مع غياب الإمام المغفور له الشيخ محمد مهدي شمس الدين يدخل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى منعطفا في مسيرته الثقافية والوطنية. فقد منح الإمام شمس الدين هذه المؤسسة حضورها على كل من الصعيد الوطني والفكري والثقافي، وكانت مواقفه هي التعبير عن الوحدة في مفهومها الوطني كتراث تاريخي متفاعل في ظل وحدة الثقافة الجامعة لبلاد الشام. وهكذا انطلقت مواقفه الوطنية من عمق الرسالة. ولأنني عايشت مرحلة ولادة المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في نهاية عام 1967 ومارست مهمات في فترة الستينيات في دار الفتوى والمجلس الشرعي الاسلامي، فقد استعدت مع وفاة الإمام الشيخ محمد شمس الدين رحمه الله مسيرة أفكار تتعلق بدورنا كمسلمين في إطار المفهوم الوطني في مسيرة الدولة كنا دائما نتبادل الحديث حولها. لذا ونحن نمر في مرحلة من عمر الدولة اللبنانية تستفيق فيها التطلعات الطائفية والعنصرية نحو حضورها في الدولة دون حضور الدولة فيها، لا بد من ان نستعيد مسيرة تأسيس كل من المجلس الشرعي الاسلامي الاعلى للطائفة السنية والمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وذلك في ظل الانظمة والقوانين التي ورثتها سلطة الانتداب من الدولة العثمانية وفي ظل نمطية التعاطي السياسي مع هذه الأنظمة. أولا: هل ثمة أنظمة تعبر عن استقلال المسلمين عن انظمة الدولة اللبنانية. مقدمة تاريخية أساس الصلة بالدولة هي الأوقاف الاسلامية والوظيفة الدينية ورثت حكومة الانتداب من الدولة العثمانية مؤسسة الاوقاف الاسلامية في لبنان وسوريا والتي كانت منظمة بقانون نظارة الاوقاف العثماني. وقد نظمت حكومة الانتداب احكام قانون نظارة الاوقاف العثماني بالقرار رقم 753 الصادر بتاريخ 2 آذار 1921 تحت عنوان: »إدارة ومراقبة الاوقاف الاسلامية«. وهذا القرار هو الاساس الذي بني عليه في ما بعد المرسوم الاشتراعي رقم 18 الصادر في 13 كانون الثاني 1955 مع التعديلات المؤخرة على بعض مواده من قبل المجلس الشرعي الاسلامي الاعلى بموجب القرار رقم 5 تاريخ 2 آذار 1967 والمنشور في الجريدة الرسمية. ومن المفيد ان نذكر مقدمة القرار 753 الصادر بتاريخ 2 آذار 1921: »بما ان الذين وقفوا الاوقاف من المسلمين قد قصدوا بذلك الخير والتقوى فأوقافهم هي دينية اسلامية محضة لا يجوز ان يديرها إلا المسلمون. وبما ان الشريعة الاسلامية التي تدار الاوقاف بموجبها بأن تصرف ايرادات الاوقاف على ما وقفت له طبقا لشرط الواقف، وبما ان مراقبة الأوقاف كان يقوم بها قبل احتلال الحلفاء العسكري نظارة الاوقاف بالنيابة عن الطائفة الاسلامية وباسم السلطان.. وبالنظر لهذه الخصوصيات ينبغي ان تحافظ ادارة الاوقاف على استقلالها ومميزاتها الخصوصية لا سيما ان يقوم افراد مقتدرون من الطائفة الاسلامية مرتبطون رأسا بالقوميسارية العليا للجمهورية الفرنساوية في سوريا ولبنان. وبناء على اقتراح المستشار للشؤون العقارية ورئيس القلم السياسي، ان هذه المقدمة هي التي تحدد ميزات وخصائص الأنظمة التي صدرت طبقا للقرار 753/21 تنطلق من الاعتبارات التالية: 1 ان المحور الاساسي لاصدار القرار 753/21 هي الملكية العقارية للوقف الاسلامي الذي يجب فيه احترام شرط الواقف. 2 ان هذا القرار يدخل ضمن الانظمة العقارية للدولة وبالخصوص نظام الملكية العقارية الذي يبنى على احترام ارادة المواقف كجزء من احترام حرية التملك ولذلك فإن هذا القرار يرتبط بالقرار 3339 الخاص بالملكية العقارية المادة 195. 3 ان التنظيمات الواردة فيه تحدد آلية التصرف بالعقار الوقفي من الوجهة الشرعية والقانونية. ولذلك فاللجان المعينة لهذا الغرض تتولى مهمتين اثنتين: أ مهمة إدارية تخضع مباشرة لسلطة الدولة. ب مهمة تطبيق احكام الشرع الاسلامي وفقا لارادة الواقف وتتولى هذه المهمة في الاساس مرجعية القاضي الشرعي. ولذلك نصت المادة 6 من القرار 753 على اختصاص المجلس الاعلى الذي يتولى الاشراف على العقارات الوقفية واهم ما فيها. »انه بتخذ قراراته بصفته هيئة عليا شرعية وإدارية وذلك بناء على اقتراح المراقب العام للاوقاف الاسلامية وانه يدخل التعديلات على القوانين الخاصة بالاوقاف الاسلامية طبقا للشريعة الغراء«. ومن هنا يتضح لنا ان القرار 753 لم يمنح المسلمين السنة اي استقلال في شؤونها انما هو وضع يده فعلا على مؤسسة الاوقاف التي اعتبرت دائما من انتاج المجتمع المدني في إطار الحضارة الاسلامية مستقلا عن السلطة. ويلاحظ ان تدخل الدولة في مؤسسة الوقف انطلق من اعتبارات لا صلة لها اطلاقا بحقوق الطائفة الاسلامية السنية واستقلالها او بتمثيل المسلمين السنة للمسلمين جميعا في لبنان بل العكس هو الصحيح لان لا مركزية الوقف باعتباره صادرا بإرادة الواقف قد لعبت دورا هاما في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والدينية حين سيطر مناخ القيمة الاخلاقية والاجتماعية من منظور إسلامي على الشؤون العامة في ظل الحضارة الاسلامية. فالأوقاف كانت التعبير عن حركة المجتمع التي انتظم ايقاعها في المبادرة الفردية وحدها فكانت سمة العصر الثابتة عند تغيير الممالك والعروش. وحينما افتتح السلطان العثماني سليم مصر وقد وجد اتساع عقارات الاوقاف من عهد المماليك ذات ثروة كبيرة اعادت التوازن الاجتماعي في غياب السلطة والدولة، لم يستطع ان يضع يده عليها ويضمها الى خزينة الدولة لانها كانت محصنة في المجتمع. وفي عصرنا الحاضر الذي بدأ فيه قصور الدولة عن القيام بمسؤوليات الضمان الاجتماعي في سائر الصيغ الاقتصادية تتبدى أهمية دعوة مدير عام البنك الدولي الأخيرة للاستفادة من صرامة الشرع الإسلامي في نظام الزكاة لإعادة مسيرة المجتمع المدني الى دورها المصاحب والموازي لدور الدولة. لذا نصّ الفقهاء دائما على منع السلطان وممثليه من رجال الحكم والإدارة من التدخل في شؤون الوقف. (راجع مؤلف، الدكتور إبراهيم البيومي غانم »الأوقاف والسياسة في مصر« رسالة جامعية بتقديم الدكتور المستشار طارق البشري). وقد قامت سلطات الحلفاء في مصر وبلاد الشام بعد انهيار الحكم العثماني إلى تصفية مؤسسات المجتمع التقليدية هذه والتي محورها الأوقاف الإسلامية وذلك بغية تهديم أسس ثقافتها الاجتماعية ويقول الدكتور طارق البشري في شأن هذه التصفية بأنها جاءت »لا لتفسح المجال لتكوينات شعبية أهلية أحدث وأكفأ من حيث الإدارة اللامركزية واتخاذ القرارات الذاتية، ولكنها قضت على القديم لتنهي الوجود الذاتي لمؤسسات اعتمد على فكر وأعراف وصلات اجتماعية، ولتنشئ بديلاً عنها واجهات مؤسسات حديثة تنشأ وتعمل تحت الهيمنة السيادية لجهاز الدولة القابض وكان التحديث على الطريقة الغربية خير دافع ومسوغ لذلك«. والواقع إذا تتبعنا مسيرة الهيكلية الجديدة التي نشأت مع القرار 753/21 استنادا الى قانون نظارة الأوقاف العثماني نرى أن الأنظمة التي صدرت تطبيقاً لها تحوي في مضمونها على تصفية مؤسسة الوقف التي انتهت أخيراً بإجازة تصفية الوقف الذري وفقا لقانون 10 آذار 1947 تأسيساً بالقانون المصري الذي صدر في ذلك الوقت علما بأن هذا الاتجاه كان معارضا من علماء الأزهر في مصر في مذكرة رفعت بتوقيع أكثر من أربعين عالما من علماء الأزهر عام 1927. فقد اعتبرت الأوقاف مشكلة عقارية تجمّد تداول العقارات لذلك سهلت القوانين تصفيتها تحت ستار قسمة الوقف الخيري والأهلي وتصفية الجانب الأهلي أو الذري. إن الدراسات الحديثة حول الوقف في مسيرته التاريخية الحضارية وعلاقتها بالثروة الاجتماعية والاقتصادية لا تحصى لكن تدخل سلطات الانتداب في بلاد الشام عموما فضلاً عن مصر ناشئ من اتساع الثروة العقارية الوقفية وعلى الخصوص في المدن التراثية إذ اعتبرت 60$ من عقارات القدس ودمشق وطرابلس هي عقارات وقفية عند دخول الانتداب الفرنسي كما تقول إحصاءات ذلك الزمن. ولأن نظام الوقف يمتد إلى البنية الثقافية الاجتماعية للدول التي احتلها الحلفاء فإن استراتيجية تلك الدول قد هدفت إلى إلغاء تلك الضوابط الاجتماعية لتحل محلها خطط الاجتياح الأوروبي اثر سقوط الخلافة العثمانية. لذا بدأت القوانين العقارية تعالج هذه المشكلات بروح التصفية وليس بروح التنمية وقد أوكلت هذه المهمات إلى الواجهات الجديدة التي أشار إليها المستشار طارق البشري أعني اللجان الوقفية في تراتبها التي نص عليها أخيرا المرسوم رقم 18/55. فاستناداً الى القرار 753/21 صدر القرار رقم 80 مرفقا بالتعليمات التفسيرية المتعلقة باستبدال العقارات الوقفية موقعاً من المفوض السامي دي جوفنيل بتاريخ 29 كانون الثاني 1926 وكذلك الأمر الإداري رقم 3 الصادر عام 1930 ونظام أجور عقارات الأوقاف الصادر عام 1940. ومن الملاحظ أن هذه الأنظمة تطبق على الأوقاف باعتبارها قانونا عاما على السواء مسلمين ومسيحيين وذلك حتى صدور قانون 10 آذار عام 1947. وبناء على هذه الهيكلية المستمدة من الأنظمة الصادرة عن السلطة الفرنسية كان المرسوم رقم 18/55 هو الهيكلية التي تضمّنت خصائص سائر ما سبق. من هنا كانت إدارة الأوقاف الإسلامية جزءا من هيكلية النظام القضائي والإداري للدولة كجزء من الأنظمة العقارية التي يشكل الوقف فيها جزءا من مجموعة قوانين تنظيم الملكية العقارية واستقلال المجلس الشرعي الإسلامي يتمحور حول هذه القواعد. ثانيا: مناخ الخمسينيات وصدور المرسوم رقم 18 كأساس لحدود استقلال الطائفة الإسلامية إن البنية الأساسية التي أشرنا إليها مع بداية عهد الانتداب هي التي احتواها المرسوم رقم 18 وقد صدر هذا المرسوم محددا في المادة 42 منه الأشخاص الذين يشكلون عناصره الأساسية في ظل محور إدارة الوقف من الوجهة الشرعية، ثم الإدارية. ذلك ان الوقف يتضمن في حياته القانونية الشرعية الأبعاد التالية: 1 البُعد الشرعي: وهو تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية عليه عبر القاضي الشرعي لذلك أوجب بصورة طبيعية وجود قضاة شرعيين. 2 البُعد العقاري: وهو المحافظة على العقارات وتنميتها طبقا لمفهوم أهل الخبرة لذلك اقتضى وجود شخصيات لها مثل هذا الدور. 3 البُعد التنظيمي: ويتجلى في الأنظمة والقرارات المنظمة لهذه الإدارة وممثلي هذه الهياكل. 4 البُعد الاجتماعي والديني: المتمثل بالأشخاص المنتخبين من المحافظات. 5 البُعد السياسي: وهو رئيس الوزراء والوزراء وهو أمر مستحدث. والواقع أن الاستقلال الوظيفي هذا قد بدأ مع الخمسينيات تأخذ استدراجا سياسيا في عمق استراتيجية السياسة اللبنانية. تلك السياسة التي تهدف الى تأسيس جديد لواقع وطني يختلف عن تاريخية الوحدة الاجتماعية لبلاد الشام وهو ما نسمّيه في أدبيات اللغة السياسية اللبنانية المجتمع التعددي. ولأن الفقه الحنفي هو من الوجهة الواقعية والتاريخية هو قانون الوقف فقد أصبح الفقه السني يملك وحده مسؤولية تسيير مؤسسة الأوقاف الإسلامية وفقا لمذهب أبي حنيفة باعتباره قانون إنشاء الأوقاف وليس قانون الطائفة السنية وهذا ما يحدده القرار 753 الصادر عام 1921 لذا فقد جاء تنظيم المجلس الأعلى عام 1955 وفقا للأنظمة المرعية الإجراء منذ العصر العثماني ليتم تنظيمه وليمنح مفتي الجمهورية اللبنانية المكلف بالإفتاء طبقا لمذهب أبي حنيفة سلطة الرئيس الديني للمسلمين له امتيازات ما لسائر الطوائف في لبنان كما تقضي المادة 2 من المرسوم رقم 18، الصادر في 13/1/1995 على أن المسلمين مستقلين استقلالا تاما في شؤونهم الدينية وأوقافهم الخيرية يتولون تشريع أنظمتها وإدارتها بأنفسهم طبقا لأحكام الشريعة الغراء والقوانين والأنظمة المستمدة منها بواسطة ممثليهم من ذوي الكفاءة والذين أشرنا إلى شرائحهم وهي قرارات نافذة بذاتها كما ينص القانون بمادة واحدة الصادر بتاريخ 28/5/56. وبالرغم من المظاهر الترويجية التي أحيطت بهذا النص فإن التأمل في هذا الاستقلال التام بالشؤون الدينية والأوقاف الخيرية نرى انه لم يأت بجديد إذ هو استقلال وظيفي وليس استقلالا تفويضيا كما هو الأمر بالنسبة للطوائف غير الإسلامية. فالشؤون الدينية الواردة في صدر هذا المرسوم ليست تعبيرا مطلقا يمس الشؤون الطائفية وعلاقتها بالمجتمع كمؤسسة وإنما هي مقيّدة بالغاية الأساسية من المرسوم رقم 18 وهي إدارة الأوقاف طبقا للصيغ المستمدة من التراث العثماني أو الصيغ المعدلة لها أو المخالفة لها لكنها بكل حال لا تستطيع أن تخرج عن الأحكام الشرعية الأساسية لبنية الوقف. ومما يؤكد أن الاستقلال هذا ليس سوى تكرار للاستقلال الوظيفي المنظّم للوقف الإسلامي هو نص المادة 25 من القرار 753 الصادر عام 1921 وكذلك نص المادة 3 من قانون الأوقاف الذرية الصادر في 10 آذار 1947 والذي ينص على ما يلي: »يتناول هذا القانون الوقف الذري المحض والوقف المشترك بين الذرية والجهة الخيرية، اما الوقف الخيري المتعلق بالمعاهد الدينية والمؤسسات الخيرية فهو تابع للاحكام الشرعية والقوانين المرعية الخاصة به وللقرارات التي يتخذها المجلس الأعلى له علاوة او تعديلا لإحدى مواد تلك القوانين حسبما يقتضيه الحكم الشرعي«. فهذا القانون الذي يسبق صدور المرسوم رقم 18/55 بحوالى سبع سنوات يؤكد مفهوم الاستقلال في مفهومه الوظيفي وليس في مفهومه الطائفي طبقا للقرار 753/21. على ان رياح الستينات عصفت بمؤسسة الافتاء والمجلس الشرعي الاسلامي معا اثر الحركة التي تولّتها جمعية متخرجي المقاصد وجريدة الشعب وكان لي فيها شخصيا اسهام باعتباري كنت عضوا في المجلس الاستشاري للافتاء منذ عام 1964 في عهد المغفور له الشيخ محمد علايا. هكذا انتهت تلك الحركة في مساجلات السياسة ومشاورات رؤساء الوزراء السابقين مع دولة رئيس مجلس الوزراء آنذاك رشيد كرامي الى انتخاب سماحة المغفور الشيخ حسن خالد في 7 كانون الاول عام 1966 وقد رافق الانتخاب تطلعات شحمت منزلقاتها كدور سياسي لدار الفتوى. وهكذا تمت بعض التعديلات التي مست جوهر تكوين المجلس الشرعي الاسلامي الأعلى خصوصا حينما اعطي المجلس الشرعي تصورا غير واقعي كبرلمان للمسلمين جميعا لا بد لكل المثقفين وحاملي الشهادات العلمية ان يكون لهم كلمة في تكوينه وهكذا تم ذلك بتعديل احكام المادة 8 من المرسوم 18 بطريقة افتقدت الهيئة الناخبة معيارية شرائحها التي تتمحور حول الاوقاف والوظيفة الدينية لتأخذ مدى لا تتحمله على الاقل نصوص المرسوم رقم 18/55 فقد اضافت الفقرة 10 و11 من المادة 8 ما يلي: 10 الأساتذة الجامعيون المسلمون السنيون اللبنانيون في الجامعات الموجودة في لبنان من حملة الشهادات الجامعية العليا. 11 الخطباء والائمة والمدرسون اللبنانيون في الجمهورية اللبنانية الحائزون على شهادة دينية او الذين مضى عليهم عشر سنوات في الوظيفة ومدرّسو الافتاء وكل لبناني يحمل شهادة دينية ولو لم يعمل في السلك الديني. من خلال مجلس الانتخاب هذا الذي اعلن في آذار 1967 بدأت مظاهر الابتهاج التي حفلت بها الاحداث تطرح مفهوم الوحدة السنة الشيعية خصوصا حينما بدأ بريق الامام السيد موسى الصدر تلتفت اليه المراكز الفكرية والثقافية في اطلالة اتخذت بعدا وطنيا وقد احتوته الندوة اللبنانية وسائر المنابر التي بدأت تتطلّع بحيوية الى نوع من الحوار بين الاسلام والمسيحية. وإذ كان لي عام 1966 باشراف سماحة المغفور له الدكتور صبحي الصالح والامام السيد موسى الصدر والمطران جورج خضر اسهام على منبر الندوة اللبنانية حول هذا الحوار فقد تعرّفت على السيد موسى الصدر. لقد طرح الامام موسى الصدر حضوره في زحمة قلق جديد. انه قلق الستينات وقد تفرّد في اسلوبه الخاص بألق لافت وبدا لمستشرف المستقبل من الشباب شخصية تقدمية على لغة ذلك الزمن وهكذا اطلّ على صدر المساحة الفكرية والسياسية في مواجهة القضايا التي طرحتها اجواء الستينات والتي ترافقت مع ارهاصات هزيمة حزيران 1967. وإذ بدأت تحضيرات لتكوين مؤسسة مجلس مواز للمجلس الشرعي الاسلامي الأعلى يهتم بالطائفة الشيعية فقد تسارعت الخطوات في هذا الاتجاه حين اعطت انتخابات الشيخ حسن خالد وتعديل المرسوم 18 الصادر في 2/3/67 ثم الابتهاج الذي رافق ذلك كله في الشارع البيروتي والبقاع، اعطت هذه كلها شعورا بنوع من الهيمنة السنية عبر الافتاء والمجلس الشرعي على الطائفة الشيعية في اطلالتها الجديدة وهكذا تقدم النائب محمود عمار بتاريخ 8/5/67 وبعض علماء الشيعة وهم عباس ابو الحسن ومحمد باقر الأمين وعلي زين العابدين الموسوي بطعن أمام مجلس شورى الدولة على بعض مواد المرسوم 18 لابطال عبارات تستبدل تخصيص المسلمين السنة بالتعميم الشامل للمسلمين على الاطلاق. وقد بدأت الرغبات والنوايا الحسنة الداعية الى وحدة المسلمين تهتم بتحويل المجلس الشرعي الاسلامي الأعلى الى مجلس يجمع السنة والشيعة وبدا البعض من الشباب في الاطار السني يتحدث عن مناوبة في الرئاسة بين الطائفتين لكن ذلك كان بمنأى عن افكار المسؤولين. وإذ قد شارفت تحضيرات قانون تنظيم شؤون الطائفة الاسلامية الشيعية على الصدور كان البعض يستجيب لانفتاح السيد موسى الصدر الشمولي فيطرح عليه آفاق تلك الوحدة لكنه كان يجيب بأن الاتفاق بين فريقين يتطلب اولا انشاء مؤسستين متماثلتين وبالتالي لا بد من قانون ينشىء مؤسسة للطائفة الشيعية موازية. وهكذا ما إن انتهى عام 1967 حتى صدر القانون رقم 72/67 تاريخ 19 كانون الأول 1967 الخاص بالطائفة الشيعية. تسوية مشكلة دعوى الإبطال التي رفعت في 8 أيار 1967 في ظل مناخ الستينات بعد صدور القانون رقم 72/1967 في كانون الأول 1967 اصدر المجلس الشرعي الاسلامي الأعلى في 15/1/1968 القرار التفسيري التالي بناء لاقتراح الدكتور وفيق القصار رئيس اللجنة التشريعية. »ان المجلس الشرعي الاسلامي الأعلى ينظر الى جميع المذاهب الاسلامية كوحدة دينية مصدرها كتاب الله وسنة رسوله ولقبها الاسلام لقوله تعالى (ان الدين عند الله الاسلام) ولقوله (وان هذه امتكم أمة واحدة وانا ربكم فأعبدون). أما المُراد بالعبارات الواردة في المواد المعترض عليها وهي الأولى والثانية والثالثة و36 المعدلة من المرسوم الاشتراعي رقم 18 بقرار المجلس الشرعي الأعلى رقم 5 تاريخ 2/3/1967 فهم المسلمون السنيون«. والواقع ان هذا التفسير كانت تمليه خصائص تكوين المجلس الشرعي في مختلف بنود المرسوم رقم 18/55 والتي تتحدث بالتفصيل عن كيفية التعاطي مع العقارات الوقفية والوظيفة الدينية الناشئة عنها عبر مديرية الاوقاف الاسلامية وسلطة مفتي الجمهورية اللبنانية. وهي سلطة تنطلق من مفهوم الافتاء كمرجعية للحكم الشرعي ومن سلطة الوظيفة العامة كمرجعية للنوع الشرعي والقانوني للعقارات الوقفية وكيفية ادارتها وهذه المبادئ لم تنطلق من خصوصية امتياز للطائفة السنية بل من طبيعة البنية الوقفية التاريخية. لكن أجواء الستينات واهتمام الاعلام والصفات الرسمية التي اطلقت على رؤساء الطوائف قد عكست طبيعة الواقع السياسي المستجيب لاستراتيجية التعددية الثقافية والاجتماعية. سيارة رئيس الجمهورية ومرجعية الافتاء توازناً مع الطوائف المسيحية. وقد بدأت بروتوكولات المظاهر هي الشاغل الأساسي عن سائر المخاطر التي تهدد مستقبل الدولة والحياة السياسية، وهكذا بدأت لعبة الأمم تجد سبيلها كمقدمة لانهيارات ما بعد 5 حزيران 1967. وإذ اصبح مفتي الجمهورية مشيّعا بدراجات رسمية في تنقلاته فقد أرضى ذلك المسلمين ووجد الكثير من السياسيين والموظفين الكبار السنة ملجأ لهم في مواجهة أولوية الامتياز المسيحي كحقوق ثابتة لهم في مراكز القرار السياسي والعسكري و الأمني. وكانت مصر الناصرية مركز استقطاب للشارع السياسي للمسلمين لذا كان سفير مصر عبد الحميد غالب يحتل موقعا هاما في لعبة السياسة الداخلية. وحينما قام مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد في بداية عام 1967 بزيارة مصر ومقابلة الرئيس جمال عبد الناصر فقد كان استقبال عودته في المطار وفي احياء بيروت متنفسا لما يروج من مشاعر الغبن، خصوصا حين استقبله ممثل لرئيس الجمهورية مع سيارة رئيس الجمهورية التي نقلته من المطار الى دار الفتوى تحت اقواس النصر. واذ كان هذا البروتوكول من خصائص مغادرة البطريرك بسيارة الرئاسة الاولى كامتياز خاص به فإن البطريرك المعوشي في عودته من الخارج رفض بعد ذلك مرافقة ممثل رئيس الجمهورية في سيارة رئاسة الجمهورية لتأكيد تميزه بصورة سلبية اذ اصبحت سيارته هي الأهم. المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى والوحدة الإسلامية رسالة الامام موسى الصدر الى سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد بتاريخ 1/10/1969. إن المنطلق الجديد الذي اتجهت اليه الاستراتيجية التعددية قد وجدت مناخها في الاطار الاسلامي وخصبها فيما افرزته ثورة 1958 وهكذا أضحت التعددية تعددية مؤسساتية حين كانت تطرح من قبل كتعددية ديموغرافية. لقد صدر قانون تنظيم الطائفة الشيعية يمنح الشيعة استقلالا غير محدود في الشؤون الدينية طبق المذهب الجعفري ورئيس المجلس يمثل الطائفة في مداها النوعي، وهذا اتجاه جديد يختلف جذريا عن المعطى الوظيفي للمرسوم رقم 18 اذ نص القانون الجديد على حرية المؤسسة كشخصية معنوية تملك انشاء الجامعات الدينية وجامعات التعليم العالي في مختلف الاختصاصات بالاستقلال عن سياسة الحكومة شرط عدم تعارضها مع قانون التعليم العالي بينما هذا الاتجاه غير متوفر اطلاقا في المرسوم رقم 18 المختص بشؤون الوقف والمرتبط بالنصوص العقارية. ثم تبعه المرسوم بقانون رقم 449/95 الخاص بإنشاء مجلس للطائفة العلوية مع محكمة شرعية خاصة بها بموجب المرسوم 450/95 الخاص بإنشاء مجلس للطائفة العلوية مع محكمة شرعية خاصة بها بموجب المرسوم 450/95 تطبق الفقه الجعفري فقد تضمن هو الآخر نصوصا نوعية في الوقت الذي يعطي الفقه الجعفري في المحاكم الشرعية الجعفرية وفقا لقانون تنظيم المحاكم الشرعية كل احتياجات هذه الطائفة كما ينص القانون. ولا شك ان بدعة محكمة موازية للطائفة العلوية تطبق الفقه الجعفري هي بدعة لا سابق لها لأن تنظيم المحاكم الشرعية فرع من التنظيم القضائي ولذلك نصت المادة 25 منه على انه لكل لبناني الحق في اللجوء الى المحكمة الشرعية طالما ان اختصاص المحكمة يتعلق بالحالة المعروضة على القاضي الشرعي مسلما كان المتقاضي او غير مسلم. فالمحاكم الشرعية هي محاكم الاحوال الشخصية والوقف والوصية طبقا لقانون حقوق العائلة والفقه وفقا لأرجح الاقوال من مذهب أبي حنيفة او من مذهب جعفر الصادق بحسب القانون الذي يحكم القضية فالقاضي الشرعي ليس هو القاضي الشخصي للمسلم السني او الشيعي او العلوي ومن هنا فالمسلم العلوي هو كالمسلم السني مضطر للجوء الى المحكمة التي تطبق الفقه الجعفري اذا كان عقد الزواج مثلا جرى طبقا لهذا القانون ومن هنا فإن اختصاص محكمة شرعية تطبق الفقه الجعفري بالمسلم العلوي خلافا للمسلم الشيعي مخالف للنظام العام اللبناني لأن اختصاص المحاكم الشرعية او المحاكم الروحية للطوائف المسيحية يتعلق بالقانون المطبق على الواقعة وليس بمعتقدات او بانتساب الشخص بصورة مجردة لأن هذا يعود بناء الى نظام الامتيازات القنصلية والتمييز العنصري. ولا شك ان هذا الامر يختلف عن مرجعية الافتاء الخاصة بالمذهب والتي تنطق بكلمة الشرعية وفقا للمذهب لمن يستفتيه شيعيا او سنيا فاعتراف الدولة هو اعتراف بالقانون وليس بحدود انتماء المواطن للطائفة كمجموعة بشرية مستقلة. فالمجالس المختصة تؤسس لمصالح المنتمين اليها بمعزل عن وحدة المجتمع هو اتجاه لا يأتلف مع وحدة التراث لثقافة بلاد الشام لذا فإن انشاء محاكم خاصة للعلويين تطبق الفقه الجعفري المطبق اصلا في المحاكم الشرعية الجعفرية يطرح ازدواجية تتعارض واحكام الدستور. ذلك مناخ من مشاعر الوحدة الاسلامية وتناقضاتها وطدت لها منذ بداية الستينات تداعيات ما بعدها والتي تجلت اولا في مبادرة بعض المثقفين من سائر المذاهب الاسلامية سنة وشيعة ودروز في انشاء ما سمي المجلس الاسلامي السياسي كتجمع سياسي خاص، وقد تولى رئاسته الدكتور محمد كنيعو وحينما عين وزيرا تولى الرئاسة الرئيس شفيق الوزان. لكن بروز المغفور له حسن خالد في بنية سياسية فوقية والامام موسى الصدر كقوة سياسية وثقافية تستقطب النخبة من سائر الطوائف قد أفقد المجلس الاسلامي السياسي دورها وهكذا انسحبت من الحياة العامة. لقد أنشأ هذا التناظر بين المؤسستين مشاعر التعاطي المشترك في الشؤون الاجتماعية والسياسية في مسيرة الاحداث وما بعدها. لكن الامام موسى الصدر الذي أضحى أول رئيس للمجلس الاسلامي الشيعي الأعلى شاء ان يفي بوعده فيبادر الى خطوة نحو الوحدة التي سبق ان دعوناه اليها نحن شباب تلك الفترة. وهكذا أرسل الامام موسى الصدر باسم المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى رسالة في 1/10/69 الى المغفور له سماحة الشيخ حسن خالد تضمنت المبادئ التالية: 1 جمع الكلمة لتوحيد الطاقات ولتنمية الكفاءات لأنها تتصل بوجودنا وكرامتنا ومقومات وجودنا وهي البعد الاساسي للمستقبل خصوصا في هذه الأيام العصيبة التي تلف الامة بالقلق والاخطار المحدقة التي تجعل المنطقة كلها حاضرها ومستقبلها في مضرب الطوفان. 2 إن توحيد كلمة المسلمين وعقولهم وقلوبهم وبتعبير أدق، إن تعميق وحدة المسلمين وجعلها ركائز فكرية وعاطفية متينة يتحقق بطريقين: 1 توحيد الفقه في التفاصيل المختلفة او التقريب فيما بينها. 2 توحيد المساعي المشتركة كتوحيد الأعياد والشعائر الدينية وتوحيد بعض العبارات كالأذان والجماعة وغيرها. 3 توحيد الاهداف الاجتماعية وتبدو في الجهود المشتركة الرامية الى مكافحة الامية والتشرد ورعاية الايتام ورفع مستوى حياة الكادحين. 4 الاهداف الوطنية: ويتساءل الامام: وهل هناك ريب في وحدة مشاعرنا الوطنية؟ ثم يحددها بالاهداف التالية: 1 وجوب المشاركة الفعلية لتحرير فلسطين. 2 حماية لبنان من مطامع العدو الغادر. 3 دعم المقاومة الفلسطينية المقدسة. 4 الاستعداد التام والتعاون الكامل مع الدول العربية الشقيقة لمواجهة العدوان المحتمل في كل لحظة. 5 تحصين الجنوب بصورة خاصة وكل لبنان بصورة عامة. ثم يختم الامام رسالته بالدعوة الى الاسراع في تأليف لجنة لتحقيق هذه الاهداف قبل حلول شهر رمضان لوضع برامج متكاملة تساعد على خلق الاجواء المتناسبة مع هذا الشهر العظيم وتذكي جذوة الخير والبطولات. (الرسالة بكاملها منشورة على حدة). خاتمة واذا كان الامام موسى الصدر قد غاب بعد عشر سنوات من تلك الرسالة فإن مضامين توجهاتها ما تزال أساسا لرؤية جديدة. وهي بكل حال قد حظيت بحكمة المغفور له الامام محمد مهدي شمس الدين الذي منح الوحدة الاسلامية منطقها الفكري والسياسي فاجتمع له الرأي جميعا والامامة معا وبدا المجلس الإسلامي الشيعي ودار الفتوى وحدة تحزم الجهود في تأسيس المنطق الوطني في عمقه التراثي الجامع. لكن الايام العصيبة التي اشار اليها الامام الصدر عام 1969 ها هي طبولها تدق مجددا. وفي منعطف جديد من مسيرة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى نتطلع الى وحدة ليست فحسب في صعيدها الاسلامي بل على منهج الامام شمس الدين في صعيدها النابع من عمق التراث الوطني وروح بلاد الشام في اصالة الثقافة وصلابة المقاومة للعصر الاسرائيلي الذي لا يتهددنا فحسب بقنابله واحتلاله بل يتهددنا في داخلنا في تطلعات ترسم حدود الأنا الطائفي فتبطل مدى الرسالة وبشائر اتصالها وانفتاحها تلك القيم التي تجلت في مؤسسة الأوقاف كأفضل المبادرات الفردية والأوثق اتصالا بالأرض وبالمجتمع.