As Safir Logo
المصدر:

موسم النظرة الى الجنوب

المؤلف: الفقي مصطفى التاريخ: 2001-05-22 رقم العدد:8905

ذاع صيت رواية الكاتب السوداني »الطيب الصالح« موسم الهجرة الى الشمال، وها نحن نقتبس عنوانا موازيا نتحدث فيه عن »المسألة السودانية« التي تمثل شأنا مصريا له أهمية بالغة، كما أن مصر تمثل للسودان شأنا لا يمكن اغفاله او تجاهله حتى ان ملف العلاقات المصرية السودانية قد ظل مفتوحا ومؤثرا منذ منتصف القرن التاسع عشر ولا أظن انه سوف يغلق ابدا. فالنيل الذي جرى بين شطري الوادي ربط بينهما في توأمة أزلية، وقد انصرف الشماليون والجنوبيون الى التغني الدائم بوحدة الوادي والروابط الوثيقة والعلاقات المتينة ومع ذلك خضعت جسور الاتصال بين القاهرة والخرطوم لموجات شد وجذب بصورة ترتبط بالمناسبات والاحداث وكأنما هي صدى انساني للامطار الموسمية على هضبة الحبشة حيث ينبع النيل، ولعلي اريد ان اعالج في هذا المقال الموجز اهم ملامح العلاقات المصرية السودانية بطريقة غير تقليدية. دعونا نخرج من اطار المسلمات وعبارات التوأمة والاخوة ووحدة الوادي وتكامل الاشقاء. ودعونا ايضا نقوم بعملية غوص في اعماق تلك العلاقة الاستراتيجية الهامة للبلدين معا، الامر في ظني يبدأ بملاحظات لابد من الاشارة اليها : أولا : ان التاريخ المشترك بين مصر والسودان يقول اشياء كثيرة بعضها ايجابي والاخر سلبي ولكنها في مجملها تصنع اطارا حاكما لعلاقة طويلة المدى عميقة الجذور راسخة البنيان حتى بقيت تعبيرات تاريخية تفرض نفسها على طبيعة العلاقة لتوزع قدرا لا بأس به من الحساسيات المترسبة من مثل فتح السودان والادارة الثنائية والحكم المصري وغيرها من لوازم القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وهي عبارات لازالت اصداء تأثيرها قائمة حتى اليوم. ثانيا : انه على الرغم من ارتباط عروبة السودان واسلامه بشمال الوادي في مصر الا أنه لحسن الحظ فإن علاقات مصر التاريخية بجنوب السودان لا تقل اهمية وارتباطا حتى لو كانت العروبة غائبة والاسلام محدودا، والفضل يرجع في ذلك الى نظرة تاريخية ثاقبة ادركت بها مصر مبكرا اهمية وحدة التراب السوداني والارتباط العضوي بين شماله وجنوبه. انها نظرة حكيمة برزت في مقدمة السياسات المصرية المتتالية تجاه السودان ولم تقف عند حد النظرة الدينية او الرؤية القومية اذ ظلت للسودان خصوصية لدى المصريين يتمتع بها في كل الظروف. ثالثا : ان دعوة وادي النيل لا زالت تمثل نداء عاطفيا يربط مصر بالسودان ويجعل حدود مصر تبدأ استراتيجيا من منابع النيل بينما تمتد حدود السودان استراتيجيا الى شاطئ البحر المتوسط ومع ذلك فإنني ادعي ان البلدين لم يتمكنا من ترجمة هذه المشاعر الى واقع ولو محدود والسبب ايضا هو تراكمات الزمان وحساسيات التاريخ والتدخلات الخارجية، فضلا عن تفاوت النظرة تجاه المصلحة المشتركة اذ ان كلا البلدين يتناولها من جانب مختلف. رابعا : دعنا نعترف ان انخراط مصر في النهج العروبي ودورها الرائد في دفع التيار القومي ظل له تأثيره السلبي على الروح المشتركة بين شطري وادي النيل. وتقودنا هذه النقطة بالذات الي مسألة خلافية حول دور ثورة 2591 في سنواتها الاولى وتأثيره في التباعد الذي جرى بين مصر والسودان بدءا من رقصة صلاح سالم الشهيرة في الجنوب الى التحول الذي طرأ على ارتباطات اسماعيل الازهري. ونحن نزعم ويختلف معنا البعض ان الصراع على السلطة بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر كان له اثره في تغليب توجهات مصر نحو المشرق العربي على حساب توجهاته التقليدية تجاه جنوب الوادي. خامسا : انني ارى ان مصر الثورة لم تستوعب لاسباب تتصل بالصراعات والتحديات والمواجهات ان وحدة وادي النيل لا تتعارض مع التيار القومي العربي بل تعتبر احدى مكوناته وروافده شأنها في ذلك شأن دعوة الهلال الخصيب في اطار سوريا الكبري او ما تشكل مؤخرا من مجالس اقليمية تحت مظلة القومية ودون تناقض مع شعارات الوحدة العربية الشاملة، لذلك فإنني اتصور ان خطأ التباعد بين مصر والسودان قد تحول الى خطيئة مع تعاقب النظم وتقدم حركة الاجيال الجديدة. هذه ملاحظات مبدئية أردت ان اقدم بها »للمسألة السودانية« التي تمثل جوهرا حاكما في مستقبل الدور المصري وسياسته الخارجية، فأنا ممن يظنون ومعي جمهرة من المعنيين بهذا الشأن ان السودان يجب ان يتصدر اولويات سياستنا الخارجية. واذا كان الصراع العربي الاسرائيلي قد شدنا بالضرورة نحو الشمال الشرقي فإن منطق التاريخ وثوابت الجغرافيا لابد ان تشدنا للنظر جنوبا. فالسودان الذي يعاني من مشكلات عديدة ومتداخلة تؤثر على استقراره وتهدد وحدة ترابه الوطني وسلامة ارضه الواحدة يحتاج من مصر دائما الى ان تكون شريكا متكافئا وطرفا نديا وشقيقا حقيقيا امام كل التحديات التي تواجه السودان وما اكثرها. وامام كل العقبات التي تعترض طريقه وما اشدها. ان الشعب السوداني في نظري يعتبر من اكثر الشعوب العربية والافريقية احساسا بالحرية وايمانا بالديموقراطية ورغبة في التعبير المباشر عن الرأي واقرار حق الاختلاف دون ان يفسد ذلك للود قضية، ولا زلت اذكر كيف ان الرئيس السوداني السابق جعفر النميري حين كان ضيفا على مصر بينما تطالب السودان باستعادته لمحاكمته. فقد كانت دهشتي كبيرة كلما رأيت زواره من مختلف الطوائف السياسية السودانية بل ومن السفارة السودانية في القاهرة يترددون عليه بينما يطالبون رسميا واعلاميا حينذاك بعودته للمحاكمة. بل انني اذكر من طرائف الادب السياسي السوداني الحديث ما يروي عن حضور احد ابرز قادة الحركة الشيوعية السودانية ابراهيم النقد لاحتفال بالمدرسة الثانوية التي تخرج فيها مع رئيس الجمهورية السابق نميري وذلك في مناسبة يوم للخريجين منها وبينما كانت السلطات السودانية تتعقب القطب الشيوعي سمحت له مساحة التسامح السوداني التقليدي والروح الديموقراطية التلقائية بأن يلتقي برئيس الجمهورية زميل دراسته في الحفل ثم يعاود الاختفاء لكي يكون مطلوبا من جديد للتحقيق معه امام السلطة السودانية التي تتعقبه، كما انني اقرر هنا بكل حياد ان ذلك الشعب الشقيق الذي يجيد لغة الحوار ويدرك اهمية الجدل هو شعب مثقف، رفيع القدر، عالي المكانة، ولا زلت اذكر من سنوات دراستي للدكتوراه بجامعة لندن ان كتابا للدكتور جمال محمد احمد وهو سياسي سوداني وصل الى ارفع الدرجات كان مرجعا يعتد به لا ينازعه احد في موضوعه، كما انني قد حضرت محاضرة للسيد »الصادق المهدي« زعيم حزب الامة وحفيد الامام »المهدي« الذي حزن لمقتل جوردون لأنه كان يريده اسيرا يقايض به بريطانيا لاستعادة عرابي من منفاه في يوم كانت فيه مصر والسودان كيانا تاريخيا واحدا لا يجادل فيه احد في قاعة الامير البرت الكبرى في العاصمة البريطانية في مطلع السبعينيات وكان المتحدث هو الصادق المهدي الذي لفت الانظار يومها وجعلني شخصيا اشعر بالفخار لانتمائنا المشترك لواد واحد وهو يتحدث بانجليزية رصينة وفكر ثاقب عن السودان واهميته ودوره، انه شعب يتميز دائما بالعطاء الثقافي والتميز الانساني كما ان الله قد منحه روح الاحساس بالمساواة التي لا تفرق كثيرا بين حاكم ومحكوم اذ انه لحسن حظ السودانيين ان كهنوت الفرعونية لم يصل الى تقاليدهم السياسية ولم يضع قيدا بين من يملكون السلطة ومن يفتقدون السطوة. وهنا دعني اضع امام القارئ عددا اخر من الملاحظات حول السودان كما اراه اليوم : 1 ان السودان بلد مستهدف تتطلع قوى كثيرة دولية وافريقية الى العبث بشخصيته ذات التعددية وهويته زاهية الالوان وتحاول الدخول اليه من ثغرات مفتعلة تتوهم دائما وجود صراع تاريخي بين الاصول العربية والاصول الافريقية او بين الاغلبية المسلمة في الشمال والاغلبية المسيحية واللاتينية في الجنوب مع التركيز على اصطناع عدد غير محدود من القيادات ذات الاتجاهات المتناقضة بحيث تصبح السودان في النهاية مركزا دائما للصخب السياسي والضجيج الاقليمي والتدخلات الاجنبية مع شغب متواصل من دول الجوار تجاه دولة شاسعة المساحات، مترامية الاطراف واسعة الحدود. 2 ان السودان يربض على ارض كلها ثروات طبيعية ضخمة فالنيل يخترقه والارض القابلة للزراعة تمتد آلاف الكيلو مترات المربعة والايدي العاملة متوفرة ولا ينقصها الا الرغبة في العمل والتدريب الحديث عليه. فضلا عن ثروة حيوانية ضخمة وغابات خشبية هائلة، ومع ذلك يتعرض هذا البلد بين الحين والاخر لازمات اقتصادية واختناقات مادية وانخفاض في مستوى المعيشة قد يصل الى حد المجاعة في بعض اطرافه الحدودية، وتبدو الدولة التي كانت مرشحة لكي تكون »سلة الحبوب« للعالم العربي وشرق افريقيا عاجزة احيانا عن الوفاء بالتزامات الحياة العصرية ومستوي المعيشة اللائق وهذه معادلة يجب ان يركز عليها الساسة السودانيون جهودهم اذ ان البناء الاقتصادي هو الذي يحدد بالضرورة درجة التقدم الديموقراطي. 3 ان المسرح السياسي السوداني في الشمال يعج بعشرات الرموز ومئات القيادات التي يبدو بعضها احيانا خارج دائرة العصر فالاجيال السودانية الجديدة قد لا يعنيها الانتماء الى الختمية او الانصار او حتى الجبهة الاسلامية لانهم يتطلعون الى دولة عصرية تقوم على احترام التعددية والاعتراف بالغير والتعامل الندي مع الاخر وفقا لقواعد الديموقراطية الصحيحة واطرها السليمة التي تحافظ على شخصية السودان وتتصدى لمحاولات ضرب وحدته الوطنية او تقسيم ترابه الوطني تحت شعارات براقة ظاهرها مقبول ولكن جوهرها خبيث ولعل من اشهرها شعار حق تقرير المصير في الجنوب. 4 ان القيادات السودانية في الشمال والجنوب تدرك بغير استثناء ان صالح السودان في وحدته وتماسك ابنائه ولكن الذي يؤرقني احيانا هو ان بعض قيادات الشمال التاريخية وزعاماته التقليدية يعنيها احيانا مصالح ضيقة واهتمامات محدودة يمكن ان تأتي على حساب المصلحة العليا للسودان دون ادراك حقيقي للمخاطر التي تهدده او احساس عميق بالمخاوف التي تحيط به فهم يتطلعون احيانا الي شمال عربي مسلم تستمر فيه ادوارهم وتتواصل زعاماتهم بغض النظر عن القضية الكبري لشعب واحد وهنا ازعم ان الولايات المتحدة الاميركية وبعض الدول الاوروبية والافريقية لا زالت تلعب بالورقة السودانية في محاولة للضغط على الخرطوم في مناسبات عديدة ومواقف مختلفة. 5 ان شخصية السودان تتجسد امامي احيانا في عدد من النماذج ارتبطت بصداقة طيبة مع بعضها فالسيد الصادق المهدي نموذج مبهر للقدرة على التحليل والرغبة في التنظير مع الاحتفاظ بهامش من حرية الحركة التي تسمح له بوضع متوازن وابواب مفتوحة مع معظم دول الجوار العربية والافريقية، واذا كان العقد الاخير منذ قيام ثورة الانقاذ قد اتاح لحفيد زعيم الثورة المهدية ان يقترب اكثر من مصر وان يدرك حب شعبها للسودان بغير تفرقة فإنني ازعم ان القاهرة قد فتحت معه صفحة جديدة سقطت منها كل الحساسيات التاريخية والاوهام المتبادلة، أما السيد محمد عثمان الميرغني وهو زعيم روحي سوداني له وزنه وارتباطه بمصر كأحد الثوابت التاريخية للعلاقة بين شطري الوادي فإنه قد اعطي للمعارضة السودانية صفة العمومية والشمول عندما ترأس التجمع الذي يضم المعارضة الشمالية والجنوبية في وقت واحد برغم الاتفاق او الاختلاف معها الا ان مجرد وحدتها هي مظهر ايجابي يعبر عن كل السودان كما نريده متحدا مترابطا، ولست انسى في النهاية شخصية ذلك السوداني النابه الذي تربطني به صداقة اعتز بها برغم بعض الاختلافات في وجهات النظر وأعني به الدبلوماسي صاحب الكفاءات العالية والقدرات المشهودة ابن الشمال المسلم الدكتور منصور خالد وهو يعمل مستشارا لجون غارانج ذلك الزعيم الجنوبي المسيحي الذي يحرص على أن يردد في كل عاصمة يزورها ما تريد ان تسمعه الذي يملك اعدادا كبيرة من مفاتيح اللعبة وقنوات الاتصال من قبول اميركي وغربي عام يمكن توظيفه هو وغيره لصالح السودان الجديد. انني اكتب هذه السطور وقلبي يخفق لعشرات من العلاقات الوثيقة التي تربطني باصدقاء من السودان الشقيق عرفت بعضهم في سنوات الدراسة الجامعية والبعض الاخر في معترك الحياة السياسية والبعض الثالث من خلال الملفات الدبلوماسية، ولكنني شعرت دائما ان العلاقات بين شطري الوادي حقيقة وليست شعارا، وحتمية وليست اختيارا، ولكن يدي على قلبي عندما افكر في الاجيال الجديدة في مصر والسودان حيث تبدو المعرفة المتبادلة بينهما اقل والروابط التي تجمعها اضعف لان سنوات طويلة من التباعد قد خلقت مساحات من الفراغ بين الاجيال في البلدين قد تصل الى حد الجفوة احيانا او سوء الفهم احيانا اخرى، واظن انها مسؤوليتنا الاولى لكي نجدد التواصل ونعيد العروة الوثقى بين البلدين، ولن اختتم مقالي بغير مشاهد ثلاثة اسجلها امام القارئ الاول عندما كنا نودع سفير السودان في نيودلهي ابراهيم طه ايوب وزير الخارجية في منتصف الثمانينات يومها خرج السلك الدبلوماسي الاجنبي والافريقي والعربي في الهند عن بكرة ابيه يودع دبلوماسيا متألقا وشخصية غالية على الجميع بغير استثناء، اما المشهد الثاني فعندما ذهبت ضمن مجموعة السفراء العرب الى مطار فيينا نستقبل السفير السوداني الجديد الدكتور احمد عبد الحليم سفير السودان الحالي في القاهرة وقام العميد بتقديم السفراء العرب الى القادم الجديد فصافحهم جميعا ولكن عندما تقدم منه سفير مصر خرج عن المألوف واحتضنه مقبلا في وقت كانت فيه العلاقات بين البلدين لا تؤدي اطلاقا الى ذلك ولكنها دماء النيل التي تجري في الشرايين، أما المشهد الثالث فهو عندما وقفت الدبلوماسية المصرية بتعليمات قوية من الرئيس مبارك ضد تجديد العقوبات على السودان في وقت كان فيه الجرح مفتوحا وعتاب القاهرة شديدا ولكن مصر فرقت بين اوجاع القلب التي تفصل بين الشقيقين وبين رؤية العقل التي تربط بينهما دائما ما ظل النيل يجري، وما بقيت ونسات الخرطوم تتحدث بالحب عن جيران الشمال، وما ظلت ندوات القاهرة تفكر وتتطلع الى السودان رفيق الزمان وقرين العصور وتوأم التاريخ. (ينشر بترتيب مع وكالة الاهرام للصحافة)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة