عيد العشاق أو عيد الحب الذي تحتفل به البشرية في الرابع عشر من شهر شباط الحالي ليس سوى تتويج رمزي لسيرة العشق الانساني التي بدأت فصولها منذ آدم وحواء وما زالت حتى أيامنا المتأخرة تلفح حياتنا اليابسة بهوائها النضر واندفاعها المشبوب. وإذا كانت غالبية أعياد الشعوب أعيادا قومية ووطنية ذات أبعاد محلية ترتبط باستقلال هذه الدولة او تلك، او أعيادا دينية ومذهبية يحتفل بها البعض دون الآخرين فإن عيد العشاق هو من الأعياد القليلة التي تمس الجنس البشري بكامله. فليس من شخص سوي لم يشعر بخفقان الحب مرة واحدة في حياته على الأقل. ناهيك عن الكثيرين الذين لم يكتف الحب بإصابتهم بالخفقان واللوعة والسهاد الطويل بل أوصلهم الى الضفة الاخرى من المعادلة التي تلامس تخوم الجنون والانتحار والموت. لهذا السبب شكّل الحب أحد الموضوعات الكبرى التي ظلت موضع نزاع والتباس بالنسبة للشعوب والأديان والآداب كافة. فهو الخزان الذي غذى المخيلات وأشعل الحروب وأطلق المواهب ووقف وراء الكثير من الروايات والقصائد واللوحات والمقطوعات الموسيقية وغيرها. »ان الحب الذي أعاني منه هو مرض مخجل« يقول أحد الكتاب، ومع ذلك فقد ظل هذا المرض مطلوبا ومرغوبا حتى النهاية لأنه عصب الحياة المشتعل وكوكبها المأهول بالشغف والحيرة والحسرات الطويلة. إن الإبداعات البشرية الأروع هي تلك التي تتصل بالإغواء والعشق والشهوة والفناء في المحبوب. منذ فجر التاريخ راح كل على طريقته يؤلف حبّه الخاص ويخترع لنفسه ما يناسبه من النيران والرغبات والخيبات. لكن اختلاف النسب والمقادير لم يحل دون تألق الحب واستمراره ولو بطرق مختلفة. لقد تمكن الحب من ان يهدينا أجمل ما أنتجته العهود القديمة من شعر مفعم بالعذوبة والشجن والتوصيف الجسدي عنيت به »نشيد الأناشيد« الذي ينسبه البعض الى النبي سليمان فيما يعتبره البعض الآخر أحد تجليات الحضارة السومرية او البابلية او الكنعانية القديمة. وبصرف النظر عن التفاصيل فإن هذا النص الغزلي الرئع ما يزال يلهب المخيلات المعاصرة ويمدها بعناصر الإلهام والمتعة والتخييل. إضافة الى عشرات النصوص الاخرى التي اكتشفت بين أطلال بابل وأشور وأوغاريت وغيرها من الأماكن التاريخية القديمة. أمة عاشقة ومع ذلك فلا يمكننا ان نتحدث عن الحب والعشق دون الإشارة الى العرب بوصفهم أمة عاشقة بامتياز. لقد قدم العرب للبشرية أحد أجمل نماذجها الشعرية العاطفية واستطاعوا، وخاصة في العهود الاسلامية الاولى، ان يرفعوا نشيدهم الغزلي المرهف الى ذرى عالية لم يعرفها من قبل، سواء في شقه العذري الذي ترعرع في البادية والأرياف او في شقه الإباحي الذي ازدهر في مكة والمدينة وسائر الحواضر. وفي كتابه القيم »سيكولوجية الحب العربي« يعتبر الطاهر لبيب ان ما سُمي بالحب العذري يختلف اختلافا جوهريا عن الحب الأفلاطوني المثالي، ذلك لأن الاول يرتكز على حبيبة حقيقية من لحم ودم في حين ان الثاني قد يرتكز على مجرد حلم او وهم او مثال غير موجود. وفي حين ان الأول لا يخلو من شبهة جسدية وشهوانية تشير إليها أبيات كثيرة من قصائد العذريين فإن الثاني يظل في إطار روحاني وذهني خالص. اما بواعث الحب العذري فهي تعود في نظر الباحث الى باعث ديني توحيدي نجم عنه الربط بين عبادة الإله الواحد وبين الانتساب الأبدي الى امرأة واحدة، اضافة الى تمجيد الإسلام لقيم الحب العفيف والطاهر حيث نسب الى النبي قوله: »من أحبّ فعفّ فكتم فمات مات شهيدا«. غير ان الطاهر لبيب يقدم تفسيرات إضافية اخرى لظهور هذا النزوع العارم الى العذاب والهوس اللذين يصلان الى حدود الجنون والموت. فهو يعتبر ان مصارع الهاشميين وواقعة كربلاء قد أثرا كثيرا في خلق نوع من المازوشية الجماعية التي راح أصحابها يبرعون في تعذيب أنفسهم كتعبير عن الشعور بالإثم والتخلي والرغبة بالتطهر. كما ان هناك عاملا اقتصاديا صرفا تمثّل في حرمان بني عذرة من الأتاوات التي كانوا يجبونها من القوافل المختلفة التي تمر في أراضيهم الواقعة على خط التجارة القديمة يومذاك. إذ ان هذه الأتاوات انتقلت الى عهدة دولة الخلافة واضعة القبائل وبخاصة بني عذرة عند حدود الفقر المدقع. ولم يكن الشعر العذري سوى تصعيد نفسي عاطفي لذلك الإحساس المضني بالظلم والقهر والإفقار، على عكس ما حدث في مجتمعي مكة والمدينة اللذين عملت السلطة الاموية على إغراقهما في الترف والبحبوحة والرخاء الاقتصادي، بغية إبعادهما عن السياسة. وكان من نتيجة ذلك ظهور نوع آخر من الحب هو الحب الحضري او الإباحي او الجسدي الذي مثّه عمر بن أبي ربيعة خير تمثيل. لم يكن العرب وحدهم هم الذين نظروا الى الحب بوصفه حالة مرضية خارجية عن المفهوم الديني والاجتماعي السائد الذي يحض على الزواج والإنجاب والتكاثر بل إن الكثير من الغربيين نظروا الى المسألة بالطريقة ذاتها معتبرين ان الحب في جوهره ليس سوى تحويل للحياة عن مسارها والذهاب بها في طريق الانتحار او الموت. وكما ظهرت عند العرب ثنائيات عاطفية ذائعة الشهرة كقيس وليلى وجميل وبثينة وعروة وعفراء فقد عرف الغربيون ثنائيات مماثلة كروميو وجولييت وتريستان وإيزولدا. ويذهب دنيس دي رجمون في كتابه الشهير »الحب والغرب« الى ان الغربيين شغفوا بالحب المرضي والنزوع الى الموت بتأثير من الحب العذري العربي ومن الصوفيين العرب. ويذهب دي رجمون الى أبعد من ذلك بكثير فيعتبر ان الحروب الصليبية الدينية والحروب القومية الاوروبية لم تكن سوى نوع من الهوى العارم او الفائض العاطفي المرضي الذي أوصل اوروبا الى حافة الهوس والرغبة في اقتحام المجهول. ولا ينسى الكاتب ان يربط بين فتوحات نابوليون المغامرة وبين حبه لجوزفين، او بين حرب هتلر على البشرية وبين ولعه العاطفي بإيفا براون! لكن اللافت في الأمر هو ان كلاً من العرب والغربيين لم يجعلوا للحب عيدا محددا يحتفلون به ويقيمون من خلاله الطقوس والشعائر والاحتفالات، ربما لأنهم كانوا يعيشون هوس الحب في داخلهم كل يوم وفي كل لحظة، ولم يكونوا بالتالي بحاجة لتحويله الى تمثال زمني ينحصر وجوده في يوم واحد. ان ما نعيشه اليوم قد يكون نوعاً من انتصار الغريزة على الحب والعرض على الجوهر والشكل على المعنى. كأننا أمام وثنية جديدة تحول كل شيء الى وثن او صنم او طقس. كل شيء نحتفل به في غياب صانعيه الذين يصبحون مجرد ذريعة للاحتفال. نحتفل بعيد للمعلم ثم نتركه يرزح في أعبائه المعيشية وفقره المدقع. ونحتفل بعيد للأمهات ثم نتركهن في الوقت ذاته فريسة الوحشة والفراغ ومآوي العجزة، وكذلك نفعل مع الأطفال والمعوقين والعمال وغيرهم من الذين حلّت عليهم نعمة الأعياد. أما عيد الحب نفسه فلم يعد سوى نوع من كرنفال طقوسي غرائزي شبيه باحتفالات فينوس في العالم القديم. لقد خسرت الانسانية الحب ولم تربح الزواج بالمقابل، بعد ان حولته الى مؤسسة بالية قائمة على التكاذب وتبادل المصالح وإنتاج الرتابة. ومع ذلك فثمة عشّاق ومحبون كبار مبثوثون كنيازك مشتعلة وسط هذه الأرض التي ينقصها الشغف. هؤلاء وحدهم يعطون عيد الحب معناه ويحرسون الأرض من شيخوخة محققة.