في 27/10/1947 نظمت نازك الملائكة قصيدة »الكوليرا« عن هذا الوباء الذي انتشر في مصر حينذاك وراح يحصد الناس بالمئات، مستفيدة من طريقة شائعة في النظم منذ 400 سنة في جنوب العراق تدعى »البند«، وهو طراز من النظم يخرج على المألوف في شكل القصيدة ونشرت قصيدتها في مجلة »العروبة« الصادرة في 1 كانون الاول 1947. واعتبر النقاد ومؤرخو الشعر العربي، في ما بعد، هذه القصيدة بداية لحركة الشعر الحديث في العالم العربي. ومنذ ذلك التاريخ انطلقت نازك في نظم هذا الضرب من الشعر الذي يتوسط النثر والنظم معا، وتخلت عن الشكل التقليدي للقصيدة ذات المصراعين. وقد أثارت قصة الريادة في الشعر الحديث سجالا واسعا ونقاشا محموما في صفوف الشعراء والنقاد. فهاجم عبد الوهاب البياتي قصة ريادة نازك الملائكة معتبرا نفسه الرائد الحقيقي للشعر الحر. واعتبر الدكتور إحسان عباس ان قصيدة بدر شاكر السياب »هل كان حبا« في ديوان »أزهار ذابلة« تجعله الرائد الحقيقي للشعر الحديث. وتعصب النقاد والشعراء لهذا الثلاثي الشعري: السياب والبياتي والملائكة، وحصروا الريادة في واحد منهم بالتتابع. ولا ندري لماذا استبعدوا بلند الحيدري وهو الذي نشر ديوان »خفقة الطين« سنة 1946 وكان »حديثا« بكل معنى الكلمة في مضمونه لا في شكله. إذا كان المقصود بالريادة في الشعر الحديث هو من كان السابق الى إنضاج تجربة شعرية جديدة، ومن هو المبادر الى إقامة معماره الشعري الجديد والمتجدد فعلا، فإن الريادة تنحصر، حقا، في نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي، واستطرادا في بلند الحيدري وربما نزار قباني وعلي احمد باكثير. أما اذا كان المقصود بالريادة هو من السابق، زمنيا، الى مثل هذا النوع من الشعر، ففي ذلك تفصيل وكلام مغاير. فقد بات من الثابت ان الشاعر السوري الراحل مصطفى البدوي كتب قصيدة التفعيلة منذ سنة 1942، لكن لضعف الصحافة السورية وقلة انتشارها آنذاك لم يسمع بها الكثيرون، بل ربما لم يقرأها أحد. وفي السياق نفسه نشر الشاعر السوري أورخان ميسر ديوان »سريال« سنة 1947 وهو من الشعر الحر أيضا. ومن البدهي ان قصائد هذا الديوان نُظمت قبل سنة 1947. وكان الشاعر اللبناني فؤاد الخشن نشر، أيضا، قصيدة من قصائد التفعيلة في سنة 1945 أي قبل نازك الملائكة بسنتين بعنوان: »الى ملهمتي«. وأبعدُ من هذا، نظم الشاعر السوري الدكتور علي الناصر منذ سنة 1928 قصائد تحررت من الشكل التقليدي للقصيدة، ومن القافية أيضا. وراح ابتداء من سن 1931 يكتب قصائد نثرية تماما جُمعت، في ما بعد، في مجموعة بعنوان: »ديوان الظمأ«. وهذا الشاعر الطبيب الذي وُلد سنة 1890 ومات مقتولا في عيادته بحلب، في ظروف غامضة، سنة 1972، هو مَن يجب ان يكون، بالحق، رائد الشعر الحديث من الناحية الزمنية. هذا إذا أغفلنا أمين الريحاني الذي كتب قصيدة »الحياة والموت« في سنة 1905 متأثرا بالشاعر الأميركي »والت ويتمان« الذي كان اول من نادى بالشعر الحر في الغرب. غير ان تجربة أمين الريحاني كانت معزولة. وهو، في أية حال، لم يكن شاعرا يؤرقه هاجس الابداع في هذا المجال. وهناك أيضا علي أحمد باكثير الذي نظم الشعر الحر منذ سنة 1935 في مسرحية »اخناتون ونفرتيتي«، فضلا عن الشاعر السوداني محمد أحمد المحجوب الذي كتب قصيدة من الشعر الحر سنة 1935 بعنوان »آدم الصغير« احتفاء بميلاد ابنه سامي. وكذلك كتب نزار قباني قصيدة »اندفاع« في سنة 1943، وهي أيضا من الشعر الحر، ونشرها، في ما بعد، في ديوان »قالت لي السمراء« الذي صدر في سنة 1944. وغير بعيد من ذلك لويس عوض في ديوان »بلوتولاند« المنشور في سنة 1945، والشاعر السوداني عبد الله الطيب في قصيدة »الكأس التي تحطمت« التي كتبها في نيسا ن 1946. لا أول في الشعر أبدا. لأن مفهوم الأول نقيض للإبداع في الشعر؛ فالأول نوع من محاكاة الخالق الأول. فهو، إذاً محاكاة وليس إبداعا. يقول أدونيس: »القيمة الفنية لا تكمن في البدء الزمني. بشار بن برد بدأ التجديد في الشعر العربي، لكن ابو نواس الذي جاء بعده هو الأهم. والشاعر لوي بيرتراند هو أول من كتب قصيدة النثر في الشعر الفرنسي، لكن مالارميه ورامبو وبودلير أهم منه بما لا يقاس. ان الاسبقية الزمنية لا تتضن الأسبقية الابداعية«. سيرة شخصية وُِلدت نازك الملائكة في حي العاقولية ببغداد في 23/8/1922 لعائلة متنورة ومنفتحة على الأفكار التحررية التي كانت تعصف بالعواصم العربية في ذلك الوقت. وسُميت ب»نازك« تيمنا بنازك العابد رائدة النهضة النسائية في سوريا. كانت تنتمي الى عائلة شرعت في خلع عباءتها التقليدية و الانخراط في روح العصر؛ ففي عشرينيات هذا القرن بدأ النمط التقليدي الراكد للتجارة يتدهور لمصلحة صعود دور الدولة الرأسمالية ومؤسساتها الحديثة التي اطلق الانتداب الانكليزي عقالها. وصار الترقي في مناصب الدولة أكثر أهمية ونفوذا من الوجاهة التقليدية. انها البرجوازية العراقية الناشئة التي كانت تُلقي وراءها إرث التقاليد وتنطلق الى الأخذ بالأفكار التنويرية والعلمية. وليس صدفة ان يتخلى والدها صادق الملائكة عن اسم العائلة التقليدي (آل الجلبي) ذي التراث العريق في عالم التجارة ليختار اسم »الملائكة« الذي لا يوحي بأي مجد، وقد أطلق عليهم هذا اللقب الشاعر العراقي عبد الباقي العمري. وأدى تغير الوضع الاقتصادي للأسرة الى تبدل في نمط تفكيرها وتقاليدها السابقة، فصارت نساء الأسرة يتجهن الى العمل خارج جدران البيت. ومع المشاركة في العمل والوظيفة بدأ التحرر من مظاهر القيود المفروضة على المرأة وأولها الحجاب والعباءة السوداء، وكانت نازك من أوائل البنات اللواتي تركن العباءة. ولا شك في أن والدها هو الذي شجعها على ترك الحجاب، ولولاه لما استطاعت أن تقدم وحدها على هذه الخطوة. وإمعانا في تحدي هذا التقليد اشترى لها والدها قبعة لتضعها على رأسها بدل العباءة وخرج برفقتها خشية أن يتعرض لها أحد بالأذى. لم تكن الأسرة التي نشأت نازك الملائكة في احضانها محافظة بل منفتحة على التعليم والموسيقى والفن. فوالدها كان من جيل النهضة العربية وأحد المهتمين بالأدب والشعر والفقه، وله مجلس كان يحضره الأدباء والمتفقهون ومثقفو بغداد في تلك الفترة. ووالدتها سليمة الملائكة (1909 1953) كانت شاعرة شديدة الاعجاب بجميل صدقي الزهاوي المعروف بأفكاره التقدمية ودعوته الى نبذ التقاليد البالية والتوجه نحو علوم العصر والعمل على اعطاء المرأة حريتها وتعليمها، وكانت توقع قصائدها باسم »أم نزار الملائكة«، ونشرت أول قصيدة لها، وهي مرثية للزهاوي، في مجلة »الصبح« في 11/4/1936 وكان مطلعها: أجهشَ الشعرُ باكيا ينعاكَ حين داعي الموت دعاكَ وللشاعرة »أم نزار الملائكة« ديوان بعنوان: »أنشودة المجد«. وأخوها جميل الملائكة، أي خال نازك، شاعر وأديب أيضا. وجدها لوالدتها هو محمد حسن كبة وهو شاعر وعالم ديني. وجدتها لوالدتها تدعى هداية محمد حسن كبة كانت شاعرة وتوقع قصائدها باسم »أم عبد الصاحب الملائكة«. وزوج أختها احسان هو الفنان علي الشعلان. وهي نفسها تزوجت في 1/6/1961 الدكتور عبد الهادي محبوبة رئيس جامعة البصرة في ما بعد، وأنجبت في 23/10/1962 ابنها الوحيد: براق الذي حاز الدكتوراه في الأدب الانكليزي من جامعة اريزونا في الولايات المتحدة. انتقلت عائلتها ولها سبع سنين من وسط بغداد الى حي الكرادة حيث البساتين والخضرة ونهر دجلة والحيوانات البرية والافاعي، فعاشت طفولة مرحة ولاهية. لكنها بدأت، بسبب تفوقها الدائم على أقرانها واحساسها بالاختلاف عن سائر الفتيات اللواتي في سنها، تميل الى العزلة رويدا رويدا. وعندما بلغت السادسة عشرة راحت ترى في العزلة »فضيلة الشاعر«، فنبذت المجتمع وانطوت على نفسها. أنهت دراستها الثانوية سنة 1939 والتحقت بدار المعلمين العالية فرع اللغة العربية، ودرست على الدكتور محمد مهدي البصير والدكتور مصطفى جواد وهما رائدان من رواد التجديد في العراق. وكان من طلاب الدار في فترات متفاوتة عدد من الشعراء الشباب ممن لمعوا في فضاء الشعر العربي أمثال لميعة عباس عمارة وبدر شاكر السياب ومحمود البريكان وعبد الوهاب البياتي. وقد أقبلت على نظم الشعر منذ سنة 1941 بحيث تعتبر هذه السنة بداية نضجها العاطفي والفني. وفي أثناء دراستها في الدار التحقت سنة 1942 بمعهد الفنون الجميلة ودرست العزف على العود على الفنان الموسيقار محيي الدين حيدر، ثم التحقت بفرع التمثيل لكنها لم تستمر فيه طويلا لأن أوقات دراسة العود تعارضت مع أوقات دراسة التمثيل. كذلك درست الانكليزية والفرنسية واللاتينية. تخرجت نازك في دار المعلمين العالية سنة 1944 وعملت فور تخرجها في التدريس. وفي سنة 1947 نشرت ديوانها الاول »عاشقة الليل« ثم أتبعته بديوانها الثاني »شظايا ورماد« سنة 1949. وفي سنة 1950 حصلت على زمالة دراسية لسنة واحدة من مؤسسة روكفلر. وفي 25/9/1950 سافرت وحدها الى بريطانيا ومنها الى جامعة برنستون. توفيت والدتها في 26/6/1953 فكان لهذا الحادث وقع كبير عليها، لكنها تخطت آثاره وسافرت ثانية في 2/9/1954 للالتحاق بجامعة وسكنسون فحصلت على الماجستير سنة 1956 لتعود الى بغداد في 30/9/1956 وتعمل معيدة في كلية التربية بجامعة بغداد في 12/9/1957. وفي هذه السنة نشرت ديوانها »قرارة الموجة«. أمضت سنة في لبنان (1959 1960) كانت موضع حفاوة وتكريم من الأدباء والنقاد والصحافة، ثم تنقلت بين بغداد والبصرة منصرفة الى التدريس بعدما كانت منصرفة الى الدراسة. وفي سنة 1968 نشرت ديوان »شجرة القمر«، وغادرت الى الكويت مع زوجها الدكتور عبد الهادي محبوبة سنة 1969 للتدريس في جامعتها، وبقيت فيها حتى 15/2/1987 حين عادت للسكن نهائيا في حي العامرية ببغداد. وفي هذه الاثناء نشرت، تباعا، دواوينها الاربعة التالية: »مأساة الحياة وأغنية الانسان« (1970)، »للصلاة والثورة« (1977)، »يغير ألوانه الحجر«، »الصومعة والشرفة الحمراء«. كذلك نشرت دراسة في »شعر علي محمود طه« لاقت استحسانا من بعض النقاد، وهجوما من البعض الآخر، وثلاث دراسات: الاولى بعنوان »قضايا الشعر المعاصر« والثانية بعنوان »التجزيئية في المجتمع العربي« (1974) والثالثة بعنوان »سيكولوجية الشعر« (1993). المرأة الغامضة في حياة نازك الملائكة مجموعة من الأسرار تلتف على نفسها كغابة استوائية: ما سر هروب الشعر منها؟ ما سر هذا الجفاف العاطفي الذي أطبق على سيرتها الانسانية ومسيرتها الشعرية وهي الفتاة المتعلمة المتفتحة والمتنورة؟ ما سر انطوائها واعتكافها وعزلتها؟ كانت نازك الملائكة ميالة، منذ طفولتها، الى الانعزال عن أقرانها. وفي أيام الشباب تأثرت بفلسفة شوبنهاور المتشائمة. لكنها بعد الثلاثين، ولا سيما في الولايات المتحدة، تغيرت، وصارت تجد سعادة في الصداقة ومعرفة الناس. غير انها لم تلبث ان انتكست وعادت الى عزلتها بعد عودتها الى بغداد. ماذا جرى لها إذاً؟ وأي سر يطويه صدرها الذي انطبق على خافق صامت معذب؟ ربما كانت مثالية والدتها السبب في احزان ووساوس رافقت نازك وشاعت في قصائدها؟ هذه الوالدة التي تكبر ابنتها بثلاث عشرة سنة فقط، وهي التي تزوجت صغيرة وأنجبت غريرة وماتت شابة. وهذه المثالية جعلت تفكير نازك ينفر من قضايا الجنس والزواج. وكانت تؤمن بالحب المثالي العذري الذي يقاسي فيه المحب اللوعة والعذاب من غير ان يتمكن من الوصال، فالوصال، في نظرها، يحوِّل الحب المتسامي الى أمر مادي. وعلى هذا المنوال عاشت نازك بلا قصة حب معروفة او حالة عشق معهودة. غير ان الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة تؤكد ان نازك الملائكة خاضت اكثر من تجربة في الحب. واحدى هذه التجارب كانت ملتهبة ومفعمة بالعشق »كأنها من قصص ألف ليلة وليلة« (مذكرات لميعة عباس عمارة، جريدة »الشرق الاوسط«، 25/9/1996). وتضيف لميعة عباس عمارة ان نازك الملائكة كتبت قصيدة »الخيال والواقع« استناداً الى احدى تجاربها. وفي هذه القصيدة تخاطب صديقتها لبيبة القيسي التي احبها بدر شاكر السياب وكان يذكرها في أشعاره باسم »لباب«، قائلة: رحمةً، لا تنزليني من سمائي واتركيني في خيال الشعراءِ قصة الإثم وأنباء المجونِ لا تقصّيها على قلبي الحزينِ مرت نازك الملائكة بفترة إلحاد وتشكك فظيعة بين العامين 1948 و1955، ثم أنهكها التناقض التاريخي للمرأة التقليدية: ان تكون ملتصقة الساقين دائماً قبل الزواج لتكون مرفوعة الساقين أبداً بعده، وان تكون صقيعاً قبل الزواج لتصبح لهباً بعده، فتزوجت في سنة 1961 وكفت حياتها الانسانية عن التجدد؛ فصارت »لا تلبس الحذاء بكعب عال لئلا تكون اطول من زوجها القصير... وزوجها وبخها مرة بعد ان عادت من صالون الحلاق قائلا: لا اصدق كيف تضع امرأة مؤمنة رأسها بين يدي رجل« (لميعة عباس عمارة، المصدر السابق). قبل النهاية في حزيران 1992 منحتها جامعة البصرة شهادة الدكتوراه الفخرية، فلم تتمكن من حضور الاحتفال بسبب مرضها. وعندما كانت في الولايات المتحدة كانت تتردد على عيادة احد الاطباء النفسانيين، وكانت تتناول الكثير من الحبوب المهدئة التي تبعث فيها الخمول فتميل الى الرقاد وتجعل مشاعرها فاترة هادئة فلا تنفعل. ما سر هذا المرض؟ أهو السكري فقط؟ أحسب انه مرض الاعصاب الذي راح يتفاقم حتى اوقفها عن الكتابة وألجأها الى الرقاد. وصارت تعاني، فضلا عن الخمول، زيادة في الوزن. وفي تموز 1994 نُقلت على عجل من بغداد الى مدينة الحسين الطبية في عمان بالاردن بعد ان اصيبت بعوارض جلطة سببت لها شللاً بسيطا في بعض اعضائها. ومنذ ذلك الوقت عاشت عزلتها الثانية في عمان ثم في القاهرة، وهي التي كانت في سبات أشبه بالموت منذ ان مات والدها صادق الملائكة في 7/5/1969. وبموته انتهت مرحلة كاملة من عمرها. كان البيت الكبير يجمع عائلة كبيرة، وفيه ذكريات الشعر والادب، والاعياد والمناسبات، وحكايات الافاعي والشياطين والجن والسحرة. وبموت والدها بيعت الدار الكبيرة فذهبت هباءً كل الحكايات والذكريات، وولى عمر الشباب وذكريات الطفولة، فانخلعت عن ماضيها انخلاعاً كاملا، وراحت في غياب طويل عن الشعر والادب والنوادي والناس. وكان يتخلل هذا الغياب استفاقة هنا واستيقاظ هناك. ثم راحت تصارع امراضها في بلد مسيّج بالحصار يصارع أقداره وحصاره وأمراضه حتى غابت كقمر شتوي.