As Safir Logo
المصدر:

مختارات أبو القاسم الشابي في »كتاب في جريدة«* المقبل شعره وميض عمره القصير

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2001-04-23 رقم العدد:8882

لم يتسنّ للشابي قول رقته كلها. خمسة وعشرون عاما قليلة، وغير كافية حتماً لروحه القلقة التي تحتاج دهوراً ليخفت قلقها، بما هي تحد متصل في الجمال والحزن والصحة والمرض والشرف والسمات كافة للقلوب النقية. كما كانت روحه تواقة الى مزيد العمر حتى يتسنى للشعر ان يورق كله، ويتمدد على السنين مغتنياً بها، مستظلها، ورافلا بالنهارات الجديدة التي تفضي الى الشعر ان تبدأ شمسها وفي صميم أماسيها وحلكة لياليها. ولئن ولد الشاعر التونسي ابو القاسم الشابي في 26 شباط 1909 في مدينة »توزر« في الجنوب الغربي لتونس، فهي ليست بالسنوات البعيدة لنتحدث عن أثر ورائد في مجاله. كما لم يرحل الشاعر بالامس فحسب لينضوي شعره في ما نعالجه ونقع عليه من سمات شعرية راهنة. انها المسافة المحيرة اذن في قربها وبعدها في آن، وهي الفترة القلقة بيننا وبينه التي حفلت بجديدها الشعري وتنوعت بأساليبها ورموزها واتجاهاتها. غير انه الشاعر الشابي، تبقى عبارته الطالعة من داخل صادق، أنّى أتت قصيدته وكيفما بدا شكلها. ترعرع الشابي في بيئة عربية إسلامية. وكان ابوه من رجال القضاء الشرعي. وهو حفظ القرآن ودخل »جامع الزيتونة« يدرس علوم الدين واللغة والادب، كما التحق بالمدرسة التونسية للحقوق، فتخرج بشهادتها في القانون سنة 1930. تزوج وأنجب ابنين ولم ينضو قط في سلك او يلتحق بوظيفة، فذلك ما كانت تعافه روحه الحرة، ويكرهه ايضا قلبه المريض الذي أودى به باكرا، من علة فيه أسكتته في 9 تشرين الاول 1934. بداهة الشعر عرف عن الشابي افتتانه بأدب الغرب بعد ان ترامت اليه اصوات شعرية مجلية من شعراء المهجر في اميركا، وجماعة »الديوان« في مصر، ولاقت استحسانا عنده لما وجدت صدى في نفسه القلقة. كما عرّفه صديقان أديبان بشعراء فرنسا الرومانسيين وأشهرهم »لامارتين«، هذا الى شغفه في ما كان يترجم الى العربية في المشرق العربي من تأليف الاوروبيين. تأثر الشابي في يفاعته، هو الرقيق النفس، يقظ الحس، عنيد جريء الفكرة والقول، بالشعر العربي القديم ايضا، وبالمعري تحديدا الذي وجد في تشاؤمه ما يحاكي قلقه الداخلي ومزاجه المتقلب. قصيدة ابو القاسم الشابي »إرادة الحياة« كانت زادنا الشعري المدرسي ورفيقة أماسينا الدراسية في طفولتنا. لم يستهوني يوما ما كان يردده أستاذ العربية حينها كلما طالعتنا حصة العربية.. اذا الشعب يوما أراد الحياة/ فلا بد ان يستجيب القدر/ ولا بد لليل ان ينجلي/ ولا بد للقيد ان ينكسر/. اذ كانت هذه العبارات على رقتها، تتضمن تصميما وقوة وعنادا وعنفوانا تعافها طفولتي وتقصر عنها ولا ترى فيها مرتعها الخيالي. وكنت أتساءل في سري ماذا اذا أراد الشعب الحياة وله ان يفعل، كما من الطبيعي ان يستجيب القدر. ولم أكن كذلك على تماس روحي مع تحدي الليل في جلائه او القيد في انكساره!! بل كنت أصر على قصائد عند الشابي، يمر عليها أستاذ العربية سريعا، وفي ظنه انها لا تحدث الدوي او الاستجابة المطلوبة في قلوبنا الصغيرة. وكنت أعكف عليها وحدي كما في قصيدة: »صلوات في هيكل الحب« التي تقول: عذبة أنتِ كالطفولة، كالأحلام كاللحن، كالصباح الجديد كالسماء الضحوك كالليلة القمراء كالورد، كابتسام الوليد أنتِ ما أنتِ وأنتِ رسمٌ جميل عبقري من فن هذا الوجود فيكِ ما فيه من غموض وعمق وجمال مقدس معبود أو حين يقول: آه يا زهرتي الجميلة لو تدرين ما جدَّ في فؤادي الوحيد في فؤادي الغريب تخلق أكوان من السحر ذات حسن فريد وشموس وضاءة ونجوم تنثر النور في فضاء مديد وربيع كأنه حلم الشاعر في سكرة الشباب السعيد هذه الابيات الاثيرية الشفافة كانت تظل أكثر في خيالي عن شاعرها الذي لم يكد يستوطن الارض، بل حط عليها لخمسة وعشرين عاما ربيعيا.. وطار. ويبدو الشابي في قصائده التي كان فيها في بداهة الشعر أكثر من تجربته، وفي فلسفة الشعر أكثر من كونه نشاطا مجانيا، عميقا شاملا عالمي المرامي، عمل على أنسنة الشعر ومنحه سحر اختلاط الواقع والغرابة، كما التلقائية التي تتحكم بكل حالات الشاعر، سواء تلك التي يتحدى بها القيود على تنوعها، او يخاطب بها المرأة والحب. وماذا تعني التيارات الشعرية بالنسبة لشاعر لم يمكث طويلا لينضوي في احداها! وماذا تعني العناوين بالنسبة لشاعر حمل الحياة بكل ما فيها على راحتيه، وبسطها شعرا فكانت رمزية حينا، ورومانسية أحيانا كثيرة، ونضالية كما تبين في قصائد كثيرة، هو الذي تقصد ان يكون جديدا ومضيفا، حين في قاعة »الخلدونية« سنة 1928 ألقى الشاعر الشابي محاضرته الشهيرة التي حمل فيها النفس العربية كل الذنوب في تأخرنا عن مواكبة حضارة العصر. فنادى بتحرير الشعر العربي من كل ما يعتريه من قديم، والاقتداء بأعلام الغرب في الفكر والخيارات وأشكال التعبير. الرومانسية هذه المحاضرة عرّضت الشابي الى النقد من قبل العقول المحافظة في تعاطيها الثقافة والسياسة، التي نددت به في مجالسها، الامر الذي سبب ضيقا لنفس الشاعر فاتخذ من مجلة »ابولو« في القاهرة ملاذا ومكانا للنشر حيث عكف الشابي على إعداد ديوانه »اغاني الحياة« للنشر في القاهرة برعاية »ابولو« الا ان الموت عاجله. في إطلالة متأنية على ابو القاسم الشابي في استضافته في »كتاب في جريدة« نرى انه في شعره وفي حياته، أي في كل ما هو، قد تفلت من المدارس الشعرية والحياتية دون تفلته من رقة العاطفة التي تتداعى عبر قصائده من نفس شاعرة حقة. وهو عاود فعلا او قارب رومانسية بليك ونوفاليس وهوغو ولوتريامون. قاربها بخدر النفس والاحاسيس وان بقي على متانة الكلمة وموسيقاها الايقاعية التي تتجاوز عنده الشكل الشعري القديم، لتنال او تتغلغل في قلب الافكار والمعاني. جمال اللغة عند الشابي وموسيقاها الفائقة، من الايقاع الموزون والنغم المردد والصورة الجديدة في تشبيهها واستعارتها التي تقرن بين المتباعدات من الاحياء والاشياء. في قصيدته »الاشواق التائهة« نلمح التأثير الواضح للمعري في سأم الشاعر الشابي وعذابه: يا صميم الحياة إني وحيد مدلج تائه فأين شروقك يا صميم الحياة إني فؤاد ضائع ظامئ فأين رحيقك سأم هذه الحياة معادٌ وصباح يكرَّ في إثر ليل ليتني لم أفد إلى هذه الدنيا ولم تسبح الكواكب حولي ليتني لم يعانق الفجر أحلامي ولم يلثم الضياء جفوني ليتني لم أزل كما كنت ضوءاً شائقاً في الوجود غير سجين يبدو الشابي خارج المدارس المسماة في الشعر. وهو تخلى عن التأنق اللغوي الذي قال به الرمزيون، دون ان يتخلى عن التأنق الروحي الذي يحمي اللغة وتأنقها الفعلي. واذا كان شعره الحميم كثيفا، ثريا لا يداور ويطبق ببهجة على القلب مشددا الإسار حوله، فإن المشاهد الطبيعية والوجدانية والرؤى لا تني تبطن هذا الشعر وتنفتح على طاقة اللغة وأبعاد الايقاع والنغم. العبارة الرقيقة عند الشابي، دعوة مغرية للعين والاذن وذائقة الشعر المتلهفة. شعره حر طليق وان حدّته القوافي والتفاعيل. شعر الشابي فيه من القديم والحديث، وفيه من ذلك الخطف الذي يشبه عمره القليل. غير انه لكثافته يبقى ابدا في الحياة والنفس. والشاعر وان بقي شعره في إسار التفعيلة والقافية الصارمة، فهو عمل جاهدا على إظهار التناغم الخفي الذي يشد المعنى الى الشكل في صفاء شعري يختلف اختلافا كليا عن الشعر الصافي كما أراده فاليري. القصيدة عنده تتزيا بفن التصوير والموسيقى المعاصرين ولا تتحرر في الوقت نفسه من تماسك الفكرة التي تدور ابدا في فلك هذا الصفاء. جاء اختيار القصائد من توفيق بكار ملائما للاضطلاع على خصائص شعرية عند الشابي، تظهر بشكل مناسب مدى تنوعها وثرائها. كما بدت رسوم هذا العدد من »كتاب في جريدة« وكأنها مرآة صافية للشعر الشابي. الرسوم تفاصيل مقتطفة من أعمال مركبة أنجزها الفنان رشيد قريشي الذي ولد في الجزائر عام 1947، وشبّ في منطقة جبال الاوراس، ودرس الفنون الجميلة في الجزائر العاصمة وفي فرنسا. قريشي يعمل ويقيم في سيدي بوسعيد قرب العاصمة التونسية، ورسومه تعنى بروح الخط العربي وعلاماته وتصاميم المخطوطات الشعبية المغاربية وبالثقافة الصوفية، كما تتسم أعماله بالتحرر والحيوية وتجمع بين التقاليد القديمة والحداثة، وهي في مراوحتها في قلب الاسود والابيض، وفي تلك الرقة والزخرفة البالغة الدقة، والمتماهية تماما مع روح النصوص الشعرية، لما تحمل في حناياها على رقتها، ذلك التوهج والعناد المرسومين بريشة وروح بالغة الرفعة والصفاء. مع عدد »السفير« * يصدر/ في الاربعاء الاول من ايار ومعلوم ان »كتاب في جريدة« يصدر عادة مع »السفير« في الاربعاء الاول من كل شهر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة