ماذا نأكل في لبنان؟ سؤال قد تبدو الاجابة عنه مخيفة لوهلة، لكنه بات سؤالا ملحا اليوم، مع تصاعد التحذيرات حول العالم من نوعية الاغذية التي تقدم للمستهلك والتي تشكل في كثير من الاحيان خطرا على صحته بسبب ما تحتويه من مواد كيميائية ومنشطات نمو، او بسبب التعديلات الجينية التي ادخلت عليها. وقد اثبتت الازمة الناجمة عن مرض جنون البقر ان الاهمال، اهمال الدول المزمن في اوروبا تحديداً، هو ما ادى الى تفاقم المشكلة حتى وصلت الى مرحلة بات من الصعب فيها اتخاذ إجراءات فعالة لاحتوائها. وإذا كان »التلاعب بالطبيعة« والتعديل في نوعية اغذية المواشي قد سمح بخفض اسعار اللحوم بشكل عام، وجعلها متاحة في دول عدة وللفئات الاجتماعية كافة، الا انه يبدو اليوم ان الكلفة الصحية لذلك تتجاوز اي منافع محتملة. ربما وصلنا اليوم الى نقطة اللاعودة في ما يتعلق بالحفاظ على »طبيعة« الاشياء، فلم يعد من الممكن الطلب من جميع مزارعي العالم العودة الى الزراعة العضوية، ولم يعد من الممكن الطلب من مربي المواشي تأمين مراعٍ خضراء تكفي كل رؤوس الماشية المستهلكة في العالم، ولم يعد من الممكن الطلب من مزارعي الدواجن العودة الى السبل القديمة. ولكن الممكن، والضروري، هو المطالبة بتقيد كل هؤلاء بالحد الادنى من التعليمات التي تضمن شروط السلامة، مثل ترشيد استخدام المواد الكيميائية واستخداهما في مواقيتها، والتقيد بالسبل الصحية اللازمة لاستخدام محفزات النمو ومراعاة الحدود الدنيا من الحذر لدى تعديل اغذية المواشي، والابتعاد ما امكن عن البذور المعدلة جينيا. والمفروض والواجب، ان يكون في الدولة اجهزة مختصة، مهمتها مراقبة نوعية الاغذية، وحسن التقيد بالارشادات العامة للسلامة، وألا تلقى المسؤولية بكاملها على المزارع او مربي المواشي والدواجن و»ضمائرهم«. والمفروض ايضا استحداث قوانين تضع الاطار العام لكل ذلك، وأجهزة تسهر على تطبيقها. »السفير« تطرح السؤال: ماذا نأكل في لبنان؟ لبس بهدف خلق حالة من الهلع، بل على امل المساهمة في إلقاء بعض الضوء على اوجه القصور التي يشهدها قطاع التغذية في لبنان، وعلى امل ان يساهم ذلك في تفعيل اجهزة الرقابة والمحاسبة لعله يكون من الممكن تدارك الامر قبل افلاته من زمام اي مبادرة. وفي ما يلي تحقيق يسعى لإلقاء الضوء على محفزات النمو والادوية التي تستخدم في تربية الدواجن في لبنان. ينتج قطاع الدواجن في لبنان، المؤلف من حوالى ثلاثة آلاف مزرعة، ستين مليون فروج وأربعمئة مليون بيضة سنويا، اي بمعدل عشرين فروجا ومئة بيضة لكل مواطن سنويا تقريبا. هذا الرقم توقعت مصادر معنية بقطاع الغذاء ان يرتفع مع »الهجمة« التي شهدتها منتجات الطيور والدواجن اثر المخاوف التي نتجت عن مرض جنون البقر وميل المواطنين الى تعويض حاجاتهم من اللحوم عبر تناول لحوم الاغنام والماعز وعلى الاخص الدجاج هربا من »دهون« لحم الخروف الذي يتسبب، إن أُكل بكميات كبيرة، بالامراض الدهنية في الدم وحيث ان عدد رؤوس الماعز في لبنان في تناقص مستمر وغير متوافر في جميع المناطق. وعلى الرغم من ان قطاع الدواجن يعد من اهم القطاعات الغذائية في البلد، يرى الدكتور ايلي بربور، الاستاذ المتخصص في مسببات الامراض الحيوانية وعلاقتها بصحة الانسان في الجامعة الاميركية في بيروت، ان الفوضى تعم هذا القطاع. ويشرح بربور ان المزارع يتصرف بعيدا عن الانظمة العلمية التي تحمي صحة الفروج نفسه وصحة الانسان معه، ومثالا على ذلك ان مرض الطاعون قد قضى على نصف قطاع الدواجن بدءا من صيف العام الماضي وحتى اليوم. ويحدد بربور التجاوزات بدءا من الاعلاف التي تعطى للفروج مرورا بالادوية العلاجية والمضادات الحيوية (وهي في مجملها منشطات نمو) وصولا الى عدم احترام المدد الزمنية اللازمة لخروج الدواء من جسم الفروج قبل طرحه في الاسواق، وانتهاءً بطريقة غسل الفروج والمواد المستعملة خلال ذلك. ولمزيد من الايضاح يمكن تقسيم المشكلة الى جزءين، هما تغذية الفروج ومعالجته من الامراض التي قد تصيبه. يقول احد المهندسين الزراعيين وهو متخصص في تغذية الدواجن (رفض ذكر اسمه) ان صوص الدجاج يحتاج الى خمسة وأربعين يوما لكي يصبح جاهزا للطرح في السوق، يستهلك خلالها اربعة كيلوغرامات من العلف وذلك إذا لم يتعرض للاصابة بأمراض الدجاج المعروفة كالرشح والأمراض المعوية والطاعون. وقد اصبح المزارع يعمد الى خلط العلف الذي يقدمه لدواجنه بما يعرف بمنشطات او محفزات النمو وهي عبارة عن مضادات حيوية تقي من بعض الامراض من جهة وتسرع نمو الفروج من جهة ثانية. وهكذا، تُقلَّص الفترة الواجب انتظارها للبيع من 45 الى واحد وأربعين يوما، كما تخفض كمية العلف من اربعة كيلوغرامات الى ثلاثة كيلوغرامات ونصف، وهي الكمية اللازمة كي يصل وزن الدجاجة الى كيلوغرامين. وهذه كمية تحتسب على مستوى غذاء خمسة آلاف طير دجاج مثلا. ولكن عددا من اصحاب مزارع الدواجن الذين اتصلنا بهم اكدوا انهم لا يخلطون اعلافهم بأي نوع من منشطات النمو، فيما اكد البعض الاخر انهم وفي حال ادخال محفزات النمو فإنهم يحترمون المدد الزمنية اللازمة لخروجها من جسم الفروج. الى هذه الحدود ليس هناك من مشكلة، اذ يفيد تقرير منظمة الصحة العالمية الاخير ان حوالى خمسين في المئة من المضادات الحيوية المنتجة تستخدم لمعالجة الحيوانات المريضة ولتسريع نمو الدواجن والمواشي، ولكن المشكلة هي في عدم احترام المدة الزمنية اللازمة لخروج منشط او محفز النمو من جسم الدجاج قبل طرحه للاستهلاك. وقد حذر تقرير منظمة الصحة العالمية من ان الافراط في استعمال المضادات الحيوية (محفزات النمو) في انتاج الغذاء (دواجن او مواشٍ او خضار) يساهم في زيادة مقاومة جسم الانسان للأدوية العلاجية. ويعطي تقرير منظمة الصحة العالمية مثلا من تايلاند حيث أفاد اطباء ان ثلاثة ادوية معروفة في علاج الملاريا لم تعد تجدي نفعا لدى البشر، وأن ثمانية وتسعين في المئة من عينة في جنوبي شرقي آسيا اصبح لديهم مناعة ضد عقاقير البنيسيلين "Penicillinس كمضاد حيوي علاجي، كما ان ثلاثة ادوية رخيصة الثمن ومتوافرة لعلاج حمى التيفوئيد لم تعد فعالة كما كانت قبل عشر سنوات، وذلك كله بسبب كمية المضادات الحيوية التي يأخذها الناس عبر الغذاء وأولها الدجاج. وحديثاً حذرت ادارة الغذاء والادوية الاميركية من استعمال مضادين حيويين شائعين في كل العالم في تحفيز نمو الدواجن والمواشي، ولم نزل نحن في لبنان نستعملهما حتى الآن. الأدوية يصاب الدجاج بالكثير من الامراض المشتركة بينه وبين الانسان، ومنها مرض الزكام والسل والامراض المعوية على اختلافها بالاضافة الى مرض سيدا الدجاج (مرض النيوكاسل) وطاعون الدجاج... وطبعا تحتاج هذه الطيور الى العلاج والادوية اللازمة لكي تنمو. في ألمانيا، مثلا كما في دول اخرى، حذرت السلطات من اقتناء الادوية عشوائياً في المزارع تحت طائلة الاقفال... فهناك نظام للدواء وكميته وكيفية إعطائه بالاضافة الى المدة الزمنية اللازمة لسحب الدواء من جسم الفروج، لضمان عدم تأثر صحة الانسان بأي من هذه العوامل. في لبنان يفيد احد المهندسين الزراعيين (وهو مندوب احدى شركات بيع الادوية ومنشطات النمو) ومصادر في وزارة الزراعة عن وجود حوالى ثلاثين شركة لاستيراد وتسويق الادوية والمضادات الحيوية الخاصة بمزارع الدجاج في لبنان، وانه على الرغم من خضوع استيراد الدواء البيطري لشروط معينة في وزارة الزراعة، فإن ادوية ممنوعة عالميا لم تزل تسوق في لبنان ان عن طريق تهريبها وإن عبر ادخالها تحت اسماء اخرى ولكن بالتركيبة نفسها، وهو ما تعتبر وزارة الزراعة نفسها غير مسؤولة عنه (اي عن التهريب) حيث ان ضبط الحدود ليس من صلاحياتها. وهذا الامر حاصل، وتحديداً هناك دواء مسحوب من الاسواق العالمية ويسوَّق في لبنان تحت اسم آخر على الرغم من تسببه بالسرطان وفق تأكيدات ادارة الغذاء والادوية الاميركية. ويستعمل هذا الدواء وفق د. ايلي بربور كل المزارعين اللبنانيين بكثرة لمعالجة الدواجن من الامراض المعوية التي تصيبها. وإذا انطلقنا من كلام المهندس الزراعي الذي يعمل مندوباً لإحدى شركات الادوية والذي يؤكد ان شركته مثلا تسوق لثلاثة ادوية فقط ومنشط نمو واحد ومع ذلك فإن مبيعاتها تصل الى مليون دولار في العام الواحد، فماذا عن شركات الادوية الكبيرة الاخرى التي تبيع بالاطنان؟. ويفيد هذا المهندس انه تلقى عرضا لتسويق خمسة اطنان من ادوية معينة كانت وزارة الزراعة قد منعت استيرادها في العام 1999 (على الرغم من منعها في العالم منذ العام 1992) ومع ذلك لم تعمّم القرار الا في 7 شباط 2001. وفي القانون يحظر على المهندس الزراعي ان يصف دواءً بيطرياً ولكن ما يحصل ان المهندسين، وهم في معظمهم مندوبو شركات ادوية، يقومون بوصف الدواء للمزارع ويقوم هذا الاخير بإعطاء الدواء لدواجنه عشوائيا وبكميات قد تكون اكثر من المسموح بها. في المقابل، يرى ممثلون عن بعض اصحاب مزارع الدواجن، انهم يتقيدون باللوائح العالمية للادوية المسموح استعمالها بالاضافة الى تعليمات وزارة الزراعة، مشيرين الى استحالة الامتناع عن اعطاء الدجاج الادوية اللازمة لمعالجته من الامراض التي تصيبه. ويؤكد الدكتور ايلي بربور ان بحثا اجرته الجامعة الاميركية اثبت انتقال مرضين معويين خطيرين من الفروج الى الانسان وهما الCampylo Bactirioses والسالمونيلا وخصوصا اخطر نوع من ألفي نوع سالمونيلا معروفة في العالم. ويبدي بربور اسفه لكون علاج هذه الجرثومة الاخيرة في لبنان يفشل في المستشفيات في معظم الاحيان، لأن هذا المرض قد اكتسب مقاومة ضد الادوية المقترحة من منظمة الصحة العالمية، لأن المزارع اللبناني قد استعمل هذه الادوية في مكافحة هذا المرض لدى الدجاج. ويبني بربور تأكيداته على نتائج البحث الذي أجرته الجامعة الاميركية على عينة من مئتين وخمسين شخصا. الأدوية ووزارة الزراعة يؤكد الدكتور سمير خير الدين (مصلحة تربية الدواجن في وزارة الزراعة) ان الوزارة قد اعطت خلال العام الماضي 225 اجازة لاستيراد ادوية بيطرية الى لبنان بعد تأكدها من استيفائها الشروط المنصوص عليها في القانون ومنعت الادوية المخالفة. ولكن من يراقب كيفية استعمال الدواء؟. يشير خير الدين الى النقص في عناصر جهاز الرقابة والى القصور في القانون، »نحن مثلا ليس لدينا نص قانوني يحظر اقتناء المزارع للأدوية ومنشطات النمو في مزرعته عشوائيا، كما اننا نزور المزارع عند انتشار مرض ما او عند الطلب، وبعض المزارعين يمنعوننا من دخول مزارعهم تحت ذريعة نقل الامراض الى دواجنهم من مزارع اخرى«. وبما ان الوزارة لا تراقب دورياً، فالنقص الفادح يبرز في المختبرات وقدراتها حيث »لا امكانية كما يؤكد الدكتور البيطري عبيدة مدور (وزارة الزراعة) لفحص وتحليل محتويات الاعلاف وبقايا المضادات الحيوية في المنتجات الحيوانية، وبذلك لا فائدة من المراقبة المتأخرة اذ لا يمكننا اثبات اي مخالفة«. وليس هناك ايضا نص قانوني يحدد كميات الادوية المسموح باستعمالها وكيفية هذا الاستعمال. ويؤكد مدور على دور المزارع وضرورة وعيه للأضرار التي يلحقها بالمواطنين من خلال عدم تقيده بالتعليمات التي تحدد كيفية استعمال الدواء والمدة الزمنية اللازمة لخروجه من جسم الدجاج قبل بيعه. مخاطر أخرى ويشير الدكتور ايلي بربور الى »المخاطر الصحية الناتجة عن مادة الاوزون التي تستعملها مسالخ الفروج عند غسله في احواض كبيرة، وتؤدي هذه المادة، بسبب اتحادها مع مادة البرومين المعدنية (Bromin) الموجودة في مياهنا، إلى إنتاج مادة سرطانية تسمى بوتاسيوم بروميت وهي تسبب السرطان«. ويستعمل الاوزون لقتل الجراثيم التي قد تعجل في تلف الفروج بعد ذبحه وتسويقه، ولإطالة مدة التخزين من ثلاثة ايام الى اثني عشر يوما. ولكن خير الدين (وزارة الزراعة) نفى ان تكون مياهنا تحتوي على البرومين، وأن يكون المزارع يتجاهل هذا الخطر. ويؤكد الدكتور ايلي بربور ان المادة التي يستعملها المزارع اللبناني في تعقيم البيض (وخصوصا المزارع الكبرى) لزيادة معدل التفقيس والتي تستعمل ايضا لتعقيم هنغارات المزارع بعد كل فوج من الدجاج، هي نفسها المادة التي تستعمل في تحنيط الجثث وهي تسبب مرض السرطان. ويؤكد بربور »وجود حوالى عشرين »فقاسة« بيض في لبنان، ويعمل في كل فقاسة حوالى اربعين عاملا وهؤلاء »يرشون« هذه المادة من دون اي اقنعة وقائية، فما هو مصيرهم الصحي ومن يحميهم؟ وفي هذا المجال، يشير صاحب احدى مزارع الدواجن المعروفة في لبنان الى ان المزارع اللبناني يستخدم احدث الوسائل المعروفة عالمياً في تعقيم الدجاج والفقاسات وهنغارات التفقيس والرعاية، وانه لا يمكن ان يقدم على ممارسة ما قد يضر بصحة المواطن الذي منحه ثقته. كثيرة هي التجاوزات بينما الرقابة مفقودة. ماذا نأكل وكيف ولماذا تتركنا دولتنا وجهاً لوجه مع المخاطر الغذائية التي تحاصرنا، على الرغم من قدرتها على الحد منها باتخاذ الإجراءات اللازمة وتفعيل اجهزة الرقابة وتحديث القوانين الضرورية والسهر على تطبيقها.