لأسابيع قليلة خلت كان موضوع اقامة »جيب آمن« او »محمية طائفية« في جنوب العراق حكرا على احاديث المقاهي ومناقشات الصالونات وأقرب الى نمط ذائع من الشائعات والتوقعات التي يتناقلها المعارضون العراقيون وبعض المسؤولين الحاليين او السابقين العرب. ومع زيارة »كولن باول« الى دول الخليج التي استبقت انعقاد مؤتمر القمة العربية في عمان خرجت بعض الصحف الكويتية لتؤكد (ان موضوع اقامة جيب آمن لحماية العرب الشيعة في جنوب العراق من قمع النظام قد نوقشت بجدية وعلى أعلى المستويات) ثم جاء دور مجلة الحوادث في عددها الاخير لتعلن أن الاميركيين عرضوا على مؤتمر القمة العربي اقتراحا يقضي بإقامة محمية في ما سمي »خاصرة العراق الرخوة على الفرات« وربما يقصدون في محافظة الرمادي خاصة بالعراقيين العرب السنة. وفي هذه الآونة قام احمد الجلبي رجل اميركا الاول في المنظمة التي تسمى »المؤتمر الوطني العراقي الموحد« بزيارة الى إيران لمناقشة موضوع المحمية الجنوبية مع القيادة الايرانية ومع بعض الاطراف العراقية المعارضة المقيمة في طهران ونعني تحديدا حزب »المجلس الاعلى للثورة الاسلامية« وقد قيل في بداية الامر ان القيادة الايرانية قد رفضت الموضوع وان الجلبي عاد خائبا من هناك الى مقره الدائم في لندن غير ان الأيام التالية ومصادر اخرى اكدت ان زيارة الجلبي لم تفشل بدليل انه ترك هناك سكرتيره الخاص لمتابعة الموضوع والاجراءات العملية الخاصة به وان الايرانيين لم يرفضوا الاقتراح الاميركي تماما ثم تسربت أخبار مصدرها مجموعات اسلامية ووطنية تنشط في جنوب العراق وعلى الحدود مع إيران لتؤكد أن تنسيقا عمليا يجري بين عناصر من المجلس الاعلى »الحكيم« والمؤتمر الموحد »الجلبي« تحت يافطة وكالات إغاثة اللاجئين العراقيين وخصوصا في مدينتي الاهواز وطهران حيث يقيم مئات الآلاف من اللاجئين العراقيين لتمرير وتنفيذ بعض الاجراءات العملية الخاصة بمشروع المحمية الطائفية في جنوب العراق. وفي يوم 2/4/2001 قام الشيخ محمد بحر العلوم احد المقربين من الشيخ الحكيم والعضو السابق في الامانة العامة لمنظمة »المؤتمر الوطني الموحد« بإطلاق أول بالون اختبار علني حول الموضوع عبر مقالة مطولة نشرت في احدى الصحف العربية اليومية »الحياة«، دافع فيها عن مشروع اقامة المحمية وأعطاها اسمها الحقيقي »المحمية« ولكنه طالب بأن تشمل اضافة الى جنوب العراق اقليم الفرات الاوسط، ولنا عودة الى مقالة الشيخ بحر العلوم بعد قليل. وفي اليوم التالي وعلى الصفحة الاولى من الجريدة ذاتها يعلن رئيس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية الشيخ محمد باقر الحكيم ان لا علم له بموضوع المحمية الاميركية في جنوب العراق ولكنه يدعو الى حوار مباشر مع الولايات المتحدة الاميركية، وبتحديد اكثر يطالب الحكيم بمباحثات مباشرة مع وزير الخارجية الاميركة كولن باول. ان الجديد الذي جاء في مقالة بحر العلوم سالفة الذكر يتلخص في أمرين: الاول يمكن اعتباره تزيني وتسويغي لمخطط التقسيم يقوم على دمج المخطط بشعار تعبوي يطالب اصحابه بمحاكمة الرئيس العراقي صدام حسين ورموز قيادته، الامر الذي ينطوي على تفريط بسيادة العراق وكرامة شعبه بوصفه صاحب الحق الاول والوحيد بمحاكمة حكامه على ما ارتكبوه بحقه وعلى فتح لباب لن يتسع لأحد إغلاقه في ما بعد سيؤدي لفرض مجموعة حاكمة جديدة موالية للاميركيين وغيرهم. الامر الثاني هو مطالبة بحر العلوم ومن يشاركه قناعاته بتوسيع النطاق الجغرافي للمحمية الاميركية لتشمل اضافة الى الجنوب اقليم الفرات الاوسط. ان هذا المطلب ينزع آخر قناع »دبلوماسي« عن المخطط التقسيمي ويعطيه اسمه الحقيقي بوصفه مخططا معاديا لتقسيم العراق طائفيا الى ثلاثة أقسام: شيعي في الجنوب والفرات الاوسط وقسم سني في الوسط وكردي في الشمال فمحاولة بحر العلوم تمديد النطاق الجغرافي للمحمية ليشمل اقليم الفرات الاوسط الهدف منه إدخال المدن المقدسة الشيعية الثلاث: النجف وكربلاء والكوفة ضمن المحمية الجنوبية وضمان سيطرة أصدقاء الاميركيين على المركز الروحي للمسلمين الشيعة تمهيدا لإعطائها الصبغة الطائفية السياسية الثابتة في ما بعد. لقد كررنا في مناسبات سابقة ان هذا التقسيم »الغرباوي« للعراق ليس حقيقيا من الناحية الديموغرافية، وقدمنا دلائل مستقاة من جغرافية وتاريخ العراق وتدحضه تماما ولكننا اليوم أمام سؤال/ وضع، جديد ومختلف: فاذا كانت هناك مدن وبلدات سنية في أقصى الجنوب كمدينة الزبير وأبو الخصيب، واذا كان اكثر من ثلاثة أرباع العاصمة بغداد من العرب الشيعة، فان هذا الواقع يمكن تغييره من خلال عملية قيصرية بقوة السلاح الاميركي وتنفيذ عملية فصل وتهجير على أسس طائفية واسعة النطاق على الطريقة البلقانية. والاكيد ان حلفاء اميركا في المعارضة العراقية لن يستطيعوا الوقوف في وجه أميركا وخطتها التقسيمية هذه، حتى لو أرادوا، لان عملية كهذه لها آلياتها وميكانزماتها التي لا تخضع للنوايا والرغبات. ان مما يزيد من خطورة هذا المخطط حزمة عوامل من أهمها: الارضية الاجتماعية المهيأة بفعل القمع الحكومي الطويل الذي بلغ ذروته في تشريد مئات الآلاف من سكان المنطقة الجنوبية (منطقة الاهوار) وهم جميعا من القبائل العربية الشيعية عميقة الجذور في السهل السومري العريق والذين يعيش أغلبهم حاليا حياة تشرد قاسية على الحدود الدولية بين العراق وإيران. ان استمرار فرض الحصار الشامل على العراق وإصرار النظام على الاساليب القمعية وتمادي أغلب أطراف المعارضة العراقية في التعويل على الطرف الخارجي وهو الاميركي البريطاني تحديدا هي من العوامل التي سيكون لها مفعول عميق على المدى القريب، وعليها انما يعول الاميركيون وحلفاؤهم، غير ان هناك عوامل اخرى قد تكون في طور الكمون والخفوت في الوقت الحاضر ولكنها، وبمجرد اندراج المخطط التقسيمي على أرض الواقع، ستتحول الى دوافع ومحركات حقيقية لنهوض وطني عراقي شامل لن ينتهي وحسب بالاطاحة بالدكتاتورية ولكنه سيفتح جرد الحساب العميم مع كل من ساهم في إيذاء وتعذيب شعب العراق وتطاول على سيادته وثرواته ايضا. ان العوامل المضادة لتقسيم العراق الى محميات طائفية متذابحة تمتح وتستمد قوتها ومبررات وجودها من تاريخ العراق الألفي عميق الجذور، ومن روح المقاومة وعدم الرضوخ للهيمنة الاجنبية التي تجد صداها وتفاصيلها المروعة والباسلة في عشرات الثورات والانتفاضة ضد الغربيين بل وحتى ضد الأتراك العثمانيين طوال قرون خلت. ومن المؤسف تماما ان تنساق قوى عراقية معارضة ودول اقليمية خلف هذا المخطط التدميري، فبقليل من التبصر والعقلانية ستجد هذه القوى نفسها بعد تنفيذ المراحل الاولى من هذا المشروع أمام واقع يفقأ العين يمكن تلخيص سيمائه السياسية العامة بالعناصر التالية: حرب أهلية من الطراز الأفغاني. مجازر رهيبة في الجنوب والفرات الاوسط. تدمير العمق الاستراتيجي الذي مثله طوال عقود وعقود وما زال يمثله العراق لسوريا ولبنان والانتفاضة الفلسطينية. نشوء وضع خطير على المستوى الاقليمي قد يدفع بالنظام المحرج والمحاصر وتحت شعار »عليّ وعلى أعدائي« لتوجيه ضربة عسكرية لإحدى دول المنطقة. خلاصة القول: ان خطة الادارة الاميركية موضوع الحديث أخطر بكثير مما يتصوره المخططون او المنفذون لها والسبب هو ان لكل خطة من هذا النوع والحجم ميكانزماتها الخاصة غير الخاضعة للسيطرة، والتي قد تتحول بقوة فعل الأشياء، من تيار أريد له ان يكون محسوبا، الى طوفان لا يبقي ولا يذر سيغرق المنطقة كلها بالخراب والفتن والفوضى. والثابت هو ان الوطنيين العراقيين وعلى اختلاف مشاربهم السياسية من اسلاميين وقوميين ويساريين وليبراليين لن يقفوا مكتوفي الايدي وهم يرون الى بلدهم يقسم طائفيا وإثنيا، من أجل تصفية حسابات بين »الكبار«. (*) كاتب عراقي مقيم في جنيف.