As Safir Logo
المصدر:

منى مرعشلي.. قلبٌ تسمّر نبضاً واستمرّ نغماً

الفنّانون كمنى لا يموتون. بإنتاجهم القليل، يتركون كبير الأثر
المؤلف: سرور زينب التاريخ: 2016-12-06 رقم العدد:13532

في سنواتِها الأخيرة، فقدت الحماسة. روّضت أوتاراً أطربت سامعيها. أسكنَتها. كان ذلك غصباً عنها مهما حاولت تبرير العكس. مرضُ الوالدة، مرضُها، غيابُ الاهتمام، التّعب، اجتمعت كلُّها في صوتٍ كلثوميّ اجتاز الحدود روحاً لا جسداً. من «كوكب الشّرق» سرقت الأداء. سكبت عليه كثيراً من فرادة، فوُلد «كوكب لبنان». تلك المساحة الفاصلة بين ثغر منى مرعشلي حتّى آخر أوتارِها شكّلت فضاءً، لنجومِه حكايات تكاد لا تنتهي. صباح أمس خفت «الصّوت». ترهّلت خيوط حنجرة إمرأةٍ دأبت على تمرينها في سنوات الغياب عن السّاحة الفنّيّة كي لا تُصاب بذاك التّرهّل. منى، جميلة الوجه، أسدلت، على غفلة، جفنين أنهكتهما أمورٌ كثيرة كان المرض أقلّها وطأةً. عن 58 عاماً قرّر كوكبُنا السّكون. بعد أيّامٍ على خضوع منى لعمليّةٍ بسيطةٍ في المرارة داخل أحد مستشفيات العاصمة بيروت، حان موعد الرّحيل. بحسب العائلة، لم تظهر فحوصاتها الطّبيّة وجود أيّ مشكلة. لكن في حالة منى، اختار الموت المباغتة. لم يقدّم إنذاراً، فكان للجسد نهاية أُرِّخت في 5 كانون الأوّل 2016 وعُنوِنَت بـ «الجلطة القلبيّة». كلثوميّة الهوى قلبُ منى تسمّر نبضاً واستمرّ نغماً. طويلاً، لم تستطِع ابنة المصيطبة في بيروت أن تتناسى يدي حبيبها، فغنّت له كلاماً نابعاً من تلك البقعة الصّغيرة في اليسار: «إيديك اللي بالشتوية فيهن إيديّي بتدفى، لا عم بقدر إنساهن أنا ولا عم بقدر إغفى». طلبت منه في أغنية «تركني انسالي إسمي» أنّ يطبّق عنوان الأغنية، فهي بالنّسبة إليه كلمة تُكتب وتُمحى بسهولة. أخبرته في «لك شوقة عندنا» أن لا غنى عنه لديها. اعترفت أنّه عزيزٌ عليها فهو «واحد منّنا». أمّا في «يلّي رايدني» فجاء الاعتراف الأكثر حساسيّة «تعرف لمّا تبعد عنّي وتغيب عن عيني في أيام بنده إسمك غصب عنّي ليل نهار وفي الأحلام». لصوت منى هويّة انتزعت أغنية «شمس المغارب» من عبد الكريم الشّعار. كُتبت الأغنية في الأصل إلى المطرب اللبناني. لم يكن معجباً بها. أحبّها بصوت منى الّتي كانت تردّدها خلفه أثناء التّمارين، فقرّر عرضها عليها. مذ وطأت قدماها «استوديو الفنّ» في العام 1973، أذهلت الجميع. شكّل فوزها بالميداليّة الذّهبيّة عن فئة الغناء الكلاسيكي نقطة الانطلاق. قيل فيها الكثير. اعترف لها سيّد مكّاوي أنّها «موهبة خطيرة». ووصّفها الموسيقار محمد سلطان على أنّها «من طينة الكبار». كلثوميّة الهوى. كان للسّيّدة أم كلثوم مكانة خاصّة في قلب منى. مراراً وتكراراً، وثّقت الرّباط بينها وبين السّت. منذ وقوفها الأوّل بعمر ثماني سنوات على مسرح المدرسة في عيد الأم مؤدّيةً أغنية «أمل حياتي»، عرفت أنّ «كوكب الشّرق» ستكون البوصلة. «كوكب لبنان» بعد 27 عاماً شرحت الحالة. في مقابلةٍ مع مجلّة «الحوادث» بتاريخ 12 آذار 1993، قالت منى: «رافقني الجوّ الكلثومي منذ نعومة أظافري كوني أنتمي إلى عائلة يتمتّع جميع أفرادها بصوتٍ جميل». استفاضت: «كانت أغاني أم كلثوم تتردّد على مسمعي مراراً وتكراراً، إلى أن رأيت نفسي أميل إلى هذا اللون وأحبه وأؤدّيه بإتقان. وعندما تقدّمت إلى برنامج استوديو الفن لم أكن أعي أهمية هذه الخطوة، بقدر ما كنت أفتش عن الأغنية التي تبرز مقوّمات صوتي. وبما أني ابتدأت باللون الصّعب، وجدت نفسي أكثر جديّة ومسؤوليّة أمام تحقيق أيّ تقدّم مميز لكي أحافظ على المستوى الذي ظهرت به على الناس». كلامٌ يختصر الكثير. مال القلب نحو النّيل ولم يَنسَ الأصل. لمنى، كان الدّور، كونها فنّانة لبنانيّة، أن تقدّم فنّ بلادها «بأبهى صوره». وفي مقابلةٍ مع صحيفة «النّهار» العام الماضي، حرصت منى على جعل الصّورة جليّةً أكثر، فقالت بصريح العبارة إنّ «الانطلاق يجب أن يكون من وطني أولاً، وتعزيز وضعي هنا». نتاجُها اللّبنانيّ وازى المصريّ براعةً. أزكى تعاونها مع الأخوين رحباني وزياد الرّحباني وكذلك الملحّن فيلمون وهبي ذاك النّتاج، فخرجت أغانٍ كـ «تركني انسالي إسمي» وغيرها. أمّا حصولها على لقب «كوكب لبنان» فكان عصارة المزج بين روح مصر وأصالة بلادها. تحية متعبة الفنّانون كمنى لا يموتون. بإنتاجهم القليل، يتركون كبير الأثر. الفنّانون كمنى لا يتعبون. يبدأون حياتهم والأحلامُ مضاعفة. إمكاناتٌ متعاظمة تتعثّر بتفاصيل تخرج من حِجرها الغائر. ومع ذلك، ترفض الأحلام الدّخول في غيبوبة. الفنّانون كمنى لا يتكرّرون. كما لفنّهم، لوجودهم هويّة. منى، بصوتِها، بخامتها، بابتسامتِها، بعفويّة حركة يديها وهزّة رأسِها، بَنَت هويّة. منى مرعشلي. يكفي ذكر الاسم حتّى تستيقظ أحاسيس غفت وسط ضجيج دخيلي الفنّ. منى فقدت حماسةً كانت سبباً في عزوفها عن المتابعة. لكن أحلامها لم تدخل في غيبوبة، كانت فقط تأخذ استراحة. لإحساسٍ كانت تُجلّ، لقناعةٍ كانت تقدِّس، لصوتٍ كان يفتُنها ويفتننا، لمسؤوليّةٍ كانت تُثقلها مذ رأت أنامل المارّة تتّجه صوبها، لدقّةٍ متناهية فرضها تعاظم تلك المسؤوليّة، لوطنٍ رأت أنّه الأصل والقاعدة، لمديحٍ كان يُسعدها إذا ما صدر عن إحساسٍ صادق، لأشخاصٍ اهتمّوا بها بعيداً عن ضوضاء الشّهرة، لمنى مرعشلي، تحيّةً صادقة، لكن مُتعَبة أمام مشهد تساقط ورقةٍ إثر أخرى من شجرة فنّنا الجميل.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة