عاد الامين العام السابق »لجبهة التحرير الوطني« الجزائرية محمد الشريف مساعدية الى الواجهة السياسية أمس بانتخابه رئيساً لمجلس الأمة خلفاً لبشير بو معزة الذي استقال مؤخراً، في مؤشر على تزايد نفوذ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بعودة بروز الحرس القديم من قادة الحزب الذي انفرد بحكم الجزائر منذ الاستقلال حتى العام 1988. وبذك يكون الرئيس بوتفليقة قد نجح في خلال اقل من عامين من رئاسته في إحداث تغيير ملائم لسياساته الداخلية والخارجية في الحكومة والبرلمان. وكان بومعزة قد اختلف منذ أسابيع عدة مع الرئيس بوتفليقة بخصوص تسيير مجلس الأمة. وانتخب مساعدية الذي كان مرشحا وحيداً برفع الأيدي (127 صوتاً) من قبل نواب الائتلاف الحكومي (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديموقراطي) وكذلك من النواب المعينين من رئيس الدولة والذين يمثلون ثلث نواب المجلس. وكان بومعزة قد أدلى بتصريحات صحافية الاربعاء الماضي وصف فيها نواب الائتلاف الحكومي ب»الانتهازية«. وأعلن بومعزة، الذي رفع شكوى أمام المجلس الدستوري، مراراً انه لن يتخلى عن هذا المنصب ما لم يعلن مجلس الأمة موقفه من شرعية الإجراء الذي يرمي الى تعيين رئيس جديد على رأسه. وعارض بومعزة، وهو من القادة التاريخيين في جبهة التحرير الوطني، والذي انتخب قبل ثلاث سنوات لولاية من ستة اعوام على رأس مجلس الامة، التجديد لرئيس المجلس بمناسبة التجديد الجزئي لنوابه بعد مرور ثلاث سنوات. ونشب صراع عنيف وخفي منذ اشهر بين الرئيس بوتفليقة وبو معزة الذي رفض الاستقالة لإفساح المجال امام مساعدية ليصبح ثاني شخصية في النظام بعد رئيس الدولة. وبرر بومعزة رفضه بأن هذا الإجراء غير مطابق للدستور وأن رئيس الدولة يبرهن بذلك على »استغلال للسلطة« وفرض »نظام شخصي«. يشار الى ان علاقة الرجلين لم تكن قط جيدة حيث تعود خلافاتهما الى فترة ما بعد الاستقلال عندما اختار بو معزة المنفى اعتباراً من سنة 1966 وحتى العام 1979 بينما تولى بوتفليقة منصب وزير الخارجية طوال هذه الفترة وانتخب في نيسان 1999 رئيساً للبلاد. وأصبح بو معزة (74 سنة) بعد استقلال البلاد سنة 1962، وزيراً وأيد الانقلاب الذي نظمه وزير الدفاع آنذاك العقيد هواري بومدين للإطاحة بالرئيس احمد بن بلة عام 1965، قبل ان يختار المنفى بعد اشهر عدة ولم يعد الى البلاد حتى وفاة الرئيس بومدين، بينما كان مساعدية طوال مشواره السياسي في جهاز الحزب الواحد وتولى منصب الامين العام من 1980 حتى اندلاع الاضطرابات الدامية في تشرين الأول 1988 التي أدت الى قيام التعددية الحزبية في الجزائر. ومساعدية يعتبر ايضاً من الحرس القديم مثل الرئيس بوتفليقة، وعمل الرجلان معاً في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين. وأيّد مساعدية بوتفليقة في مساعيه لخلافة بومدين، في مواجهة محمد صالح اليحياوي. وتم آنذاك التوصل الى تسوية اختير على أساسها الشاذلي بن جديد رئيساً للبلاد كحل وسط. ويعتبر المراقبون في الجزائر، ان اعادة مساعدية لا تستهدف بومعزة شخصياً، بل تهدف الى اعادة اعطاء مساعدية دورا قويا، خصوصاً انه بمنصبه الجديد، يصبح تلقائياً الذراع الأيمن للرئيس. ويبدو ان الرئيس الجزائري يسعى الى تحقيق تبدلات في التوازنات الداخلية، في مواجهة معارضة قوية يتعرض لها من جانب القوى السياسية، خصوصاً التي نشأت بعد العام 1988، ومن اطراف في الجيش. وتعتبر هذه الخطوة الرئيسية الثالثة لبوتفليقة في سياق تثبيت حكمه في بلد يعاني من حرب داخلية وبلبلة سياسية عميقة منذ سنوات عديدة. وكانت الخطوة الاولى هي الاعلان عن قانون الوئام المدني الذي يتيح المجال للتائبين من الجماعات الاسلامية للانخراط في الحياة العامة كنقطة انطلاق نحو حوار وطني شامل. أما الخطوة الثانية فكانت تعيين مدير مكتبه علي بن فليس رئيساً للوزراء. وتتحدث اوساط جزائرية عن احتمال اجراء تعديل واسع على حكومة بن فليس قد يطال وزارات رئيسية. الى ذلك، قالت صحف جزائرية امس ان قوى الامن قتلت الاربعاء اربعة اسلاميين مسلحين في ضاحية الجزائر العاصمة وفي تيزي وزو (100 كلم شرق العاصمة). وقالت »لاتريبون« ان قوى الامن قتلت اسلاميين مسلحين اثنين في الحميز بضواحي العاصمة. وقتل اسلاميان آخران في اشتباك مع دورية للجيش الجزائري في بوغني بالقرب من تيزي وزو في منطقة القبائل حسب ما افادت صحيفة »لكسبرسيون«. (ي ب، أ ف ب)