As Safir Logo
المصدر:

الكذب هو الدور الوحيد المتاح للمثقّف عندنا.. والمشكلة هي الانفصال بين ما نعيشه وما نفكّر به يسري نصرالله: أعمل لإعطاء قيمة للفرد .. و»المدينة« الحقيقية في داخلنا

يسري نصر الله (محمد حيدر
المؤلف: جرجورة نديم التاريخ: 2001-02-24 رقم العدد:8838

يمضي المخرج السينمائي المصري يسري نصرالله أسبوعين في بيروت، بدعوة من »معهد الدراسات المسرحية والسمعية البصرية« في »جامعة القديس يوسف«، لإلقاء محاضرات على طلاب السنة الرابعة. في حين أن »الجمعية التعاونية الثقافية للانتاج السينمائي والسمعي البصري (بيروت دي سي)« تكرّمه في »أيام بيروت السينمائية«، التي تحييها في إطار »مهرجان شمس الثاني لفنون العرض«، بالتعاون مع »الجمعية التعاونية الثقافية لشباب المسرح والسينما (شمس)« في »مسرح بيروت« (عين المريسة)، بين الواحد والعشرين من شباط الجاري والسابع والعشرين من آذار المقبل. »السفير« التقته في حوار تناول فيلمه الروائي الأخير »المدينة« (1999)، وعلاقة الفرد الذات بالآخر، وكون هذا الفرد محور أفلامه الأربعة. روى »المدينة« حكاية علي (باسم سمرة) الذي رغب في تحقيق حلمه بالتمثيل في باريس، قبل أن يفقد ذاكرته ويعود الى مدينته لولادة جديدة. طال اللقاء لساعة ونصف الساعة، وتشعّب ليستعيد بعض عناوين أفلامه السابقة: »سرقات صيفية« (1988) و»مرسيدس« (1993) و»صبيان بنات« (1995). هنا مقتطفات من الحوار الطويل معه. { حين شاهدتُ »المدينة«، لم أستطع أن أتجاهل وجه الشبه بين شخصية علي، التي أدّاها باسم سمرة، وبين شخصية باسم سمرة نفسه في »صبيان وبنات«: الرغبة في تحقيق حلم التمثيل؛ البحث عن أفق للتحرّر من صرامة التقاليد؛ الاصطدام بمثل هذه التقاليد وبصرامتها، على أكثر من صعيد؛ السعي الى العثور على الذات وسط حصار الجماعة. هل يمكن القول إن شخصية علي امتداد أو تطوير ما لشخصية باسم سمرة؟ كلا. إن »صبيان بنات« و»المدينة« امتداد لشخصيتي أنا. ذلك أن »سرقات صيفية« و»مرسيدس« أقرب الى عالمي الخاص، الطبقي والثقافي والاجتماعي الذي تحرّكت فيه طوال حياتي. وحين وصلت الى »صبيان وبنات«، اكتشفت أن ما عشته دائما لم يكن سوى حالة متفرّدة وغريبة، أي حالة المثقف اليساري »الأقلوي«، اذا استخدمنا التعبير اللبناني، الذي يحاول أن يجد لنفسه حيّزا في المجتمع، وفي الوقت نفسه يسعى الى تحديد ذاته، وليس الى تحقيقها. مع »صبيان وبنات«، وجدت أني لست محتاجا، الى هذا الحد، للعمل على بحثي هذا. اني متأكد من أن المجتمع المصري بكامله منجذب بشدة الى تحديد ذاته، لكنه في الوقت نفسه خائف بقوة مما يُمكن أن يترتّب عليه »تحديد الذات« من مسؤوليات. انها، بترجمة أبسط، الحالة التي نعيشها في بلادنا: نرغب في أن نكون أحرارا، وكل واحد منا يريد أن يحدّد ذاته وأن يستقلّ. لكن، في الوقت نفسه، نخاف من أن ندفع ثمن ذلك، بالمعنى الاقتصادي والنفسي، وبما يترتّب علينا من نتائج، كأن نعرّض الذات (للخضوع) أمام الضغط الذي تمارسه (علينا) الحياة المعاصرة. إذن، ثمة تنازع بين هذين الأمرين، يجعلك تصطدم بالأشكال المحافظة التي نشهدها في مجتمعاتنا. ليس فقط عندنا، فحين تستعيد نتاجات السينما العالمية في السبعينيات، أي أفلام برتولوتشي (التانغو الأخير في باريس) وبازوليني وأوشيما وفيلّيني وآخرين، تشعر أن فيها نزعة تحرّرية أكبر بكثير مما تشاهده في الأفلام الحالية. ثمة أشياء محافظة، كما لو أن المرء لا يستطيع أن يتحمّل فكرة الانتقال من طور الطفولة الى سن الرشد. في مصر، بدا الأمر هكذا: أنت تعيش بشكل معين، وفي الوقت نفسه تتكلّم بشكل مختلف كليا. هذا ما جعلني أنجز »صبيان وبنات«، حين التقيت شخصا مثل باسم سمرة، وعثرت على تلك الاشكالية التي طرحها الفيلم، فحوّلتها الى فيلم لي أنا، يدخل تماما في الخط نفسه الذي يُمكن أن تكون قد شعرت به، بمشاهدتك »سرقات صيفية« و»مرسيدس«. أحسست أني مرتاح للغاية بتحقيق فيلم ليس عني، لكني أجد نفسي فيه تماما. ف»صبيان وبنات« يقدّم شخصيات تتنازعها الرغبة في التحرّر والتقاليد، في آن واحد، أي ضغط الجماعة والحالة الفردية. أما »المدينة«، فخطوة أوسع. لم تكن قضية »صبيان وبنات« تحديد الذات، بل أبسط من ذلك: حالة الناس وإحساسها أنها تريد أن تتحرّر، وأن تكون في القرن العشرين، وحديثة؛ وفي الوقت نفسه ترى هؤلاء يفرملون نزوعهم اليها. هم أنفسهم الذين يفرملون، وليس المجتمع. »المدينة« خطوة أوسع الى الأمام: انها المرة الأولى التي أتناول فيها، وبشكل سافر، موضوع تحديد الذات، كقضية محورية، أي الفرد كحالة لكل الاشكاليات. مدينة كفافيس »المدينة« نابع من تجربتي أنا في بيروت. في أرشيف »السفير« مقالة صغيرة جدا كتبتها ذات يوم إثر زيارة قمت بها الى القاهرة، تحدّثت فيها كيف أني شعرت، في القاهرة، كما لو أن بيروت موجودة فيها. كنت أسافر غالبا الى باريس و»كان«، بمهمات صحافية، وكنت أشعر دائما أني أحمل المدينتين معي، وحين أعود الى بيروت أرى باريس. يومها، ظننت نفسي عبقريا للغاية، حين شعرت بأني أحمل في ذاتي هذه المدينة. صديق لي يدعى شارل قرأ المقالة، فسألني عما اذا كنت اطّلعت على قصائد كفافيس. في الواقع، لم أقرأ شيئا له، أو بمعنى آخر قرأتُه من دون أن أقرأه، حين قرأت »رباعية الاسكندرية« للورانس داريل، لأني اعتقدت أن الأشعار الموجودة في الرواية، وأن شخصية الشاعر فيها أيضا، من اختراع الكاتب. أعطاني شارل ترجمة مارغريت يورسنار لقصائد كفافيس، ومنها قصيدة »المدينة«. شعرتُ أن الرواية صاغتها بقالب أفضل (يضحك). عبّر الشاعر عن الحالة بشكل خرافي، في بداية القرن، في مدينة الاسكندرية. تكلّم عن المدينة، كمدينة وكحالة، حتى انه عاد الى المدينة الاغريقية، بالمعنى الحضاري للمدينة الكلاسيكية. حين قرأتُ القصيدة، أحسستُ أن ثمة ما/من يتوجّه إليّ بكلام من داخل القصيدة، بدا لي أعمّ من المدينة التي أشعر بها. منذ تلك اللحظة، احتفظتُ بالقصيدة. لنعد قليلا الى »سرقات صيفية«: في نهاية الفيلم، يقول ياسر لليل وهو مسافر الى العراق عما يريده من هناك، فيجيبه: المن والسلوى. وعندما يسأله عما يعنيه بذلك، يردّ عليه: »ستعرف هناك. الجنّة داخلنا يا ليل«. أي، بمعنى آخر: ما أنت ذاهب للبحث عنه هناك، لن تعثر عليه إذا لم يكن داخلك. هذا يأتي مباشرة من قصيدة »المدينة«. ثمة أمر آخر: غاب ياسر أربع سنوات في بيروت، ونوبي، في »مرسيدس«، اختفى أربع سنوات في مستشفى المجانين. فترة السنوات الأربع تلك، هذه الرمزية، موجودة في كل أفلامي لغاية اليوم. نوبي يبحث عن الاشتراكية خارج نفسه، أي في المجتمع، لكنه لن يعثر عليها إلاّ اذا كانت داخله، أي بالحب، ليس فقط باكتشافه الفرق بين وردة (أمه) وعفيفة (المرأة التي أحبها)، على الرغم من تشابههما الكبير، بل أيضا بإحساسه أنهما ليسا شخصا واحدا، وبقبوله عفيفة كما هي وليست كشبيهة لأمه، أي أن يحبّها هي، أن تتدفق المشاعر منه تجاهها. هذه أيضا من قصيدة »المدينة«، وإن بشكل موارب. لن أستفيض في تحليل »صبيان وبنات«، لكن الفيلم ينتمي الى المناخ نفسه، الإحساس بالعالم. انها المرة الأولى (في »المدينة«) التي أتحدث فيها عن هذا الموضوع، »بحق وحقيقة«، كي أنتهي منه كحاجة ذاتية. علي جزء مني، كما فيه جزء من كاتب السيناريو ناصر عبد الرحمن الذي هو فعلا من روض الفرج، ووالده فعلا بائع خضار من سوق روض الفرج، وهو ترك فعلا هذه السوق وسكن في امبابة، كما أنه أخفى عن أهله التحاقه بمعهد السينما ودراسته السيناريو، وأهله لم يعرفوا أنه سيناريست إلاّ حين كُتب اسمه على جينيريك الفيلم. إذن، جزء كبير من في علي جاء من ناصر عبد الرحمن أيضا، ومن كلير دوني التي اشتغلتُ معها (في الشق الفرنسي من الفيلم): ولدتْ في الكاميرون، وعاشتْ معظم سني حياتها في أفريقيا، وهي بيضاء. سُلخَتْ من أفريقيا ووُضعَتْ في باريس، والحالة التي عاشتها لم تكن البحث عن هوية، بل تحديد الهوية. خلاصة القول إن جزءا كبيرا في شخصية علي مستمدٌ مني أنا، كما من ناصر عبد الرحمن وكلير دوني. طبعا، ثمة جزء فيه من »صبيان وبنات« أيضا. الفرد الذات { في موازاة ذلك، ثمة خط آخر يجمع أفلامك الأربعة: الفرد كمحور جوهري، خصوصا في مواجهته »لا مراعاة الآخرين«، كما قلتَ مرة في حوار صحافي بعد إطلاق عروض »سرقات صيفية«. قلتَ إن ياسر وجد نفسه وسط أناس، حتى ولو كانوا أهله، لا يراعون فرديته. وجدتُ هذه الحالة، أيضا، عند نوبي، وعند باسم سمرة في »صبيان وبنات«، حتى ولو كان فيلما وثائقيا، وعند علي في »المدينة«. غير أني أودّ التوقف عند ملاحظة أوردتَها في كلامك أعلاه، حول رغبتك في التحدّث عن هذا الموضوع مرة واحدة ونهائية، كي تتخلّص منه. هل استطعت أن تتخلّص منه؟ حين أقرأ رواية رشيد الضعيف، »ليرننغ انغلش«، مثلا، أو »باب الشمس« لالياس خوري، أو قصائد لعباس بيضون (مع أني لا أقرأ قصائد كثيرة)، أشعر بالاطمئنان ازاء اكتشافي أني لست وحيدا في الكلام على هذا الموضوع، وبالتالي أستطيع أن أتناوله بمرح أكبر، وبتعميم أوسع بكثير من مجرّد البحث في العلاقة بالآخر المباشر، أي الأب، أو الجماعة، أي العائلة. أستطيع أن أتكلم عنه بشكل أكثر كونية، وبما هو أبعد مني بكثير. أعتقد أن هذا هو حجر الزاوية في الثقافة العربية: ما هي هذه الحالة الفردية التي توضع فيها أنت؟ أي وسط كلام كبير مثل »لا صوت يعلو فوق صوت المعركة«، أو »أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا«، أو »من أنت، أساسا، كي تتكلّم معي«، أو »من أنت، أساسا، كي تروي لي حدوتة«... في »باب الشمس«، مقطع جميل أحبّه للغاية: كان العرب يقولون سابقا »كان أو ما كان«، التي حوّلناها نحن الى »كان يا ما كان«. في الماضي، كان أحدهم يقول: حسنا، سأروي لك حكاية، ربما تكون حقيقية وربما لا تكون، لكني لا أكذب عليك. باتت الحكاية التي تُروى لك اليوم، هي: إما أني أكذب عليك، »عيني بعينك«، وهذا مسموح به، كالخطاب السياسي الرسمي، والأفلام السائدة، والثقافة السائدة التي »تُرمى« في دماغك والتي هي كذبة مباشرة، تلهيك تماما عن حياتك؛ وإما لا شيء، أي اخرَسْ، أي أن تكون، كمثقف، كذّابا، إذ إن الكذب هو الدور الوحيد المسموح به لك، كمثقف، أو كراوي حدوتة. مثل »الشراميط« وعلاقتهن بالتحرّر: في السينما المصرية، ولزمن طويل، كانت المرأة التي تشاهدها على الشاشة أما او أختا، أي لا معنى لها ولا حدوتة خاصة بها؛ أو مومس، أي تستطيع أن تقول ما تريد وأن تفعل ما تريد، فهي ستبقى مومسا، وبالتالي، فهي لن تهمّك. أنت اليوم، كمثقف، موجود تماما في صلب هذه الحالة: »أم أو أخت«، بمعنى أنك تعيد انتاج الثقافة السائدة بشكل رتيب، أو »شرموطة« درجة عاشرة تُضحك الناس وتكذب عليهم. كيف نحدد هذه »التيمة«، تيمة الفرد؟ انها حقك في أن تروي حدوتة، أي أن تعيد للسرد قيمته بأن يروي أقدار أفراد مختلفين، وأن تسمح للمتفرّج بأن يستمد بهجته من هذه الحالة، وليس من مشاهدة نفسه كسائر الناس. أود أن أخبرك ما حصل معي منذ فترة: عُقدت ندوة في كلية الاقتصاد لطلاب الدراسات العليا، تحدّثتُ فيها عن الثقافة، وكيف تُمتهن (هذه الثقافة) في مجتمعاتنا، حيث لا يوجد قانون (في أي بلد عربي) يحمي النشاط الثقافي كنشاط اقتصادي. ذلك أن النشاط الثقافي في البلاد العربية لا يعدو كونه أكثر من نشاط يقوم به أناس مجانين وسذّج لا يعرفون كيف يعيشون منه. بمعنى آخر، ثمة تهميش للثقافة العربية كحركة انتاج، إذ إن المثقف لا يستطيع أن »يأكل« بفضل النشاط الثقافي، وهذا يعني ببساطة شديدة أنك تقدّم رسالة الى المجتمع كلّه، مفادها أن هذه المهن الثقافية حقيرة، بالمعنى المجازي. جاء كلامي هذا في ندوة اقتصادية تتمحور حول الصادرات، فسألت عن أي صادرات نتكلم، إذ علينا أن نتناول أولا انتاجنا: ما هي حالة الانتاج في مصر، في ظل كل هذه الضرائب المفروضة علينا؟ قلت أيضا أن السلطات معادية للثقافة، فإذا بإحدى الآنسات تتهم المثقفين بأنهم ضد أنفسهم، وأعطت مثلا السينمائيين الذين ينجزون أفلاما فيها كلمات نابية، في مجتمع أُمّي، لذا »تستأهلون ما يجري معكم ولكم«. أجبتها أننا نقرّ جميعا أن ثمة ستين بالمئة من شعبنا أُمّي، لكن لا أحد في هذا البلد يمارس وظيفته أو مهنته كما يجب، لا وزارة التعليم ولا العدل ولا بقية المؤسسات المعنية. يجب على كل واحد منا أن يقوم بوظيفته، فكيف أُطالب أنا، كمثقف وكسينمائي، بممارسة وظائف كل هؤلاء الناس؟ لا، فليقم كل واحد بشغله، وأنا »شُغلتي« أن »أطلّع دين أمك«، أن أشاغب وأضع علامات استفهام، وأن اصطدم بما هو سائد، وأن أعود الى دور المثقف كواحد من أفراد هذا المجتمع، بل كجزء من المجتمع، يطرح على نفسه التساؤلات، ويتناولها علنا ليس كمندوب عن الجماهير (بل كمتسائل ومحرّض). أنا كسينمائي عليّ أن أمنح المُشاهد احساسا بضرورة أن يفعل ذلك هو أيضا، وأنه حين يفعل ذلك لا يرتكب جريمة، بل يكون فخورا به وبنفسه. هذا هو دور المثقف. لا يُمكن للمرء أن يعيش بطريقة معينة، وأن يتكلّم أو يفكّر بطريقة أخرى. يجب أن يكون ثمة تناغم بين »كيف يعيش« و»كيف يفكّر«، بدل حالة الذل التي فُرض عليه أن يعيشها. لماذا أجعلك دائما في حالة الشعور بخطأ ما تفعله؟ ببساطة، كي أتحكّم بك، أو كي »أكسر عينك«، كما يقولون بالمصرية. أي كي تبقى تحت رحمتي، وحين تأتي لمحاسبتي، أكشف أوراقك. مثلا، أن أقول لك: »أعرف أنك مدرّس، وأنك تعطي دروسا خصوصية«، إذ اني جعلتك تشعر ضمنيا بخطأ اعطائك دروسا خصوصية. هنا، أودّ أن أتساءل: هذا المجتمع الذي يدفع، والذي يوافق على أن يدفع المبالغ الطائلة والمخيفة للدروس الخصوصية، ألن يقبل أن يدفع نصفها لرفع أجور المدرّسين؟ لا يحصل هذا، لأنهم يريدون خلق شعب خنوع. انفصام مفروض { أتذكّر هنا ما قلتَه عن »صبيان وبنات«، وخلاصته أن هذا المجتمع يدفعنا الى ما يشبه الانفصام: ففي السر، نستطيع أن نفعل ما يحلو لنا، لكن في العلن ممنوع أن نتكلم عنه. لا أريد العودة الى تأثيرات يوسف شاهين عليك، التي تحدّثنا عنها في حوارنا السابق (11 10 1999)، لكنك قلتَ أنك دافعت عن سينما شاهين التي تحدثت عن الذات، مقابل سينما لا هوية لها. هنا، أرغب في استيضاح سبب تركيزك الدائم على هذا الفرد، هذه الذات، حتى ولو أنك انطلقت منه/منها لمعاينة الآخر والمجتمع والأزمات والمشاكل؟ لو كان للفرد قيمة في مجتمعنا، هل تعتقد أنه كان يُمكن، بمثل هذه البساطة، أن يُقتل مئتين وخمسين ألف مواطن في لبنان؟ طبعا لا. أنا ابن هذه الفترة. أشعر أن جزءا أساسيا من عملي يكمن في إعطاء قيمة للفرد. نعم، أنا مع الاستشهاد كحالة صدفة، كشيء يُمكن أن يحصل، لأن ثمة قضية تدافع عنها، وأرضا تريد تحريرها. لكن، أن يتحوّل الاستشهاد الى غاية، ففي ذلك كَمّ هائل من امتهان الفرد. لا شك أني أحزن بمشاهدتي محمد الدرة على التلفزيون، لكني لا أستطيع إلا أن أشعر أن ثمة شيئا منحرفا جدا يحصل في الموضوع، كأن الجمهور »عايز« شهداء أيضا. ثمة حاجة أساسية مغيّبة فيما تتناقله وسائل الاعلام، ويتداوله عدد كبير من المثقفين، للأسف: النشوة القصوى للفلسطينيين اليوم، في الأرض المحتلة، أنهم يقولون لا، لن نلعب بهذه الشروط. نشوة التحرّر. هذه النشوة عشتها حين شاركت في أول تظاهرة طالبية لي، العام 1972؛ البهجة أيضا، حين تقول: لا؛ حين تحقّق نفسك كفرد وأنت تقول لا، وسط كل هؤلاء الناس. لماذا تُغيَّب هذه النشوة/ البهجة؟ أنزل الى الشارع وأنا مدرك سلفا أني سأصطدم بقوات الأمن، بأسلحتهم الحقيقية وهراواتهم الحقيقية؛ وأن ثمة احتمالا بأن أُجرح أو أقتل. لكن كل هذا لا يُقارن بالنشوة التي أشعر بها وأنا أقول لا، مع أناس آخرين ينزلون هم أيضا الى الشارع ويقولون لا، وكل واحد منهم لسبب مختلف عن الآخر. لماذا تريدني ان ألغي كل هذا؟ بالنسبة إليّ، عدم تحديدك لنفسك يحوّلك الى جزء من قطيع غنم مطيع، فاقد الملامح وقبيح؛ يحوّلك الى جماعة فاسدة وبشعة، تخيف بترهّلها وبلاهتها وقبحها. ان تحديدك لنفسك ليس أبدا ضد الجماعة، بل انعكاس لقدرتك على أن تكون صادقا. { لا أخالفك الرأي أبدا. كل ما في الأمر أني أردت أن أفهم أكثر. ذلك أن أحد الأسباب التي جعلتني أشاهد أفلامك أكثر من مرة، يكمن في هذا »الشخص الفرد الذات« تحديدا، الذي لا يروي لي حكاية فقط، بل يجعلني أتساءل عن سبب عدم كوني مثله. أي أن تكون سعيدا بكونك فردا. { على الرغم من كل المشاكل التي يعانيها المرء، والضرب الذي يتلقّاه من كل حدب وصوب، وشعوره بلا مراعاة الآخرين له ولفرديته. أفهم كل ذلك. فقط رغبتُ في بعض التوضيح. الأجيال السابقة طرحت مسألة الفرد قبلنا، لكن الجميع احتاج الى حجّة ما. أمس، شاهدتُ فيلم افتتاح المهرجان، »زينب وخديجة« (لماهر أبي سمرا)، وفيه تحدثت خديجة، بوضوح، عن الايديولوجية التي تقرّ بضرورة تأجيل موضوع تحرّر المرأة، حتى تتحرّر الأرض، وبعدها نتنازع. كما لو أن تحرير المرأة بحدّ ذاته، أو تحرير الفرد بحدّ ذته، ليسا غاية. كيف أحرّر أرضي، طالما أني لا أعرف تحديد نفسي؟ كيف أتكلّم عن احتضان العالم من دون أن أخاف من العالم، ومن دون أن أكون حرا؟ حين تشاهد أفلام أساتذتنا، تجد دائما أن الفرد يكتسب مشروعية خطابه من خطاب أعم، من خطاب قومي ايديولوجي جامد، وعبره يستطيع إدخال جزء منه. لا، عذرا، أنا لست بحاجة الى هذا الخطاب، كي أتكلّم عن الفرد. إستعادة ذاكرة حقيقية { في »المدينة«، يعود علي الى حيه/ بيئته/ مجتمعه، فاقدا الذاكرة. قبل سفره الى باريس، طُرد الجميع من سوق روض الفرج، بنية تدميره والغائه. لكن علي عاد، على الرغم من أنه لا يعي شيئا. هل يُمكن القول إن ذلك نوعا من ولادة جديدة؟ بالتأكيد، نعم. إنها ولادة جديدة. حين سافر علي الى باريس، لم يكن متوهّما أن يحقّق حلمه فيها كممثل. في أحد المَشاهد، يسأله صديقه أسامة مما هو خائف، فيجيبه علي انه خائف من أن يصبح مثل أبيه ومثل عيد والآخرين، وكاد يقول له انه خائف من أن يصير مثله أيضا. أضاف علي أنه كلما أراد أن يحقّق شيئا، أو أن يفعل شيئا لأنه يريد ذلك من كل قلبه، أي من عمق داخله، يشعر كما لو أنه يسرق أو يختلس. يسأله أسامة مجددا: »يعني باريس حتاخدك بالحضن؟« فيردّ علي: »لا، لكني هناك أكون لوحدي، حقيقة«. علي يشعر بالوحدة وسط كل الناس في حيه ومدينته، وهؤلاء يمارسون عليه كمية من الضغط المرعب الذي يزيد من إحساسه بالوحدة. لا أوهام لديه بأن يتحوّل في باريس، سريعا، الى سوبرستار، وأن يحقّق نفسه كممثل. لكنه على الأقل يبتعد عن الابتزاز. ظنّ أنه قادر على شراء حريته، بإرساله المال لأهله. لكن هذا لم يكن صحيحا. وبالتالي: لماذا ذهب الى هناك طالما أنه منبوذ هنا وهناك؟ ببساطة، لأن هناك أقل عنفا. هذا ما يفسّر أيضا سبب مجيئي الى بيروت، العام 1978. كنت أريد أن »أطفش«، لم أكن أطيق عائلتي أو رفاقي أو تلك التركيبة التي أعيش فيها، مع أني أحبهم وهم يبتزونني باسم هذا الحب، ودائما يتوقّعون مني أشياء لا أريدها. طبعا، ثمة شيء رومنسي دفعني الى المجيء الى بيروت (الحالة الراديكالية العربية)، لكني في بيروت كنت لوحدي، لم أنضم الى تنظيم أو حزب. فهل كانت بيروت أكثر ديمقراطية من مصر، أو أكثر تطوّرا بالمعنى الحضاري. النكبة نفسها هنا وهناك. انها حالة تحملها داخلك. لنعد الى الذاكرة: أفهم تماما هاجس اللبنانيين بالذاكرة. ثمة عملية محو للذاكرة تتم في لبنان، تجعلكم شديدي الحساسية ازاء كلمة مثل الذاكرة. ما هي الذاكرة الحقيقية، الفعلية، الخاصة بك؟ وُضعت في دماغك كزبالة: تقاليدك، أنت ابن فلان، عليك أن تتصرّف هكذا، وأشياء أخرى تحصل معك باسم الذاكرة. هذه ليست ذاكرتك، بل حالة جماعية انقضّت عليك بهدف جعلك مثل بقية الناس. ما فقده علي هو هذه الذاكرة تحديدا، مع أنه تذكّر أنه ممثل، وها هو يعيد صلته بالعالم. مشهد من »المدينة« أتوقف عنده: يمشي علي مع أمه في الشارع، بعد خروجهما من مركز البوليس، وهي تربّت على كتفه بإيقاع معين، بدأ يستعيد الأغنية التي كانت تغنيها له وهو طفل كي يتعلّم المشي. بدأ يحس تلقائيا أن هذه ليست امرأة عادية، بل أهم من ذلك: انها أم. ما أحبّه في الجزء الأخير من الفيلم (عودة علي الى القاهرة) يكمن في كيفية استعادته ذاكرته الحقيقية، التي حُذف منها كل اللغط الذي، باسم الذاكرة، كان يخنقه سابقا.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة