الأديب الناقد القاص عبد الجبار داود البصري /البصرة 1930/ من أدبائنا المعروفين له اكثر من خمسة عشر مؤلفا في التراث والأدب والقصة القصيرة والرواية والنقد، حصل على بكالوريوس قانون متزوج وله سبعة أبناء وستة أحفاد أول عمل له هو مدير مدرسة ابتدائية وتحول بعدها من القانون الى القصة والأدب، رأس تحرير مجلة (الاقلام) الادبية ثم مديرا للتأليف والنشر في وزارة الثقافة والاعلام وسكرتيرا لمهرجان المربد الشعري من مؤلفاته (المؤلف والقانون) و(بدر شاكر السياب رائد الشعر الحر) و(نازك الملائكة. الشعر والنظرية) و(الادب التكاملي) و(القمح والعوسج) و(البلح المر) و(فضاء البيت الشعري) و(لم تعد الرصاصة في صدري) و(موسيقى الطين) وغيرها من المؤلفات القانونية والادبية والنقدية، (السفير) التقت القاص البصري وكان هذا الحوار. { أنت من النقاد الذين تابعوا الحياة الشعرية العربية الحديثة متابعة جادة ودقيقة... فماذا تجد في الواقع الشعري العربي الراهن.؟ هذا السؤال يفترض في البدء اني تابعت الحياة الشعرية الحديثة متابعة جادة ودقيقة.. وهي فرضية غير دقيقة فأنا نشأت قارئا مولعا بقراءة الشعر العربي الحديث.. ألمّ ببعض النتاجات حينا وتفوتني نتاجات أخرى احيانا.. فعلى سبيل المثال انا اعرف بعض دواوين محمد الفيتوري لا كلها، وبعض دواوين أدونيس لا كلها وبعض دواوين احمد عبد المعطي حجازي لا كلها.. ولكني قرأت كل ما كتب بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي.. فهل تسمى هذه الحصيلة من القراءات الشعرية متابعة جادة ودقيقة؟! اما الشق الثاني من السؤال فيستفسر عما في الواقع الشعري العربي الراهن.. اي انه يستفسر عن مضامين هذا الشعر من المغرب الى العراق، ومن اليمن الى سوريا، وهو واقع كبير وفضفاض وثريّ بالنتاجات المبدعة وغير المبدعة، الجيدة والرديئة ولأجيال مختلفة يتداخل بعضها مع البعض الآخر ويتصارع احدها مع الثاني.. لا شك ان شعراء كل قطر عبّروا عن هموم وطنهم، فالشعراء اليمانيون وعلى رأسهم عبد العزيز المفالح رسموا لنا صورة لما في اليمن، والشعراء السودانيون وفي مقدمتهم فارس محي الدين أعطوا للسودان حقه من التعبير، وشعراء البحرين وفي مقدمتهم علوي الهاشمي كتبوا الشيء الكثير عن واقعهم، وقل مثل ذلك عن شعراء الأردن ولبنان وسوريا وليبيا والجزائر وتونس ومصر والعراق. ولو أردت ذكر التفاصيل عما في شعر كل قطر من هذه الأقطار لاحتجت الى وقت كبير ففي هذا الشعر الهائل الكم خروج على القصيدة العمودية في شكلها وعروضها وفكرها ورؤاها وفيه تعبير عن الواقع الاجتماعي والعواطف والوجدان العربي والاحداث السياسية والنضالات الوطنية.. وعلى العموم فيه ما في الحياة المعاصرة من ايجابيات وسلبيات وأنا غير قادر ان أوفي سؤالك حقه من الاجابة. وربما كان الحديث عن ما يوجد في شعر نزار قباني وحده او سعدي يوسف وحده او يوسف الخال وحده ما يحتاج الى الكثير الكثير من الصبر والجهد والمثابرة. الرواد { هل تعتبر قصيدة الرواد هي القصيدة النموذج؟ الروّاد مصطلح يطلق على جيل من الشعراء العرب أثروا في الحياة الثقافية والشعرية.. ذهب الكثير منهم الى دار حقه، وبقي القليل يواصل المسيرة او يعاني.. وحين نخصص الريادة بثلاثة شعراء هم نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي نجد من ينافسهم في العراق وحده سواهم على هذه الريادة أمثال شاذل طاقة وبلند الحيدري ويوسف الصائغ وشفيق الكمالي وسواهم. وحين نضغط الريادة ونعتبرها الظاهرة القيادية التي تحمل ايجابيات الحركة وسلبياتها نجد ان القصيدة الجديدة التي أثرت عنهم في دواوين شظايا ورماد وأساطير وأباريق مهشمة كانت قصيدة جديدة في أوزانها وقوافيها وصورها ورؤاها ومواقفها ولم يستطع غيرهم ان يضيف للقواعد التي ابتكروها اضافة ذات بال.. وحتى نازك الملائكة حينما أرادت ان تقنن هذه الحركة وتضع لها قواعد في كتابها قضايا الشعر المعاصر لم تنجح في ذلك وظلت أسس القصيدة الحرة كما ولدت هي السائدة والمعتمدة والتي واصل الجيل اللاحق حمل رايتها. نعم.. كانت قصيدة السياب، وبشكل خاص، هي نموذج الشعر الحر المتكامل وستظل قصائده (أنشودة المطر) و(المومس العمياء) و(حفار القبور) و(غريب على الخليج) و(منزل الأقنان) و(دار جدي) و(أم البروم) و(النهر والموت) تلهم الشعراء وتحدد أبعاد القصيدة الحرة كما نريدها وكما يطمح لها الشعراء. الحر والنثري { كيف تنظر الى القصيدة العمودية وقصيدة النثر وهما النمطان الشائعان الآن عند معظم الشعراء.. هل يعني هذا النموذج، قصيدة الشعر الحر اصبح أمام باب مغلق؟ الفرضية التي تسبق السؤال ليست دقيقة فالذين يكتبون قصيدة النثر لا يكتبون القصيدة العمودية... والاصح ان تقول انهما يتعايشان في حياتنا الثقافية. والجمهور منقسم بينهما واعتقد ان الاكثرية ما زالت الى جانب القصيدة العمودية، وقصيدة النثر جديدة وجمهورها اغلبه من كتابها، فهم ينتجون لأنفسهم اولا.. ولا توجد إحصاءات دقيقة حول الموضوع. وان وجدت مثل هذه الاحصاءات اعتقد انها مشوبة.. فالآراء التي تبدي حياء ليست الا نوعا من أنواع الغضب. ومع انقسام الجمهور بين قصيدة عمودية وقصيدة نثر الا ان قصيدة الشعر الحر تظل ذات جمهور خاص بها وما تزال تحتفظ بروعتها وإغرائها وسحرها، ولكن النماذج الجيدة ما تزال قليلة. فقد كانت قصيدة نزار قباني أشبه بعصا موسى تلقط ما يأفك السحرة من كتاب قصيدة النثر. وقد ترك بوفاته مكانا شاغرا ينتظر من يملؤه. { هل تتفق مع الرأي القائل بأن الشعر اليوم في أزمة؟ ان كان فما هي مظاهرة هذه الازمة كما تراها؟ وما سبل الخروج منها برأيك؟ من هو القائل ان الشعر اليوم في أزمة؟ واي شعر يقصد. هل الشعر العالمي، الشعر العربي، الشعر العراقي. وما هو نوع الأزمة المشار اليها؟! ان هذه المقدمة تقرر حقيقة وتريد فرضها علي والدفاع عنها وبيان مظاهرها وسبيل الخروج منها.. انا لا أتفق الا مع الآراء المدروسة المبررة القائمة على مراجع وأسانيد معروفة فحتى الآراء القائمة على شعر شاعر واحد، او فئة واحدة من الشعراء، او جيل واحد من الشعراء، او قطر واحد من الأقطار، هي آراء منحازة ذات قاعدة غير شمولية وبالتالي لا يصح ان نعتمدها في إطلاق آراء عامة.. مثل هذا الرأي قد يمر شعر فئة ما او شاعر ما بأزمة، ولكن لن يمكن القول ان كل الشعر في أزمة.. وهذا الاحساس مصدره الغرب والتكنولوجيا الحديثة وما زالت مجتمعاتنا ذات خصوصية لا تؤهلها لتشخيص ازمة في الشعر.. الشعر اليوم في نظر البعض هو الفضاء الذي نعيش فيه كما تعيش الاسماك في الماء. وهو عدتنا وعتادنا في حالات الفرح والألم، النصر والهزيمة، الفقر والثراء، وما زال الشاعر يخطب ودّه رجال الدولة والسياسة ورجال المال والادارة والمرأة والطفل الصغير والصحافة والكتب المدرسية.. والمناسبات الوطنية والاجتماعية، فأين هي الازمة بالنسبة لبضاعة ما زال سوقها رائجا، ولا تكسد في الاسواق الا السلع الرديئة. { ما هو تصورك لقصيدة المستقبل التي ستكتب في واقع هيمنة وسائل الاعلام على حياة المجتمعات وفي ظل التطورات التكنولوجية؟ يبدو انك اكثر مني معرفة بالغيب.. تتحدث عن المستقبل وكأنه كتاب مفتوح بين يديك. وأود ان أذكرّك بأن كل تطورات الاعلام التي نعرفها فتحت مجالات جديدة للشعر والشعراء ولم تغلق أمامهم اي باب كانوا ينسابون نحوه.. وكل عصر من العصور القادمة هو القادر على حل مشاكله وأزماته والتنسيق مع ما هو قائم.. فلماذا نصدر العلب الجاهزة للمستقبل والتي ستنتهي صلاحيتها قريبا. { كيف تنظر الى الاهتمام الحاضر في الرواية؟ الرواية من فنون الأدب لا تمتد جذوره عميقا في التاريخ كما هو شأن القصيدة او المسرحية، وربما كان العصر الحاضر وطبيعة المواطن الحديث والوسائل المتاحة لتسويق الرواية كفيلة بأن تفتح امامها ابوابا عديدة وتمنحها فرصا لم تمنح لأي نتاج آخر. وأنا شخصيا أرفض ان أميز بين الانواع الادبية كما أرفض ان أميز بين انواع الفواكه.. فكما ان للبرتقال موسمه فللموز والتفاح كذلك. ولا تناقض ولا غيره بين فاكهة واخرى. فلا يغار البرتقال من التفاح ولا يغار التمر من الموز. { ما المطلوب من الناقد العربي اليوم وغدا ازاء هذا كله؟ للنقد وللنقاد وظيفة لم تتغير خلال العصور.. الناقد يبدع اعتمادا على ما أبدع.. فالنقد كتابة عن الكتابة وقول على قول ولغة على لغة.. وما دامت الألوان الادبية تتعدد والنتاجات يتلو بعضها بعضها، فسيظل الناقد مطالبا بأن يقرأها ويكتب في قوتها إيداعه الخاص. الناقد مبدع.. مطالب ان يتابع ويبدع اليوم وغدا.. ولن تختلف مهمته عما كانت عليه، فالشجرة وظيفتها ان تبرعم وتزهر وتثمر.. وهي أثمرت قديما وتثمر حاليا وستثمر غدا.. والناقد مطالب اليوم وغدا ان يبدع اعتمادا على ما أبدع. بغداد