As Safir Logo
المصدر:

المسيحية في بلاد الشام.. كنائس ومؤسسات وديارات المؤرخ الأب جوزيف حجار ل»السفير«: زيارة البابا لسوريا.. هي حجّ إلى الأصول

ضريح يوحنا المعمدان في المسجد الاموي في دمشق وبدا رجل دين مسلم يتلو القرآن الكريم (رويترز
المؤلف: حيدر زياد التاريخ: 2001-05-04 رقم العدد:8891

يعتبر الأب الدكتور جوزيف حجار من أهم المؤرخين في سوريا والمنطقة على حد سواء، وقد تعدت شهرة الأب حجار بحثه في التاريخ المسيحي لجهده الدؤوب في التاريخ العربي المعاصر وخصوصا السوري حيث للباحث مؤلفات كثيرة ومستفيضة في تفصيلاتها وشواهدها على مراحل كان لها الأثر الأبلغ على تاريخ هذه البلاد التي قسمت وسرقت وشرد أهاليها على مدى قرون من الزمان. وقد كتب حجار معظم أبحاثه بالفرنسية لأسباب لها علاقة بالمادة التوثيقية الأجنبية بالأصل ولنقل رؤيته العربية كما يقول إلى القارئ الفرنسي بعد عقود من التقصير في مخاطبته. ومن مؤلفات حجار: أوروبا والشرق الأوسط (محمد علي حاكم مصر نابليون الثالث بسمارك) سوريا وبلاد الشام تجزئة وطن، القدس ماضيها وحاضرها، التاريخ السياسي لسوريا المعاصرة، الحرب الكونية الأولى، المسيحيون الكاثوليك في الشرق الأوسط. في لقائنا مع المؤرخ المسيحي أجاب الباحث حجار على أسئلتنا حول التاريخ المسيحي في المنطقة والتي تعتبر مهدا لهذا الدين السماوي الذي انطلق منها الى العالم. وأكد حجار على عروبة المسيحيين في الشرق مستذكرا قبائلهم وشعراءهم وتواجدهم في الحملات الفتوحية للمسلمين في العالم إضافة الى العلاقات الاجتماعية التي صبغت علاقات أهل دين محمد مع أهل دين عيسى وهو الأمر الذي قاد حجار الى اعتبار زيارة البابا الى سوريا حجا الى الأصول حيث أصول الدين المسيحي وأصول البشارة المسيحية إلى العالم، ورغم ان الدين بدأ يتحول في نهاية القرن الثامن عشر الى وسيلة للتسلل الى عمق الدولة الاسلامية بحجة الحماية المسيحية وبغاية فرض هيمنة اقتصادية وسياسية على البلاد إلا أن حجار يؤكد ما كان للمسيحيين من دور في نهضة الأمة العربية وخروجها من الحياد بعد أربعة قرون من النسيان، ويثني حجار على التعايش المسيحي المسيحي، والمسيحي الاسلامي في المنطقة وخصوصا في سوريا متأسفا في الوقت نفسه لهجرة أبناء البلاد من مسلمين ومسيحيين الى الغرب بسبب الضيق الحياتي. { المسيحيون في الشرق هل هم عرب أم مستعربون؟ المسيحيون في الشرق هم عرب، أصلهم عربي، هكذا كانوا قبل الاسلام وهكذا هم أيضا اليوم. السكان عرب أما الحضارة فكانت رومانية من حيث السيطرة السياسية ويونانية من الناحية الثقافية. فمن حيث الحضارة السائدة في سوريا قبل الفتح الاسلامي كانت النخبة تنتمي الى الحضارة اليونانية (الهلنستية) وإلى الحضارة الرومانية سواء من اجل التجارة او من اجل المعاملات الحكومية القانونية. وطبعا ثمة ظروف كما الآن كانت تقتضي الكلام العربي في مراكز العرب التجارية كما في الكعبة وفي شعرهم فيما كانت الظروف تقتضي الكلام اليوناني في الكنيسة والكلام الروماني في قضايا الحقوق والإدارة المحلية. ولا ننسى تاريخ دولة الأنباط في بصرى والبتراء التي حكمت لقرون عديدة في بلاد الشام الجنوبية. وقد كتب العالم الكبير الأب شيخو التاريخ الأدبي للعرب المسيحيين وكان قد أحصى عددا كبيرا من القبائل العربية في سوريا الداخلية في الجزيرة العربية شمالا وجنوبا فوصل إلى ما يربو على خمسين من القبائل المعروفة من أمهاتها. ومن القبائل العربية الكبيرة التي اعتنقت المسيحية بنو قفطان وبنو تغلب وبنو كلب وطي وبنو النمر وبنو قفاعة وبنو تنوخ، كما ان اشهر شعراء الجاهلية كانوا من المسيحيين العرب ونذكر منهم النابغة الذبياني والأعشى. { ماذا كان شكل الوجود المسيحي في سوريا قبل الإسلام؟ ترجع المسيحية العربية الى بدء البشارة المسيحية، إلى يوم العنصرة اي بعد خمسين يوما من قيامة السيد المسيح وصعوده الى أبيه. ففي يوم العنصرة كان هناك بين الذين سمعوا الرسل الحواريون يتكلمون بلغات من العرب ولما جاء شاؤول الى دمشق ليواجه المسيحيين اهتدى الى الديانة على مقربة من المدينة ووجد جماعة مسيحية في المدينة على رأسها حنانيا الذي اعتمد على يده ومكث في المدينة ثلاث سنوات قبل رجوعه الى أورشليم أما المدينة فكان يحكمها العرب الأنباط تحت سيادة الرومان. إذاً بدأت المسيحية العربية في دمشق منذ بدء دعوة الرسل الى التعاليم الانجيلية او بشارة الخلاص وقد أعطى بولس الرسول ايضاحات كثيرة عن وجوده في دمشق وسوريا وإنطاكيا عاصمة سوريا آنذاك في رسالة الى اهل غلاطية وكورنيش كما جاء أيضا في أعمال الرسل الملحقة بالأناجيل المقدسة. وتنظيم المسيحية في سوريا بدأ منذ أوائل القرن الأول من حياة القديس إغناطيوس »أسقف البلاد السورية« ومركزه في إنطاكيا كما أنه في القرنين الثاني والثالث للميلاد هناك معلومات كثيرة واضحة عن التنظيم الكنسي في سوريا ولا سيما في المناطق النامية لحوران وبصرى ولبلاد ما بين شرقي الأردن وبتراء حيث وجدت جماعات كبيرة في تلك المناطق تابعة لتنظيم دقيق مع أساقفة وحياة ثقافية ودينية بدأت تفكر وتبحث في القضايا التي تهم العقائد والممارسات المسيحية. البشارة المسيحية { كيف بدأ التبشير المسيحي ومن أين؟ لا نتكلم عن التبشير وإنما عن البشارة المسيحية، إن هناك فرقا كبيرا بين البشارة والتبشير إذاً كلمة تبشير تذكرنا بما قام به أبناء الدول الاوروبية والاميركية الذين أتوا لبلادنا كي يعرضوا شعائرهم تحت حماية دولهم على السكان مسيحيين او مسلمين. أما البشارة المسيحية فهي التي قام بها الرسل والرهبان للهداية الانجيلية. بدأت البشارة المسيحية في سوريا ولا سيما في عاصمتها انطاكيا حيث قام بولص الرسول ومعاونوه برحلات عديدة في مختلف المناطق الشرقية والغربية حيث أنشأوا كنائس نعرف عنها من الرسائل التي بعث فيها بولس الى المؤمنين كما نعرف عنها من المؤرخين الثقة أمثال يوزبيوس وهو من المصادر الرئيسية في معرفتنا لانتشار المسيحية في القرون الاولى للميلاد. { كيف بدأت الانقسامات المسيحية؟ يجب أن نعرف ان الديانة المسيحية قائمة على معرفة شخصية السيد المسيح وإلى تعاليمه السامية وهي ليست دين فطرة يعيه العقل البشري حسب المبادئ العقلية أو المنطقية وانما هي تعتمد على السيد المسيح الذي قال وأثبت بعجائبه أنه ابن الله وصورته وليس رسوله فقط أو أحد الانبياء فكيف والحالة هنا تتم بشراكة الطبيعة الإلهية مع الطبيعة البشرية في شخصية واحدة. وقد حاول الفكر البشري الاحاطة بهذه المعادلة إن صح القول أي في فهم وشرح عوامل هذا السر فنشأت هناك على مختلف الأصعدة وفي مختلف الاتجاهات والمدارس والهيئات الفكرية وكانت انقسامات عميقة لم تستطع الادارة او الرئاسة الدينية حتى عبر المجامع المحلية والمسكونية ايقافها. وكانت سوريا احدى المناطق التي نشأت فيها هذه الانقسامات نظرا للعبقرية الفكرية التي يتمتع بها سكانها ونخبة مفكريها ورهبانها. إن المؤرخ يتلمس هذه الظاهرة منذ القرن الثالث الميلادي قبل ان تصبح المسيحية معترفا بها من قبل الاباطرة الرومان منذ العام 312 حيث نشأت في المناطق العربية بصرى وحوران وفي العاصمة انطاكية وبين معلمي مدرستها الشهيرة بذور الانقسامات الفكرية حول »الذاتية« في سر المسيح الإله والانسان معا. أهم هذه الانقسامات العقائدية وما تبعها من أنظمة وممارسات في القوانين والعبادات والشعائر والرموز 1 كنيسة النساطرة التي تقول ان في المسيح الشخصية تابعة للطبيعة الإلهية والبشرية. 2 كنيسة اليعاقبة التي تقول ان في المسيح طبيعة واحدة كما هناك شخصية واحدة. 3 البدعة التي تقول ان المسيح اصلا بشر ثم رفع الى منزلة الإله. 4 البدعة التي تزعم ان للمسيح ارادة واحدة رغم الطبيعتين. أما العقيدة الكاثوليكية والملكية شرقا وغربا فتقول ان المسيح يتكون من طبيعتين إلهية وبشرية في شخصية واحدة. ولذلك فأنا أعتبر زيارة البابا زيارة الى الاصول، الى نبوع المسيحية. فدمشق بمثابة أورشليم بل أهم لأن بولس الرسول ظل ثلاث سنوات في دمشق حيث »اهتدى الى المسيحية وعرف سر الله بعيدا عن الله« كما يقول هو وبالتالي فإن دمشق هي ثاني مدينة مسيحية في العالم. والبابا يأتي كحاج الى هذه البلاد وهذه بلاد قداسة كبقية فلسطين وعلى كل فلسطين هي داخل سوريا وقديما كانوا يقولون سوريا هي البلاد المقدسة وفيها فلسطين. { هل للانقسامات المسيحية خلفيات سياسية برأيك؟ علينا أن نميز بين الحاضر والماضي الذي نحن بصدده لئلا نفهم الماضي حسب عقليتنا اليوم أو حسب ما طرأ في القرون الاخيرة من قيام الاصلاح البروتستانتي في القرون الوسطى ولا سيما في القرن السادس عشر. اما في الماضي فإني أرى أن الاساس الديني أو العقائدي كان العامل الرئيسي إن لم أقل الأوحد. والدليل على ذلك أن ما بين القرنين السادس والسابع المسيحيين ولما اشتد الخلاف السياسي والعسكري معا ما بين الامبراطوريتين البيزنطية والفارسية بقي المسيحيون من كلا الطرفين على الامانة الدينية والسياسية. أي أن اليعاقبة والاقباط في سوريا ومصر تحت حكم الدولة البيزنطية المغلوب على امرها العسكري رغم المضايقات والاضطهاد الديني لم ينحرفوا الى جهة الدولة المنتصرة بعكس ما فعله اليهود في فلسطين حين ساعدوا الجيوش الفارسية على الانتصار على حكومتهم البيزنطية التي كانوا يعيشون في كنفها. { كيف تعامل المسلمون مع الوجود المسيحي في بلاد الشام؟ يعرف الجميع أن الجيوش المسلمة العربية دخلت بلاد الشام سلما لا عنوة كما كان الأمر في بلاد فارس. أعني أن الفتح للمدن الكبيرة حصل بالمفاوضات مع أهلها وحسب عهود نعرف فحواها. ونعرف أيضا أن القبائل العربية المسيحية كانت تقطن في بلاد الشام أو في معظم أريافها ونعرف أن هذه القبائل ساعدت الجيوش والقبائل المسلمة في الفتوحات والانتصار على الدولة البيزنطية التي كانت ترهقهم بالضرائب وبشتى وسائل المعاملات الادارية الاعتباطية. ونحن نعرف أنه كانت بين القبائل العربية المسيحية والمسلمة عرى كثيرة من حيث الزواج والمصاهرة والعلاقات الاخرى الكثيرة الاجتماعية والتجارية. ويكفي أن نعطي بعض الأمثلة القيّمة الذكرى. إن الأسرى المسيحيين العرب عند الفتوحات أعطوا أولا للأنصار ولكن عمر بن الخطاب اختار أحد الاعوان وهو موسى الأشعري كاتبا له وان الخليفة عثمان بن عفان كان متزوجا من امرأة من احدى القبائل العربية المسيحية وهي نالا من قبيلة بني كلب وانه كان صديقا مخلصا لأحد ندمائه الشاعر العربي المسيحي أبو زبيد ولم يكن يتخلى عن الاجتماع به وهو يسكن بالقرب منه، أما معاوية مؤسس الأسرة الاموية في دمشق فإن امرأته الفضلة كانت ايضا عربية مسيحية وهي تدعى ميسون المعروفة بشعرها، أما طبيبه الخاص فهو أيضا عربي مسيحي اسمه ابن عطال، بينما سرجون بن منصور وهو من العرب المسيحيين الملكيين أبناء دمشق فقد كان وزيرا للمال، وعهد ابن معاوية يزيد المهمة ذاتها لأحد أبناء أسرة منصور لعله كان يوحنا الدمشقي الذي ترهب بعد ذلك، كما كان أيضا طبيبه الخاص مسيحيا عربيا يدعى أبو الحكم الذي رافقه خلال الحج الى مكة المكرمة وعين أحد الرهبان المسيحيين لتربية ابنه خالد. ونحن نعرف أيضا مكانة الشاعر العربي المسيحي الأخطل كأكبر شعراء العرب حينها. وهناك أمثلة كثيرة نستطيع أن نوردها في هذا المضمار عن الشعراء والاطباء والخلفاء العرب المسيحيين لدى الخلفاء الامويين والعباسيين ومن بعدهم. أما العهود التي أبرمت بين الفاتحين والمدن السورية من دمشق وبعلبك وحمص وحلب فإن المؤرخين العرب المسلمين (مثل الطبري) والمسيحيين (مثل أفيثخوس الملقب بسعيد ابن البطريق) فإنهم قد حافظوا على بعض النماذج التي أوضحت مأمن السكان المسيحيين من أموالهم وعيالهم وكنائسهم وشريعتهم وأنظمتهم. { هناك قصة تتعلق بالجامع الأموي هنا؟ عندما دخل العرب الى مدينة دمشق حافظوا على كنائسها وكان عددها خمس عشرة كنيسة داخل أسوارها ومثلها خارجها أيضا ولكن بعد ذلك بخمسين عاما عندما جاء خالد بن مروان كان أكثرية الناس من المسلمين فكان عليه أن يقيم لهم معابدهم، وأول ما قام به هو أن طلب كنيسة يوحنا التي كانت للمسيحيين فرفضوا أول مرة وثاني مرة فقام بعدها بهدم الكنيسة وقام ببناء جامع يضاهي كنائس المسيحيين في سورية جميعها مثل قبة الصخرة في القدس التي تضاهي بحجمها كنيسة القيامة. المسيحيون والصليبيون { واقع المسيحيين اختلف بعد مجيء الصليبيين أليس كذلك؟ على خلاف ما يقال عادة فإن الحملات الصليبية جاءت أولاً بدعوة من الأباطرة الرومان البيزنطيين لمساعدتهم على محاربة السلجوقيين الذين كانوا يجتاحون البلاد (التركية الحالية) وقد لبى البابا هذه الدعوة وأعطوها الطابع الديني وهو ذريعة لها خلفيتها الاجتماعية والاقتصادية. فلما جاء الصليبيون الى هذه البلاد البيزنطية أولاً ثم الى بلاد الشام ابتداءً من انطاكيا وجدوها خالية فمن يدافع عنها فأخذوها وتابعوا مسيرتهم الى القدس ودحروا الجميع وانشأوا ممالك لهم وإمارات. أما من الناحية الدينية فإنهم ايضا استولوا على الكنائس والاديرة والاوقاف الشرقية في بطريركية انطاكيا وأورشليم وعينوا بطاركة فرنجيين لهم واساقفة عوضا عن البطاركة والاساقفة الشرقيين الشرعيين. فكانت الحملات الصليبية وباءً على المسيحيين الشرقيين قبل ان تكون حيال العرب المسلمين، والوثائق البيزنطية والعربية والغربية خير دليل على صحة هذا القول على الرغم من الدعايات الاعلامية، وقد بيّنت ذلك في كتابي المنشور في باريس اولاً ثم في دمشق وبيّن ذلك امين معلوف في كتابه عن هذه الناحية من التاريخ الغربي الشرقي. ومما يؤسف له ان المؤرخين العرب المعاصرين لمم يبحثوا بتمعن في هذه الظاهرة التاريخية من الوجهة العلمية. ومن الجدير بالذكر ان طبيب صلاح الدين كان مسيحيا ملكيا وهو من النخبة المسيحية الشرقية الذين ساعدوا على تهيئة حملاته ضد الصليبيين من الناحية الفكرية اي توثيق الوحدة الوطنية بين أهالي بلاد الشام المسلمين والمسيحيين قبل قيامه بحملاته العسكرية الناجحة. وعندما فتحت القدس طلب الطبيب البطريرك المنفي وقال له ادخل هذه بلادكم وطلب ان يعود لأن اللاتين الاجانب اعتدوا عندما جاؤوا الى البلاد على الكنائس الشرقية وأبعدوا أهلها وأخذوا مكانهم. والطريف انهم بعد تهديمهم القدس كان الصليبيون قد تساءلوا كيف سنعمر القدس فجاؤوا بالمسيحيين الذين كانوا في جبل الاردن وطلبوا منهم ان يعيشوا هناك. { كيف كانت علاقة المسيحيين بالدولة العثمانية؟ هذه النقطة دولية، الاجانب يقولون انه ابتداءً من سنة 1535 عقدت اتفاقيات ما بين الدولة العثمانية وفرنسا وهي اتفاقيات تسمى بالعربية بالامتيازات ويقول الفرنسيون ان الدولة العثمانية اعطت امتيازات للاوروبيين حتى يحموا الاوروبيين في هذه البلاد لأن هذه البلاد كانت دائما بلادا تجارية وخصوصا بين الشرق والغرب، والتجار الغربيون كانت لهم مراكز تجارية هنا فأعطوها صفة دستورية عن طريق الامتيازات التي منحتها ناحية تجارية وناحية دينية. ثم عقدت الدولة امتيازات مع الانكليز والهولنديين وبقية الدول وكلهم كانوا يتعاملون بالتجارة وسوريا كانت مركزا تجاريا بين الشرق والغرب، وكما هي الآن مركز دولي. لقد اعطى العثمانيون للطوائف المسيحية في بلادهم الاوروبية والمشرقية صفة دستورية خاصة فاعترفوا بالبطاركة وبحقوق وامتيازات خاصة في ما يخص ابناء دينهم، ومن هذه الحقوق ما يخص الاحوال الشخصية كلها وهي تزيد عما كان سائدا ايام المماليك او الخلفاء حسب منظور الشريعة الاسلامية. ولذلك دعي سليمان القانوني لأنه اعتمد على القانون الخاص المسيحي او المحلي ولا سيما المناطق الاوروبية اليونانية والرومانية والسلافية علاوة على الشرع الاسلامي السائد قبله. وكان للطائفة او الطوائف المسيحية في الدولة العثمانية وضع خاص هو وضع »الملية« اولاً وقد اعترف بالبطريرك الارثوذكسي اليوناني في الآستانة وبالبطريرك الارمني وبالوكيل غير المنازع على جميع المسيحيين في الامبراطورية العثمانية في شقيها الاوروبي والآسيوي ثم في القرن التاسع عشر حظيت الطوائف المسيحية الاخرى بهذه الصفة في شخص بطاركتهم وذلك بمساعدة الدول الاوروبية في فرنسا والنمسا وبريطانيا الخ تبعا للامتيازات الممنوحة لهم من اجل أعمالهم التجارية وعلاقاتهم الدولية وحمايتهم بما يتيح للأماكن المقدسة المسيحية في فلسطين وكل بلاد الشام. { هل هناك الآن نفوذ أوروبي على المسيحيين في الشرق؟ منذ عهد الاستقلال السياسي لا ارى هنا نفوذا اجنبيا مباشرا على الطوائف المسيحية في بلاد الشام، وقد اصبح للمواطنة معنى حقيقي حيث ان المسيحيين يقومون كباقي سكان البلاد بكل واجباتهم المدنية وحتى الدفاع عن الوطن حسب ضريبة الدم كباقي الضرائب المالية اسوة بجميع السوريين على اختلاف مذاهبهم الدينية. النهضة العربية { كان للمسيحيين دور كبير في النهضة العربية؟ ان حركة النهضة العربية الحديثة على أنواع. منها الثقافي ومنها العلمي ومنها السياسي او الوطني ومنها الحضاري العام حول التنمية الشاملة، وقد يميل بعض المفكرين الى الأخذ فقط بالناحية الادبية وهي المعروفة والمشهورة، ولكن يجدر بنا ان نحيط جميع هذه النواحي حيث للمسيحيين السوريين في بلاد الشام باع طويل في التقدم العلمي وفي الفكر السياسي منذ أواسط القرن التاسع عشر ثم في العمل السياسي والوطني خلال العهد القنصلي وعهد الانتداب وعهد الاستقلال، ولا ننسى شخصية فارس الخوري وميشيل عفلق وغيرهما ممن شارك في عملية التنمية الحضارية والشاملة في المصانع والبنوك والعلاقات الدولية المختلفة. { دورهم اختلف على ما يبدو الآن؟ قد تتساءل اليوم اذا كان هذا الدور الشامل قد خف الآن. ان هذه الظاهرة وإن بدت واقعية لأنها تحتاج الى بحث أعمق في التحليل الموضوعي إلا انها تدل على ان الظروف في بعض الاقطار الشامية قد لا تسمح للعبقرية والإبداع بأن يظهرا جليا كما في الماضي ولكن هل هذه الظاهرة تتلمسها في لبنان والاردن وفلسطين وغيرها من البلاد الشامية؟ فالواقع ان الاكثرية الساحقة من النخبة المسيحية تتجه اليوم الى الاعمال التجارية والى العلوم والمهن والتجارة والاقتصاد وليس الى الوظائف او الأدب كما في السابق لا سيما في سوريا، وهذا ما نأسف له، ونأمل ان العهد الجديد سيتيح الفرص للرجوع الى الازدهار السابق قبل عهد الانتداب وفي أوائل عهد الاستقلال. { ما هي المذاهب المسيحية في سوريا؟ سبق ان بيّنت سبب الانقسامات المسيحية في القرنين الرابع والخامس الميلادي. ولا تزال هذه الانقسامات وقد تحجرت عند الفتح الاسلامي وأصبحت طوائف مختلفة تنتمي الى رؤساء، وقد زاد عددها منذ القرنين التاسع عشر والثامن عشر فهناك الكنيسة الارثوذكسية او الملكية التابعة للعقيدة التي تبناها المجمع المسكوني الخلقيدوني سنة 451 وقد انبثقت عنها الكنيسة الملكية المتحدة مع بابا روما او الكاثوليكية، وهذه الكنيسة تؤمن بالطبيعتين الإلهية والبشرية في شخصية السيد المسيح الواحدة. ايضا هناك الكنيسة اليعقوبية او السريانية التي لم تعترف بعد بهذه العقيدة التي اتبعها المجمع المذكور (خلقيدونيا 451) وتقول بالطبيعة الواحدة الالهية في شخص المسيح الالهي ومنها انبثقت الكنيسة السريانية المتحدة مع بابا روما او السريان الكاثوليك. اضافة الى السابقتين هناك الكنيسة النسطورية التي لم تعترف بالشخصية الواحدة للسيد المسيح الإلهية وهي في الاصل في فارس وبلاد الاكراد وقد انبثقت عنها الكنيسة المتحدة مع بابا روما التي تدعى بالكلدانية في القرن السادس والسابع عشر. اما الكنيسة المارونية ففي الاصل لم تعترف سابقا بأن للسيد المسيح إرادتين مثل الطبيعتين وقالت ان للسيد المسيح إرادة واحدة هي الالهية، ويبقى ان نذكر ان هناك الكثير من الفروع الحديثة الانجيلية او الاصلاحية التي تعترف بالاسقفية او بالكهنوت فقط او تقبل فقط بالمعمودية من دون البقية. { ما هو المناخ الذي يحكم العلاقات بين الانواع المختلفة من المسيحيين وبينهم وبين المسلمين؟ منذ أواسط هذا القرن هناك حركة دينية في العالم كله وفي بلادنا الشامية تدعى بالحركة المسكونية او الاعتراف بالتعددية الدينية. أعني الاعتراف بالغير وبمعتقداته كشخص له الحرية الكاملة بتصرفاته وبمعاملاته الاجتماعية، ولم تعد للسلطة الدينية او الطائفية السائدة سابقا في العهد العثماني امتيازات ذات صفة مدنية. وهذه الظاهرة منبثقة من الاتجاه الحديث الذي يحترم الحرية والسيادة الفردية. وضمن ظاهرة المواطنة والمجتمع المدني الذي تتنافى مع التعصب الديني والعقائدي شئنا أو أبينا فإن الظروف العالمية من علمنة وعولمة التي نعيش في إطارها تتحكم او تحاول ان تتحكم بالعقلية الجديدة مع وسائل المعلومات الجديدة على مختلف مظاهرها. { ما هي أهمية المواقع التي سيزورها البابا يوحنا بولس الثاني بما فيها كنيسة القنيطرة؟ ان سوريا هي بحد ذاتها وتاريخها وموقعها بلاد مقدسة، فهنا نشأت الديانات الكتابية مع الانبياء والرسل من ابراهيم الخليل الى موسى عليه السلام الى السيد المسيح ابن مريم الى النبي محمد (صلعم) والى جميع من سار على هدايتهم من المؤمنين. فدمشق عرفت ابراهيم حسب سفر التكوين ودمشق عرفت أعمال السيد المسيح وشاهدت اهتداء بولس الرسول الذي كان أول من قام بالبشارة المسيحية بين غير اليهود. وأخيرا يزور البابا المدينة الشهيرة القنيطرة وهو المدافع السامي لحقوق الانسان وهو المبشر الاول في العالم عن السلام في المنطقة كما يريده العرب على أساس الحقوق الشرعية والدولية للشعبين الفلسطيني والسوري في استرجاع أراضيهما وحقوقهما الدولية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة