشكيل لجنة اعلان الالفية الجديدة وكما سكتنا على تصرفات الحكومة الاسبانية وازدرائها بنا. وازاء تقاعسنا على ذلك النحو، فلم يكن معقولا ان نطالب الفاتيكان بأن يكون اكثر غيرة على تاريخنا منا. لا تسال من أهان من، فابو الطيب المتنبي شاعر العرب الاكبر، أجاب عن السؤال من قديم حين قال في أحدى قصائده: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت ايلام ليس الحق على الفاتيكان، لكنه للاسباب التي لا تخفى عليكم سيظل معلقا في رقاب الطليان. ينشر بترتيب مع وكالة الاهرام للصحافة