As Safir Logo
المصدر:

عن الوعي الاجتماعي ومستنقع السياسة في العراق

المؤلف: حَمَد وَدود التاريخ: 2016-10-17 رقم العدد:13490

بعد سقوط بغداد / احتلال العراق في العام 2003، عمّقت الأحزاب الإسلامية (لا سيما الشيعية التي كان لها الحصة الأكبر) وكل مَن وَصلَ الى الحكم (مِن أحزاب إسلامية سنيّة وليبرالية) بتزكية قوات الاحتلال الأميركي، ظواهر الاستيلاء على ميزانية الدولة وتفاقم الفساد والرشوة في صوَر لم يَعرفها العراق. ولم يَعُدْ للهوية العراقية محتوىً ملموس، وطغى الانتماء العشائري والمَذهبي الذي شجعه نظام صدام حسين كأداة لفرض سيطرة الحزب / العائلة على بلَد متعدد المشارب السياسية والدينية والإثنية والمذهبية. والهوية الوطنية أو القومية مكتسبة أساساً، بمعنى أنها نِتاج وعي سياسي ـ اقتصادي ـ إجتماعي. تتنامى الهوية مع تطور الوعي، أو تتلاشى مع تعثّره. وهذا ينطبق على العراق أو سويسرا أو جزر السيشل. ومع الصراع على ماهية الهوية تصبح الذاكرة ربما مِن أهم ما يُعيد تشكيل مضمون هذه الهوية. ويتجلى هذا المضمون في التاريخ المنقول / المسموح به، والهيئة أو الشخص الناقل. الحكّام، وأزلامهم، هم مَن يكتبون التاريخ عادةً، كما عهدنا في كل مكان وزمان. فيُختَزَل تاريخ العراق إلى صراع طوائف أو مِلل، و يُجَرد من موضوعه وموضوعيته. و تكثر الأسئلة والنقاشات حول «كيف» حصل هذا. والأجدر، بحسب تقديرنا، أن يكون التركيز على «لماذا» يحصل كل هذا. الذاكرة وأزمة الوعي لن نَفهم العراق جديّاً من دون قراءة عقلانية لـ «ثورة 1958» و «انقلاب 1963» وتأثيرهما على سيرورة المجتمع والاقتصاد في العراق. هل كانت الأولى ثورة أم انقلاباً؟ ما هو دور الحزب الشيوعي واليسار العراقي عموماً؟ ما هو دور الحركة القومية و «حزب البعث» تحديداً؟ ماذا عن الإسلام السياسي؟ لقد صُدِّعَت رؤوسنا من كثرة الصور التي يتلقاها العراقيون منذ حوالي عقد أو يزيد، عن قيافة و لطافة ونظافة العائلة المالكة وحكام العراق خلال العهد الملكي، وعن همجية العراقيين «الشراگوة» الذين أطلقت ثورة 1958 العنان لحقدهم وجهلهم. و لِمَن يجهل، أطلق مصطلح «الشراگوة» أثرياء الشيعة في بغداد على النازحين من الريف العراقي، خاصةً الجنوب، إلى بغداد. وشاعَ المصطلح كالنار في الهشيم في زمن عبد السلام عارف، أحد قادة انقلاب 1963 ورئيس الجمهورية حتى مقتله في العام 1966. ولم تَسلم، بالطبع، أقليات العراق مِن الإجحاف والتهميش. فتَعرَّضَ الأشوريون إلى عملية إبادة مبرمجة خلال العهد الملكي، أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي تحديداً. وبعدها ساهمت حكومة نوري السعيد، بتخطيط مُسبَق ومُنَسّق مع أجهزة القرار في بريطانيا، في تهجير اليهود من العراق، وغَض النظر عن عمليات النهب والسَلب (الفرهود) التي تَعرضَ لها الناس الآمنون. ولَم تسنَح فُرَص التحصيل الجامعي والحصول على وظائف مهمة، وبالتالي التطور المعيشي، لغالبية الناس، وذلك حتى أوائل الستينيات. وبعدما كانت فرص التحصيل الجامعي العالي (البعثات الدراسية الى أوروبا) مقتصرة فعلياً على الأثرياء أو المُقرّبين من أصحاب الحكم والنفوذ، فَتَحَت ثورة 1958 الباب لأول مرة أمام أبناء الفقراء. العراق، بعد الحكم العثماني والانتداب البريطاني، كان يَرضَخ لـسيطرة العَسكر، وجلَّهم من أصول تركية، أو في أقل تقدير تتلمذوا في المدارس التركية. مارسَ العسكر نفوذهم وأحكموا سيطرتهم كممثلين مؤتَمنين للحاكم البريطاني الفِعلي بمساعدة ثلاث فئات. الأولى كانت المُنفّذ الأساس لحكم العسكر إبان الفترة الملكية وهي الطبقة الإقطاعية. وكانت تتألف أساساً من عدد محدود من العوائل الشيعية والـسنيّة واليهودية التي اغتَنَت بسبب تقربها من الوالي العثماني، ومن ثم من المندوب البريطاني. كانت هذه العوائل تمارس مهمة تحييد العَوام وضمان استمرار التهميش المبرمج. ولا يجوز إطلاقاً أن ننسى الدور الذي مارسه ممثلو المرجعية الشيعية (الفئة الثانية) لناحية الاغتناء وممارسة القمع والتهميش المُبرمج لفلاحي وفقراء الريف العراقي في الوسط والجنوب. فكان هناك «سيّداً» في كل قرية وناحية ممثلاً للمرجعية، ولكلمته (وحكمه) يخضع الفقراء. وقد اغتنى الكثير من هؤلاء بشكل رهيب، ومِن ثم أصبحت علاقتهم بالحاكم البريطاني أو «البعثي» أو الاحتلال الأميركي ضرورة فعلية لاستمرار ثرائهم ونفوذهم. وربما من الأصح وَصف هذه الفئة بـ «الإقطاع اللاهوتي، الشيعي تحديداً». والفئة الثالثة كانت مجموعة «السراگيل» المُنفذّة لأهواء العوائل الإقطاعية، إذ كانت مسؤولة عن جباية الضرائب و نِتاج الارض. وكانوا عنيفين في تعاملهم مع الفلاحيين والفقراء، وانتشروا أينما كانت هناك أراضٍ زراعية من شط العرب الى رُبى كردستان. كانت ثورة 1958 انقلاباً على الوضع الاجتماعي برمَّته، ولم تكن فقط ضد التبعية للتاج البريطاني و «حلف بغداد»، سيئ الصيت. كانت ثورة وطنية حاولت أن تُساهم في تغيير الواقع المجتمعي والاقتصادي والسياسي في العراق، وبالتالي التفَّ حولها الفقراء والمهمّشون والأقليات. واتحدت قوى الاقطاع و المرجعية الدينية الشيعية والأوليغارشيا السنيّة واليمين (العلماني) العربي لإجهاض حركة نهضة عضوية، كان من الممكن أن تُغيّر مجرى السياسة والنمو في العالم العربي نحو التقدم والاستقلال الفعلي. ولا يعني التشخيص الطبقي لثورة 1958 وإيضاح الميزات الاجتماعية أن نتهاون مع التجاوزات والممارسات الشنيعة، لا سيّما قتل أفراد الأسرة الملكية والتمثيل بجثثهم وسحلها في الشوارع. من الصعب معرفة تداعيات ومبررات مقترفي هذه الممارسات، ولكنها للأسف حَدَثت، وهي تحدث في التغييرات المجتمعية الكبيرة كلها. ويجب أن تُستَنكَر جملةً وتفصيلاً، من دون الوقوع في فَخ لَوم فئة أو مجموعة ضد أخرى، أو في تفسيرات ثقافية تحاول إرجاع هذه الأحداث إلى «خصوصية» المجتمع العراقي وكأنها أحداث نادرة لم تحصل في أوربا أو أميركا أو بلدان أخرى. المشكلة الأساسية التي واجهتها ثورة 1958 أنها حاولت تغيير الحسابات عربياً وإقليمياً، وخَلَقَت إرباكاً على المستويات كافة. فكان مهماً، وذا أبعاد كبيرة، القرارالخاص بتأميم النفط العراقي وإنهاء دور الشركات العالمية في رَسم وتحديد السيرورة الاقتصادية في البلد. وقد حدث هذا بعد سنوات قليلة من محاولة مُصدَّق في إيران إرساء استقلال بلده من النفوذ الأجنبي، فكان لأحداث العراق صدىً كبير غير مُرَّحب به لا سيما أميركياً و بريطانياً. على الصعيد الداخلي، سَعَت الحكومة بعد 1958 أن يكون الإنسان العراقي مواكباً التطورات البشرية عالمياً، على أمل بناء شعب متطور علمياً و ثقافياً، كان تركيز اليسار العراقي على البناء والنمو المحليين وتعزيز العلاقات مع الدول الاشتراكية. كان العراق سبّاقاً في العالم العربي في إقرار قانون الأحوال المدنية (العام 1959) والمساواة بين الرجل والمرأة. وقد كان المزاج العام في البلد تَقدمياً. ففي 1 أيار 1959 خَرجَ مئات الآلاف احتفالاً بعيد العمال. لكن كان هناك انقسام واضح في البلد، بين غالبية (ذي تاريخ مُهمّش) مؤيدة لنهج ثورة 1958 وأقلية مُعادية صاحبة ثروة ونفوذ وضِعا تحت المجهر (وإن كان لوقتٍ قصير). ولم يكن اهتمام حكومة عبد الكريم قاسم بتحسين الوضع المعيشي لغالبية السكان والتركيز على النهوض بالعراق مُناقضاً لكون العراق وشعبه جزءاً لا يتجزأ من المحيط الثقافي والسياسي العربي. في نَقد اليقين الجَمعي من النافل القول إن «النقاء» الإثني أو الديني محض خيال ولا يَمُتّ لواقع أي شعب أو منطقة بصلة. وينطبق هذا التشخيص على المجتمع العراقي. التنوع الشائك في المجتمع العراقي كان له تأثيره الواضح على سيرورة المجتمع أنثربولوجياً وسياسياً واقتصادياً. وهذه مسألة مهمة، يتجاهلها أو يتغاضى عنها كثيرون. اعتنقت عشائر جنوب العراق التشيّع تدريجياً، بعدما كانت المسيحية والمندائية (أتباع يوحنا المعمداني) واليهودية ديانات أساسية في الجنوب العراقي حتى منتصف القرن الثامن عشر، بحسب بعض الدراسات الأكاديمية. فمدينة الناصرية مثلاً، اقتبست اسمها من كونها واحدة من أهم الحواضر ذي الغالبية المسيحية. ولا تزال الناصرية، كغيرها من مدن الوسط والجنوب العراقي، تحوي أقدم الأديرة في التاريخ وتنبض بحضارة الأولين. تاريخ التشيُّع الحديث بُنيَ على هذا الصرح المعرفي. وهذا التلاقح الحضاري ينعكس بجلاء في الشعائر والطقوس الدينية والمَلبَس والمأكولات. وقد أغنى هذا التنوع ثقافة المدينة، فكانت الناصرية في القرن العشرين معقل الفكر السياسي في البلد، وفيها نشأت الحركة الشيوعية العراقية، وكانت حركة عضوية مرتبطة بالواقع الملموس للمجتمع آنذاك، خلافاً لكثير من الحركات الشيوعية العربية التي وَلدت غريبة عن محيطها. هذه الحقائق التاريخية والأنثروپولوجية تُناقِض جوهر ‹المظلومية الشيعية› التي أدلَجها الإسلام السياسي الشيعي منذ ثمانينيات القرن العشرين تحديداً. ولا صحة أن الشيعة، وشيعة العراق خصوصاً، كتلة متجانسة كانت تمشي بإمرة المرجعية في النجف أو خاضعة لرغبات إيران. ريف أهوار بلاد ما بين النهرين، التي ربما تكون البقعة التي وَصفتها الديانات الإبراهيمية بـ «الجنة الموعودة»، كانت، ولا تزال، الجحيم المُعارِض الذي تخافه، وتُحاول قمعه الحكومات المركزية من دون استثناء. ولا تكمُن أهمية الجنوب للإسلام السياسي في تشيّع سكانه، بل في بحر النفط الذي يطفو عليه. الإسلام السياسي الشيعي، كرديفه السُنّي («الإخوان المسلمين»، مثالاً)، سعى لأن يكون تابعاً أميناً لمنظومة الاقتصاد الرأسمالي. وقد أوكِلَتْ هذه المسؤولية لحزب «الدعوة» في العراق، من نوري المالكي إلى حيدر العبادي، لجعل العراق بأسرع وقت خاضعاً لمقررات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لناحية الخصخصة وتفكيك ما تبقى من القطاع العام. ومن سخرية القدر أن يتقاذف الطائفيون الشيعة والسنّة بِدَع «النقاء المذهبي» ويحاولون استثارة ميثولوجيا سياسية أساساً تحت غطاء ديني ـ مذهبي. العراق يشهد اليوم تنامياً لدور رجال الدين في تأجيج الطائفية وخلق أوليغارشيا لاهوتية (سنيّة وشيعية) تستخدم الدين / المذهب من أجل إدامة الظرف الذي يسمح لهم بالاستيلاء على مزيد من السلطة والنفوذ. لكن تأسيس الميثولوجيا اللاهوتية والمظلومية غير ممكن من دون أيديولوجيا تُمهّد لاستخدام الخطاب الديني. وفي العراق كان حزب «البعث» أول مَن أقحمَ المرجعية الشيعية في النجف في محافل السياسة في العراق ـ برغم أن مرجعية النجف امتازت (لأسباب نأمل أن نبحث في جذورها في مجال آخر) بابتعادها عن السياسة منذ قرنين أو أكثر. وفي خِضم «المَد الأحمر»، ولمجابهة الأفكار الاشتراكية والشيوعية، لا سيّما في الوسط والجنوب العراقي، نَجحَ «البعثيون» في الحصول على فتوى العام 1961 من السيد محسن الحكيم بأن «الشيوعية كفرٌ وإلحاد». وكان محسن الحكيم أحد أهم مراجع النجف آنذاك، وهو والد محمد باقر الحكيم، مؤسس «المجلس الاعلى للثورة الإسلامية في العراق». ومنذ تلك الفترة نشأت صلة، تترواح بين الحب والكراهية، بين الإسلام السياسي الشيعي «البعث» العراقي. (بعدما بدأ صدام حسين الاعتماد على المنطقة والعائلة في الحكم منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، انتقل وئام حزب «البعث» الى الوَقف السنّي). من جانبٍ آخر، صبَّ السيد محمد باقر الصدر (أعدمه صدام في العام 1980)، وهو الشخصية المهمة من مراجع النجف والمؤسس الروحي لحزب «الدعوة» الإسلامية، جُلّ همَّه في مؤلَّفيه ‹فلسفتنا› و›اقتصادنا› في الهجوم على الحركة الشيوعية العراقية والاتحاد السوفياتي السابق، من دون الولوج في مضامر الفكر الماركسي ونقد أسسه المعرفية والفلسفية. مؤلفات الصدر كانت محاولة للوقوف بوجه الحركة اليسارية في العراق وشعبيتها في أوساط الفلاحين والحرفيين. المفارقة أنه بعد ما يزيد على العقد من سيطرة حزب «الدعوة» على مقاليد الحكم في العراق، ظهر بوضوح أن نهج الإسلام السياسي الشيعي لا يتعارض أساساً مع النهج الاقتصادي الرأسمالي، بل يخضع له بامتياز. الطائفية هي ممارسة مفتعلة، وهي ليست نتيجة تاريخية حتمية لسيرورة مجتمع ما. كالعنصرية، للطائفية الدينية أو المذهبية دوافع سياسية ـ اقتصادية للاستحواذ على السُلطة بكل أشكالها. فالحراك المدني الذي بدأ بعد مقتل الشاب البَصري مُنتَظر علي الحلفي في 16 تموز 2015 برصاص الشرطة المحليّة رَفعَ شعاراً لَخَّص 13 عاماً من حكم الإسلام السياسي المتحالف مع الاحتلال الأميركي: «باسم الدين باگونة (سرقونا) الحرامية». لكن الحراك المدني، الذي تجاوزَ الخطاب والممارسة الطائفيين، فَشلَ في تغيير الحركة السياسية لأسباب عدة، أهمها عدم وجود حركة يسارية فاعلة في العراق قادرة على التحليل الموضوعي للتخلّف المهيمن على المجتمع العراقي، وتدرك الدور المهم الذي من الممكن أن يلعبه العراق حالياً على الساحة العربية والإقليمية في بناء مجتمعات تحترم الإنسان والثقافة والتطور المعرفي وتسعى لتوفير العدالة الاجتماعية لأكثر الطبقات الاجتماعية عوزاً وحاجةً. فَدور الحزب الشيوعي العراقي، ذي التاريخ النضالي الطويل، أصبح ثانوياً، لا سيمّا بعد مشاركة الحزب في هيئة الحكم المُنتَدبة فعلياً من دولة الاحتلال، وكممثل عن «الطائفة الشيعية». وقد تلاشى دور الحزب تِباعاً بسبب التحالفات السيئة، تارةً مع أياد علاوي، وتارة تحت مظلة التيار المدني الذي ضمَّ شخصيات تَكنُّ وِدّاً غريباً لدولة الاحتلال الإسرائيلي. علماً أن دور الحركة الشيوعية العراقية انتهى فعلياً بعد إبادة حزب «البعث» لحركة الكفاح المسلح الذي قادها خالد أحمد زكي ورفاقه في «الحزب الشيوعي ـ القيادة المركزية» في أهوار جنوب العراق بين عامي 1967 و1969. وكان الحزب الشيوعي قد تعرض قبلها لضربة شبه قاضية في انقلاب 8 شباط 1963 وما أعقبه من إعدامات وتصفيات لم يَفُق منها، فسيطرَ مذاك التيار اليميني في الحزب.. وما زال الأمر مستمراً.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة