As Safir Logo
المصدر:

»المجنون« من كتاب جبران لتوفيق الجبالي على مسرح مونو تفجير النص واللوحة الجبرانيين نحو مسرح بكل الأبعاد

المؤلف: باشا عبيدو التاريخ: 2001-05-28 رقم العدد:8909

افتتحت عروض مسرحية توفيق الجبالي »المجنون« (عن نص جبران خليل جبران) على خشبة مسرح مونو الاشرفية مساء يوم السبت الماضي 26 أيار 2001. وهي تستمر يوميا، حتى يوم 2 حزيران، الثامنة والنصف مساء كل يوم. تصور واخراج الجبالي، مع زياد تواتي ودورا رزوق وشكرا رماح ونضال غويجة. فرقة مسرح التياترو، تزور ب»المجنون« بيروت للمرة الثانية، بعد ان قدمت منذ سنوات »كلام الليل« على خشبة مسرح بيروت. »المجنون« مسرحية التونسي توفيق الجبالي، عمل كبير يستند الى إرادة شخصية كبيرة. انها تتناول اوضاعا غير محتملة. غير ان المحتوم الوحيد في المسرحية هو احترام الحياة. بدون حرية، لا حياة. لا يتيح توفيق الجبالي الفرصة من ذاته للتصرف في هذا الاعتقاد الراسخ لديه. لان معاييره الجمالية الفنية، تنبع من قضايا الصراعات الاخلاقية المحددة. »المجنون« مسرحية عقيدة، تنأى عن المباشرة. ذلك ان الصراعات الاخلاقية لدى الجبالي، ليست تلك التي تنبني على السائد. ثم ان العقيدة ليست أيديولوجيا ثابتة. لانه الادرى، بأن الايديولوجيات الثابتة، لا تفعل سوى ان تبسط السلوك، دافعة به الى السطوح الاخلاقية بدل الاعماق. لا يناور توفيق الجبالي في »المجنون«. الا ان هذا المبدأ، يفضي بصاحبه الى سلوك طرقات اللامعقول، عند أيسر المحاولات التطبيقية. باعتبار ان استغراق الجبالي في تجاربه السابقة، سمح له بالتمرد على التجارب نفسها. انه غيره هنا. غيره تماما في »كلام الليل« او »كونتر إكس« او المسرحيات التي سبقتها ك»مذكرات ديناصور«. الطاقة مختلفة، التشكيلات مختلفة. جبران مختلف. لأنه ليس جبران المقروء او المسموع، مع الجبالي الذي يحل عبر المسرح المعاضل، لكي يشفي نفسه من فكرة ان المعضلة انما تكمن في المعضلة نفسها. صرخة حرية »المجنون«. صرخة عريضة بحلول تشكيلية مدهشة. لم يعد توفيق الجبالي في »المجنون«، ذلك المسرحي الذي يقدم صنفا مسرحيا لا يقدمه الآخرون في تونس. تجربته الجديدة، تجربة حية، تجربة مختلفة، مع الابحار في عوالم جبران الداخلية. أميل كثيرا، الى اعتبار نصوص جبران المختارة، حيلة يرسم عبرها الجبالي عمارة تشكيلية ذات مشيئة مدمرة، لكافة التجارب السابقة. المشيئة المدمرة، تسوده باعتبارها مشيئة الخالق. يتصدى الجبالي، للنزاع الفكري عبر النص الجبراني شبه الرومانسي، شبه التعليمي، بهدف التخلص من عواقبهما، عواقب الرومانسية والتعليمية، من خلال الرومانسية والتعليمية نفسيهما. الجبالي وجبران يقفان متقابلين، كما يرى المرء صورته في المرآة، لصيقا بها، متناقضا معها. كلاهما شخصيتان، تجتمع فيهما اكثر من شخصية. متعددا المواهب. لذا، فان الجبالي، يحرك في اللوحة التشكيلية الجبرانية، على سبيل المثال، عدميتها السابقة، وعظها البليغ، يقيمها في وعيين متناقضين، في محتواهما وفي عواقبهما. وجدانية في الحياة ذات خلفية فلسفية عند جبران. وذهول لا ضابط له عند الجبالي. احترام الحياة لدى الجبالي وجبران، يؤدي الى ارتفاع صوت الفظاعة. وهي فظاعة، تؤدي الى رسم نظرة جديدة، الى الاحوال الصعبة. توثيق اللوحة الجبرانية، وآثار التدمير الاجتماعية فيها، يحركها الجبالي عبر وضعه الثقافي الخاص. المسألة عند الاثنين ذات جذور دينية، تدعو الى التسامح والتعدد، غير ان الجبالي يسقط تصوراته السحرية عليه. لوحة جبران المرسومة بالفحم، يخرجها الجبالي من عقلانيتها المذهلة، الى تشكيل اذهالي، يبوح بالابعاد الجنسية في اللوحة، بعيدا عن الهالات الدينية. ثنائيات لا يستغل الجبالي قوته التشكيلية، لكي يمارس سلطتها على جبران. بالعكس. انه يحتفظ بسلطته هذه في خدمة النص الجبراني المتن واللوحة الجبرانية في ثنائيات تصل الى كتابة دلالات رائعة، او كتابة منزلة عليا بدافع كتابة ارقى. ما يبديه المسرحي ازاء جبران، ليس صدقة بل تكفير. فمقابل الالم الكبير في العالم، لا بد ان يخرج الكثيرون قاصدين المساعدة. لعبة البانوهات، في تحريك الانموذج التشكيلي الجبراني، ترسم شيئا خارقا للعادة. شيئا يغلي بالحداثة التشكيلية، في لعبة سينما تستعمل النحت وفي لعبة نحت تستعمل السينما كمؤسس أول لصورة الجبالي او المشهد الجبالي. لم يعد جبران واعظا، اثر ذلك. بل صاحب صلاة خاصة في كتاباته ولوحاته. الجبالي نيتشوي في احيائه النص الجبراني، بالصراخ به وعبره. نيتشوي بفكرة نيتشه عن الحيوية، بحيث حورها، حتى تتمثل عنده إرادة الحياة في الانصراف عن الحياة الشخصية وفي الصداقة ذات الطابع الوجداني الشاملة لكل شكل من اشكال الحياة. لن يقف، توفيق الجبالي، بعد ذلك، أمام الافكار البرجوازية الصغيرة الداعية الى ضبط النفس. لأنه لا يلبث ان يفجر النص الجبراني واللوحة الجبرانية، حين يشكل منهما نصا وحيزا متمردا على الشخص والحقبة الماضية. »لن يدرك اسرار العالم الا من امتلأ قلبه بالأسرار« كمثال. جملة يأخذها الجبالي، يأخذ الجبالي بالجملة، حيث يتسامى جبران دينيا بالمشكلة الاخلاقية يتسامى بها هو نفسه بطريقته الخاصة، اذ يفركها بين يديه أولا، ثم في صوته، يقولها ويرددها ويرددها، الى ان تذوب في الفضاء، لتبدو كبرطمة قدرية. الجبالي يجمع حياة بحياة. وبدل ان يمتلك معرفة اضافية بالعالم، يشكك بها شكا مطلقا. كأنها دغل بصريات »المجنون« لتوفيق الجبالي (فيديو/ شرائح ملونة/ مزج بينهما) صحراء واسعة من التشكيلات. ذلك انه يقيم بناءاته فوق مساحة فارغة تشبه الصحراء. لا شيء فوق خشبة المسرح. انها لعبة اضواء وظلال، لعبة شخوص وأشباح، لعبة قوى بناءة وقوى هدامة خفية، تبني في لقاءاتها وتنافراتها الطبيعية قوة خلاقة وعلى نحو رائع. التهاوي المتكرر للقيم في »المجنون« يبني تجربة، تقدم حوافز كتابة جديدة، نائية عن التفاسير. النحت بالألم، هو اللحظة الامثل، المشعة بالفرح. نحت لنصوب انسانية، ترتقي فضاءات فارغة. ترتقي الى فوق، ولو ان الارتقاء بلا معنى. بل هو ارتقاء الألم الادنى الى الالم الاقصى. لوحة الارتقاء المشهدية، المبنية بضوئين، واحد بني والآخر زيتي، لحظة وعي تشكيلي كلي عند الجبالي الضابط الممتاز لمعايير الوحدة الفنية والفكرية والمنهجية للعرض، من الطبيعية الى الواقعية الى الواقعية الداخلية او البسيكودراما الواقعية الى الواقعية السحرية الى السحر الذي لا علاقة البتة له بالواقع. الواقعية تجاور الرمزية والرمزية تتحلل في الفضاء الواقعي. الايقاع سيد العرض. بساطة مدهشة توفيق الجبالي في »المجنون« يكتب ما يريد بالبساطة المدهشة. الباحث في أنماط الدراما، يشتغل كلية في نطاق يخرج عن مقولات تلك الدراما، لينتقد التحيزات الدينية والاخلاقية في جنس فني، حصّله من لعبة خطرة وفاعلة: كل ما قلّ ما تميل اليه، سهلت عليك مهمة صياغة القوانين الجمالية. فرصة اكبر، لمعرفة مدى الجنون التشكيلي في تكسير النص واعادة صوغه (وقد وجدت في جنوني هذه الحرية والنجاة معا جبران خليل جبران). اربعة ممثلين بلا ادوار تفصيلية، الا انهم يمارسون اقسى الانضباطيات الادائية في مرمح، يقيم النمنمة كصوت اول بين اصوات »المجنون«. ثلاث فتيات وشاب (نضال غويجة، شكرا رماح، دورا زروق، زياد تواتي) يفترضون اتجاها خلقيا جماليا، عملوا على استكماله، بعيدا من التحيزات الخاصة، وبدون ان يضعوا في حسبانهم ان المسرح مشروع ومريح. ليس خليقا باحدهم، من ناحيته، الاقرار بانه معني بأن يسلي. ليس شيئا اسمه التسلية الصرف عند توفيق الجبالي. شطارته في اكتشافه ما ترغب الجماهير في سلوكه اطل من هذه الفجوة، لكي يرسم شخصيات تسلك على غير هذا النحو، في عمل يسلك بدوره سلوكه الخاص. لا مبالغة في تقدير الصعوبات والاختلافات. لا متاهات مضنية، مربكة وكريهة. لا اسوار منيعة امام فهم »الرسالة«. كل ما هو موجود على خشبة المسرح، على قلته، كبير، صامت، مليء بالترقب. كل ما هو موجود على خشبة المسرح، على قلته، ضل سبيله، وهو يبحث عن السبيل. كل ما هو موجود على خشبة المسرح، على قلته، يرى ويُرى ويحث ويُحث، مستتر ومنظور. كل ما هو موجود على خشبة المسرح، لا يريد الغرق في زمن الجماعات الكبيرة او الافكار التوتاليتارية او طروحات العولمة. سيبقى الانسان غريب زمانه. سيبقى الفنان غريب زمانه. هذه نتيجة صاعقة للمسرحية، لن يتحقق هذا الا بالامتداد الكامل لنشاط العين وعين النشاط. اللافت ان الدراما هنا، لا تجنح الى الشعرية. ولا تغرق في ملحميتها ولا تقع في شروط ملهاة عصر رجوع الملكية، التي هي ملهاة اداب سلوك اجتماعية. وهي تفترض مسبقا وجود مجتمع وبالتالي قوانين اجتماعية وخلقية. ذلك ان »المجنون« ، مسرحية هجاء بالتشكيل لمقولات تسفيه اعضاء المجتمع الذين يخرجون على قوانينه. »المجنون« لتوفيق الجبالي، تردد انه حتى في لحظات الامتلاء القصوى، يبقى ثمة شيئا ناقصا. هذا ما يتركه قلقا وغير راض. لن يهمه، اثر ذلك، ان يتبع الوعي خطاه خلف بعض لمسات »الباوهاوس« »والليفنغ تياتر« او الصوت الداخلي الاعمق في الروح الشكسبيرية. ومسرح الشرق الاقصى. النو والكابوكي والمسرح الهندي. مشهد العصفور بالايدي، يرسم البساطة عبر تلقائية ممتازة. لان القسمة الالية، لا ترضي مسرحيا في وزن توفيق الجباليا، الذي يعمل باسلوب لمّ الشمل دائما، بمنظوره الخاص. هذه افتن مسرحياته. هذه اكثرها درامية. غير انها في دراميتها البالغة القوة، نجدها شعرية وهي تسعى خلق غير الشعر. لن يكثف هذا رأيا رجيحا، امام خشبة تضج بالاحتمالات التشكيلية. اللوحة الاولى وحدها، ادبية المنحى، لوحة قراءة الفتيات نصوصا من جبران. بعد ذلك، يصير الادب في المشهد طموحا بعيدا. بعد ذلك، لا شيء الا الرسم، الا التشكيل، في ابهار، لا علاقة له بكل انواع الاستعراضات. الجبالي رسول الضوء في »المجنون«. واذ تحضر لديه نغمة العزلة العدوانية، يضحي رسول العتمة. ثنائيته هذه، هي التصوير العنيف والفكه للحياة الراهنة. ساعة وربع الساعة من الاهتمام الحاد. لا فواصل في ايقاع نظم ممتاز يشبه المنبهات. مسرحية جمع بين وظائف الدرس والنقد والسيرة. قياد الى نشوة، تفترض ان ابن العصر الحساس يستمدها من مأساة لشكسبير او حتى من مأساة لدريدن. سيرة بملاحظاتها ورسائلها ووثائقها. سيرة الحصول على انطباع رجل في بدايات القرن الماضي، واشتغال رجل عليها في بدايات القرن الحالي. المأثورات وضدها. انها تغدو منقوشة اكثر وعلى نحو أعمق في اللعبة المسرحية. لن يخلط توفيق الجبالي نبيذ مسرحه بالماء، حين يعمل بالنقش اكثر من النحت. »المجنون« مسرحية نقش، في لوحات تتوالى وتتعاقب وتتداخل. الحكمة تضحي جنون صاحبها، القيم الجمالية تتواتر بدون آليات. اللامعقول يصبح معقولا. الحروق تشفي. المواجهات لا تؤدي الى المنازعات، لان الحرية هي الاساس. حرية التعبير وحرية الاختلاف بين الافراد والحضارات. ثم انها الغربة، هي التي ولدت هذا النقش البليغ. بانوهات وأجساد في تلاصق حركي لاهث، في حرارة استوائية. الحقائق توسع آفاق المعرفة. الضوء على الجسد يدوّر حضور الجسد. كيمياء جديدة، تبني الادهاش على البساطة والحرقة والبحث والكسر والاختلاف. بساطة »المجنون«، محصلة خبرات تقنية واسعة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة