As Safir Logo
المصدر:

نبذة تاريخية عن توزع القبائل العربية النصرانية

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2001-05-03 رقم العدد:8890

من المؤكد ان الحديث عن انتشار المسيحية في سوريا القديمة، او بلاد الشام كما يطلق عليها، يستدعي الحديث عن الموجات العربية التي وفدت اليها من الجزيرة العربية واستقرت فيها، وأنشأت دولا وممالك وإمارات، تعايشت مع دول وممالك وإمارات أخرى كانت موجودة في المنطقة. ويُجمع المؤرخون، عربا كانوا أم أجانب، قدامى كانوا او محدثين بأن العرب تواجدوا في أرض الشام منذ أوائل الألف الأولى قبل الميلاد، وعلى فترات متقطعة. وقد ازداد تواجدهم بشكل ملحوظ منذ القرن الثالث الميلادي حتى ظهور الإسلام (1) وكان تغلغلهم من الجهة الشمالية الغربية للبادية، ومن الجهة الجنوبية الغربية منها. كانت غسان في منطقة دمشق وحوران، وقضاعة في جهة البلقاء جنوب شرقي الأردن، وتنوخ في منطقة قنسرين وحلب، وبجوارهم سيلح وبعض طي. وكانت لخم وجذام في جنوب الأردن وفلسطين. وكانت كلب في تدمر وفي البادية الى الجنوب الشرقي من الشام (2)، وهكذا يتبيّن ان القبائل انتشرت في المناطق المجاورة للبادية من بلاد الشام على شكل هلال يمتد من الجنوب الى الشمال الغربي والشمال، وجلّها قبائل يمانية. وهذا الانتشار يعطي فكرة عن مدى تعرّب سوريا قبل الاسلام. وفي الجزيرة الفراتية يقول البلاذري كانت تغلب بين الفرات والخابور، والى شرقيه (3)، كما كانت ربيعة الى الشمال الشرقي منها (4). وفي أثناء عملية الفتح جاءت قبائل جديدة. وكان القادمون قبائل يمانية بالدرجة الأولى من حمير ومذحج وهمدان، وطي والأزد، كما جاءت قبائل قيسية (5) ولحق بها قوم من البوادي من قيس وانضموا الى المقاتلة (6). أما القبائل التي تنصرت فقد أخذت ذلك عن ابناء عمومتها الآراميين الذين سبقوهم الى النصرانية. وفي الفترة اللاحقة، وبتأثير مباشر من البيزنطيين، نرى ان قبائل الضجاعمة العرب الذين سبقوا الغساسنة في سكنى منطقة البلقاء، وكانوا ملوكا في الشام، قبل غسان، قد تنصّروا أيضا قبل الغساسنة. وجاء في الأخبار ان اسم احد امرائهم داود بن الهبومة المعروف باللنق قد تنصّر وجعل مقامه مادبا وذلك في اواخر القرن الثاني للمسيح (7). وكانت قضاعة بن مالك بن حمير يقول المسعودي »اول من نزل الى الشام، وانضافوا (أي انحازوا) الى ملوك الروم فملوكهم بعد ان دخلوا النصرانية، على من حوى الشام في العرب« (8) ويضيف: »ثم وردت سيلح الشام وغلبت على تنوخ وتنصّرت مملكتها الروم على العرب، وهم من قضاعة (9). وما اطل القرن الرابع الميلادي حتى كانت مدينة البتراء، عاصمة ما يعرف بفلسطين الثالثة، حتى بلغ عدد الكراسي الأسقفية المسيحية فيها أربعين كرسيا ونيفا، وهذا يدل بوضوح على الكثرة العددية للمسيحيين في المنطقة وعلى انتشار النصرانية هناك (10). أما المؤرخ محمد كرد علي فيذكر في خطط الشام انه في أكثر أمهات قرى حوران كنائس امتدت حتى العصر الإسلامي، وان هذه الكنائس خربت بعد طول زمن. وقيل انه كان فيها 34 اسقفية. ويذكر الأب فيدرلين انه في مطلع القرن السادس الميلادي قامت في ضواحي الغور وعلى ضفتي نهر الأردن أديرة عديدة عرف منها مواقع عشرين ديرا. وفي كتاب »مدنية النبو« يذكر الابوان سالر وبكاتي Saller and Bagatti انه يوجد أكثر من 141 موقعا مسيحيا في شرقي الأردن وذلك قبل دخول الاسلام. (11) أما بنو غسان وهم من قبائل الأزد فقد جاؤوا من جنوبي الجزيرة، وسكنوا الشام عند الحدود البيزنطية سنة 490 ميلادية، والمعروف عن هذه القبائل انها قبلت المسيحية وكانت على علاقات ودية مع البيزنطيين، واتخذت المذهب المونوفيزيقي القائل بالطبيعة الواحدة للسيد المسيح. وقد تحمس لهذا المذهب يعقوب البرادعي مطران الرها، حتى صارت الكنيسة المونوفيزية تعرف بكنيسة اليعاقبة. وتجدر الاشارة الى ان الغساسنة اليعاقبة كان لهم نشاط تبشيري بارز خاصة في الجزيرة وفي نجران بالذات، كما كان لهم نشاط ملحوظ في العمران وبناء الأديرة. ومن أديرتهم: دير ايوب، ودير الدهناء. وحذا حذوهم المناذرة في الحيرة وبنو الحارث بن كعب في نجران. صحيح ان الأكثرية من الغساسنة قد اعلنت اسلامها فيما بعد، ولكن كثيرا من العائلات المسيحية العربية في بلاد الشام من بقاياها. (12) وقبيلة تغلب، وهي من القبائل العربية الأبية، قد تنصّرت قبل ظهور الاسلام بزمن قصير، وقد غمز أمير المؤمنين علي بن ابي طالب من تنصّرها حين قال: »انها لم تأخذ من النصرانية سوى الخمر... ويؤثر عن بني تغلب انهم لم يدفعوا الجزية ودفعوا الصدقة مضاعفة. وقد صادق المسلمون هذه القبيلة لكسب ودها، وذلك لأهميتها البشرية والحربية والاقتصادية، ثم لكونهم عربا يعتّزون بعروبتهم. وقد روى سلام في كتاب »الاموال« كلاما رواه زرعة بن النعمان لعمر بن الخطاب جاء فيه: »يا أمير المؤمنين، ان بني تغلب قوم عرب يأنفون الجزية وليست لهم اموال، انما هم أصحاب حروث ومواش ولهم نيابة في العدد، فلا تعن عدوك عليك بهم، قال، فصالحهم عمر على ان ضاعف عليهم الصدقة واشترط الا ينصروا أولادهم (13). ومجمل القول: ان القبائل العربية التي سكنت أرض الشام وأقامت سلطانا وملكا لها في كثير من نواحيها هم في الغالب اما وثنيون واما نصارى. فالوثنيون كانوا على صلة ضعيفة بالحضارة البيزنطية، ولكنهم تأثروا بالحضارة السامية المحلية وبالحضارة الهيلينية بعض الشيء. والنصارى كانوا في الغالب على خلاف حاد مع الكنيسة الملكانية الارثوذكسية في القسطنطينية فهم اما يعاقبة كالغساسنة في الشام او نساطرة كأهل الحيرة، وهذا أمر جعلهم اقرب روحا الى المسلمين منهم الى الارثوذكس وما مضى وقت قصير عليهم في هذه الحالة، حتى اقبلوا على الانخراط في الدين الحنيف واندمجوا في المجتمع الجديد وكان الدين الجديد متسامحا مع الأديان الأخرى، إذ التزم المسلمون بالعهود التي اعطوها. مثل هذه العهود ما اعطاه خالد بن الوليد لأهل دمشق بعد فتحها، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم. وكانت في دمشق، على ما ذكر ابن عساكر، خمس عشرة كنيسة. هذا التسامح والوفاء بالعهود حملا القبائل العربية المتنصّرة وسواها غير المتنصّرة على التعاون مع المسلمين والقتال في صفوفهم عند دخولهم دمشق. من هؤلاء المقاتلين المنصور بن سرجون (سرجيوس) الآرامي الأصل ووالد يوحنا الدمشقي المعروف.(14). ولا بد هنا من التذكير بأن خلفاء بني أمية الأولين وبالأخص معاوية وابنه يزيد قد اعتمدوا على نصارى الشام من كلب وتغلب ولخم، كما اعتمدوا على النصارى غير العرب. وفي سيرة يزيد بن معاوية (والدته ميسون من قبيلة كلب النصرانية) كان ليّنا مع المسيحيين، وكان شاعره المفضل الأخطل التغلبي النصراني المشهور الذي قال فيه حمّاد الراوية: لا تسألوني عن رجل حبب اليّ شعره النصرانية. وفي عهد هشام بن عبد الملك وكانت أمه نصرانية كذلك سمح للنصارى في العراق ببناء كنائس جديدة. ومن علامات التسامح كثرة البنائين النصارى العاملين في المساجد الإسلامية، وكثرة الأديرة التي بناها المسيحيون، والدور البارز لهذه الأديرة في الحياة الاجتماعية في صدر الاسلام، وكيف ان هذه الاديرة كانت المكان المفضل الذي يلتقي فيه رجالات الأدب والشعر والفكر والسياسة المسلمون، وكيف كانوا يطلبون الراحة والاستجمام في ظلالها. ومن المفيد الاشارة الى نقلة الكتب اليونانية والسريانية الى العربية في العصور الاسلامية الأولى، وجلهم من النصارى عربا وغير عرب. ومن المفيد أيضا التوقف أمام ما حدث من مظاهر عدم التسامح والتشدد ضد المسيحيين عموما وأهل الذمة خصوصا، وقد تحدث عنها بإسهاب: ابن عساكر والشعراني، والماوردي وغيرهم من الكتّاب المسلمين. هذه المظاهر جاءت اما عن اجتهادات شخصية للحكام، واما كانت بتأثير من العناصر المسلمة غير العربية التي توصلت الى السلطة، والتي لا يربطها مع العرب المسيحيين رابطة الدم واللغة والتقاليد المشتركة. ويبقى ان نشير الى الاجتماعات التي كانت تحصل في دمشق وتُجرى فيها المناظرات والمناقشات بين اصحاب مختلف الديانات، وأبرز هذه المناظرات تلك التي جرت بين علماء مسلمين ومسيحيين وسجلها يومذاك يوحنا الدمشقي وتيودور ابو قرة، وقد رأى البعض ان المذاهب الأولى الخارجة على السنة في الاسلام نشأت عن هذه المناقشات الدينية مثل المرجئة والقدرية وسواها من المذاهب التي تجاوزها الاسلام ولم تؤثر على مسيرته الروحية والحضارية. هوامش 1 جواد علي العرب قبل الاسلام ج1. 2 ابن عساكر تهذيب ج1/175 البلاذري فتوح 145 ابن العديم بقية ج1 ص 26/29/30. 3 البلاذري فتوح الشام ص 182. 4 ن. م ص 245. 5 الأزدي فتوح الشام ص 10/16/24/39/40. 6 البلاذري فتوح ص 150/151. 7 مجلة المشرق سنة 14 ص 460. 8 المسعودي بن الحسن. 9 المسعودي ص 365. 10 مجلة المشرق سنة 14/ص 468. 11 سامر وبكاني. 12 محمد كرد علي في خطط الشام ج 6. 13 ابن سلام كتاب الأموال تحقيق محمدخليل القاهرة 1968. 14 محمد كرد علي خطط الشام ج 6.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة