تقول الرواية ان »العرب واليهود ابناء عم، وان جد العرب واليهود هو سيدنا ابراهيم الذي تزوج من هاجر فانجبت له اسماعيل (ابو العرب)، بينما انجبت زوجته الاولى سارة، اسحق، (أبو اليهود)«. مما فعلته اتفاقية السادات مع اسرائيل انها استعادت جانباً من دروس التاريخ والدين هذه، وخلقت فرصاً للتزاوج. تزاوجات سياسية واقتصادية وثقافية، أسست، باسم »السلام«، لاسقاط المبادئ السائدة، وتوسعت تدريجياً لتختبر.. التزاوج الجنسي. ما فعله السادات في المعنى العام انه مارس علاقة »محرمة« اثمرت ابناء غير شرعيين، في اوساط سياسيين ورجال اعمال واقتصاديين وصحافيين ومفكرين. ولكن ما لم تسلط عليه الكثير من الاضواء، هو الزواج الذي أثمر »مصريين متأسرليين«. الكاتب المسرحي علي سالم الذي فصل مؤخراً من اتحاد الكتاب المصريين سبق له ان اعتبر ان زواج المصريين من اسرائيليات »امر طبيعي جداً بوجود سلام مصري اسرائيلي، وهي ظاهرة صحية واتمنى ان تزيد حتى اضمن لمصر امتداداً داخل اسرائيل. وبعد 50 سنة سيصبح الفارق بين الاسرائيلي والمصري كالفارق بين المصري والقطري«!!. وبغض النظر عن رأي علي سالم وقلة غيره من دعاة التطبيع، فان الظاهرة بدأت تثير قلقاً حقيقياً في مصر. فبعد مرور أكثر من عشرين عاماً على معاهدة كامب ديفيد، بات هؤلاء واقعاً ملموساً، اذ ان نحو 20 ألف مصري تزوجوا من اسرائيليات، وانجبوا جيلا جديداً من الابناء الذين يحملون الجنسيتين المصرية والاسرائيلية، ثقافتهم اسرائيلية، وديانتهم قد تكون مسيحية او اسلامية. لكن كثيرين منهم يعتنقون اليهودية اذا كانت امهاتهم يهوديات. الاصوات تتعالى في اوساط سياسيين ورجال دين ونواب ومعارضي التطبيع، الا ان الظاهرة لم تجد حلولا لها، خصوصاً ان كثيرين يعتبرون انها باتت تشكل »خطراً« بولادة جيل يحمل الولاء لثقافتين وديانتين ودولتين يفترض »رسمياً« ان حالة الحرب بينهما انتهت بموجب معاهدة السادات، بينما في واقع الثقافة الشعبية الحاضرة، ما تزال اسرائيل بمرتبة العدو الاول للمصريين والعرب. واذا كان الزواج من مسلمات ومسيحيات »مقبولا« عند كثيرين لانهن فلسطينيات الاصل فرض الاحتلال واقعاً مؤلماً على عائلاتهن منذ نكبة 1948، فان ما ينظر اليه المصريون بعين القلق أكثر هو الزواج من يهوديات يمثلن الاسرائيليات »الحقيقيات« باعتبارهن بنات الاحتلال الصهيوني لفلسطين. وقانونياً، لا يمكن للسلطات المصرية ان تعاقب هؤلاء، فقد اسقطت كامب ديفيد حرمات السفر الى اسرائيل والعمل فيها وبالتالي الاندماج والزواج، وخلقت ذرائع كافية عند كثيرين للانعزال عن المحيط الوطني والعربي، والانسلاخ عنه، ما يتسق مع ما اصطلح على تسميته ب»ثقافة السبعينات« في مصر حيث اضحى كسب المال هدفاً اسمى مهما كانت الوسائل وفي أي مكان كان. وكان من الملاحظ، وفق مجلة »روز اليوسف«، ان ظاهرة السفر الى اسرائيل لم تبدأ مباشرة بعد كامب ديفيد، وانما بعدها بسنوات عدة حينما سمحت حركة التطبيع التي سهلتها الحكومتان المصرية والاسرائيلية، بتنشيط دعاية الشركات الاسرائيلية في السوق المصرية واقامة فروع لها في مصر طمعاً في اسواقها. وكان من الواضح ان محافظة الدقهلية كانت الاكثر تصديراً للعمالة المصرية العاملة في اسرائيل. وقد اكتشف هؤلاء، كغيرهم، ان العمل هناك مجز مالياً نسبياً مقارنة بما يحققونه في مصر، خصوصاً اذا تمكنوا من الحصول على جنسية اسرائيلية من خلال الزواج. وهكذا توالت الهجرة خصوصاً بين افراد العائلة الواحدة والاقارب في الدقهلية، المتميزة بكثافتها السكانية. ولا تقتصر الظاهرة بالطبع على الدقهلية، فهي موجودة ايضاً بين شبان سيناء، وخصوصاً في دهب وطابا وشرم الشيخ والساحل المطل على البحر الاحمر وبالذات في الغردقة، بالاضافة الى محافظة الشرقية. وعلى الرغم من ان محافظ الدقهلية السابق فخر الدين خالد يعتبر ان سفر هؤلاء الى اسرائيل لم يكن مخططاً له ولا اهداف سياسية او اجتماعية له، فانه يقر في الوقت نفسه بان اسرائيل كانت تشجع هذه الظاهرة على امل ان تساهم في كسر المقاومة النفسية، ومحو صورة الكراهية داخل المصريين ازاء اسرائيل. وليس ادل من الاهتمام الاسرائيلي بهذه الظاهرة سوى وجود »المركز الاكاديمي الاسرائيلي« في القاهرة منذ العام 1982. وقد توالى ستة رجال مخابرات على رئاسته، ما يعكس الاهمية التي توليها اسرائيل لتغلغلها في المجتمع المصري. وينظم المركز دورات لغوية بالعبرية تصاحبها برامج سفر »سياحية وثقافية« للشبان المصريين الى اسرائيل. كما يمكن الاستدلال على الاهتمام بالظاهرة، ان اسرائيل تقدم للمتزوج من اسرائيلية اعانات مالية لكل طفل وترعاه الدولة تعليماً وصحياً حتى بلوغه 18 سنة. ومن مكامن الخطورة التي يراها المصريون ان الزوجات الاسرائيليات يحق لهن المطالبة بالجنسية المصرية، عملا بالمادة 7 من تشريع الجنسية. كما ان ثمرة هذه الزيجات التي خلفت نحو 5 آلاف طفل حتى الان، تتيح للابناء الذي يحملون الجنسية المصرية من ابائهم، حق الانتخاب والترشح والترقي في وظائف الدولة وصنع القرار، والملكية والميراث. ولن يمر وقت طويل قبل ان تتكاثر مشكلات امام القضاء تتعلق مثلا بوراثة اراض في سيناء التي تملك قبائلها مساحات شاسعة من اراضيها وقد تؤول الى »ابناء متأسرليين«. وهكذا تتعالى أصوات منذ مدة في مصر تطالب باصدار تشريعات واضحة تحظر على المتعدد الجنسية تولي مناصب سياسية وعسكرية. وهناك اصوات تطالب بانتزاع الجنسية المصرية من هؤلاء، وهو ما قد يعتبره البعض متعارضاً مع مبدأ الحريات. ولا يجب تجاهل القلق الدائم من ان تكون اسرائيل جندت بعضهم في اجهزة استخباراتها. وكان النائب عن حزب التجمع المعارض في مجلس الشعب عز الدين الحريري حذر مؤخراً من ان تفاقم مشكلة البطالة في مصر يشجع اسرائيل على تسهيل زواج المصريين من اسرائيليات للحصول على الجنسية والعمل في اسرائيل. وتدخل رجال الدين في القضية، وحرم مفتي الجمهورية نصر فريد واصل في شباط الماضي، الظاهرة، واعتبر انها تهدف الى »خلق طابور خامس لليهود« داخل المجتمع. اما إمام الازهر الشيخ طنطاوي فقد المح الى احتمال صدور قرار حكومي بمنع زواج المصريين من اسرائيليات اذ قال خلال ندوة في معرض الكتاب في شباط الماضي انه »من حق ولي الامر اذا رأى في زواج المسلم بغير المسلمة ضرراً يعود على الامة، ان يمنع هذا الزواج«. واذا كان زواج ابراهيم من هاجر وسارة درساً نتعلمه من التاريخ، فانه ايضاً احد دروس الدين الذي يبيح الزواج من يهودية باعتبارها من »اهل الكتاب«. والمسألة ليست في ما اذا كان كثيرون مستعدين للقبول بهذه الدروس في الوقت الحاضر، وانما في ما اذا كانت تعاليم التاريخ والدين هذه مباحة في ظل صراعنا مع اسرائيل، وفي ما اذا كان الاحتلال الاسرائيلي الذي استمر اكثر من عشرين عاماً للجنوب اللبناني، انجب هو الاخر »لبنانيين متأسرليين«؟!.