الدكتورة ناديا خوست في عام 2000، ما زالت كما كانت قبل ربع قرن في أدائها الادبي. وما زال اسلوبها كما كان. الجملة عندها تلسع اختها كالسوط كي تفسح لها الطريق.. هي تسابق الزمن، والزمن لا يبخل عليها بالهموم الوطنية والانسانية ولكن المواجهة عندها تدور بين التاريخ وبين المستقبل مستقبل العرب ومستقبل الانسانية. كتابها الجديد هو رواية قديمة قدم الشهداء والعشاق... قدم السياسة العربية الخاسرة غالبا، منذ مطلع القرن الماضي على اقل تقدير. تختبئ خوست خلف شاشة شفافة قبالة سد من الفولاذ يطبق على الحياة العربية، وتتثبت بالمشروع النهضوي. ناقد سوداني لم اعد اذكر اسمه قال عن كتاباتها: »انها بين الوحيدين والوحيدات الذين نجحوا في تسييس الادب وتأديب السياسة«. الكتابة لديها لا تصاغ على مبدأ الفن للفن بل على منوال الفن للحياة ومنها. وحبكة القصة لديها طويلة الى درجة عالية وتترك حل العقدة للمستقبل. وعلى هذا الاساس اخرجت روايتها شهداء وعشاق في بلاد الشام امتدادا لسلسلة بدأ منها بكتاب »حب في بلاد الشام« ثم اعاصير في بلاد الشام وهذا هو الثالث في المجموعة، والرابع آتٍ على الطريق. ومع انها تستخدم حروف المضارعة لتعطي جملتها رشاقة غير ان هذا الاستخدام لا يبعدها عن هموم الماضي، الذي يتعبها لا سيما انها تحتفظ دائما بما هو موجع وضاغط. ورغم انها ترتدي فستان »الفنتازيا« في الاسلوب مثل صبية في ريعان الشباب، لكنها تكتب بروح جدية مستوحاة من الحب والعشق وحكايا الصبايا والاطفال والنساء والشيوخ الذين تسوقهم الى الحدث، او يشدونها الى ما يعانون على الارض العربية. وحين تقسو الحياة عليها وعلى افكارها وكتاباتها، لا تستريح بل تفجر ينابيع طاقتها كماء بين صخور شاهقة العلو، متراصة السطوح. وعندما ترخي الظلمة سدولها على الطريق لا ترجع ولا تخاف بل تستشهد مع ابطالها وتحتفظ لهم في عبّها ببطاقة عشق لا ينسى. مثل شمس آب التي تنضج العنب، تدور بأبطالها بلاد الشام قبل وأثناء وبعد تمزيق هذه البلاد بين مخالب سايكس بيكو. السياسة والأدب هنا سألتها: { ما حكاية عجن السياسة بالادب لديك؟ فقالت لي: انا ارى الحياة محاور، وكل ما يحدث يمكن التعبير عنه بالسياسة او بالادب، لكن من خلال علاقات اجتماعية وشخصية، وصداقات قد تبدو شخصية وحسب لكنها ذات بعد، وذات مدى يتجاوزها الى آفاق الاجيال ومغزى الوقائع. { تركزين دائما على وحدة بلاد الشام وليس على الوحدة العربية الاشمل، لماذا؟ انا لم اخترع وحدة بلاد الشام اطلاقا، لكن الوقائع والاحداث موضوع اهتمامي الادبي هي التي وحدت بلاد الشام جغرافيا وإنسانيا واقتصاديا وتاريخيا، أحيانا نجد اسرة واحدة موزعة في بلاد الشام في سوريا ولبنان وفلسطين، وكان شرقي الاردن والجولان مجالا حيويا لحركة الثوار السوريين. فلقد ربطت بعض الاسر اللبنانية والمصرية والليبية من خلال الغزو الاوروبي المتعدد. اذاً وحدة بلاد الشام لا تنفي الوحدة العربية بل تيسر لها. في روايتي الاخيرة ركزت على إعدام الشهداء في ساحة »البرج« في بيروت »والمرجة« في دمشق وهم شهداء النهضة القومية في بلاد الشام، وان رجالات المؤتمر السوري كانوا من بلاد الشام. { مهما تعددت وسائل الادب هل ترين انها قادرة على مواكبة السياسة والتعبير عنها والتأثير عليها؟ طبعا مع فارق الانواع الادبية. فالشعر يحيط بالاحداث الراهنة، لكن الرواية تحيط وتصور فترة زمنية ممتدة الى بعيد، فهي بحاجة الى زمن وخاصة حين تتناول احداثا تاريخية. لكن الاحاطة بمحاور الزمن تثبت ان الادب يتجاوب مع الواقع والاحداث ويشرحها بامتياز معين وانه لا يدير ظهره للسياسة. فأحداث الانتفاضة القائمة عام 2000 في فلسطين اثبتت لي صحة اختياري لمحاور رواياتي الثلاث الاولى التي تعبّر عن الصراع العربي الصهيوني بطريقة ما، وان التدخل الاستعماري هو المحور الاول والهام. { لماذا الاهداء في الرواية الى المقاومة اللبنانية؟ اهديتها للمقاومة اللبنانية الوطنية لأنها تقدمت بمحور الصراع الى مرحلة جديدة. فرغم التفوق العسكري الاسرائيلي وما قيل عن هشاشة الوضع اللبناني استنتجت المقاومة في الجنوب المعايير المناسبة التي تستطيع بها تحويل شروط ومناخ المنطقة السيئ الى انتصارات. { ألا تتعبك تغطية الزمن بالرواية؟ احاول ان اتناول محاور القرن الماضي. فرواية حب في بلاد الشام الصادرة عام 1995 غطت الفترة الزمنية من 19131908. ذلك لأني اتصور ان فتح خرائط المنطقة قد غرس الكيان الصهيوني في فلسطين، وصيغت اسسه في تلك الفترة. وهكذا فإن تلك الفترة اسست للأحداث التي نعيشها الآن. اما الرواية الحالية فإنها غطت المرحلة من 1914 حيث اشتعلت الحرب العالمية الاولى الى عام 1927 وهي الفترة التي تم فيها اقتسام بلاد الشام وتقدم فيها غرس الكيان الصهيوني. اما رواية اعاصير في بلاد الشام فقد تناولت الصراع الذي دشن عام 1948 وهزائم العرب ومصير القرى الفلسطينية، وألقت نظرة عامة الى النفوذ الصهيوني المعولم والذي ساهم في اسقاط وتدمير المعسكر الاشتراكي. وفي روايتي القادمة التي لم اضع لها عنوانا بعد سأغطي المحاور الباقية من القرن الماضي. هذه هي الارضية التاريخية التي وقفت عليها في كتاباتي خلال السنوات العشر الماضية. ماتت احدى بطلات روايتها شهداء وعشاق في بلاد الشام في اول يوم من الحرب العالمية الاولى، فعلق الناس على موتها بقولهم: استراحت! »هي محظوظة تركت الهم على من بقي حيا« لأن موتها كان مقدمة كارثة عامة وتفسيرا لها. فلقد قتل عام 1914 اصحاب »انور« التركي امثال وزير الحربية »ناظم باشا«. فنط انور الى مكانه وتزوج ابنة السلطان عبد الحميد وانتقل الى القصر وتوزع الاتحاديون الباقون المناصب. لكنهم جميعا يجهلون من قرر دخول الدولة العثمانية في الحرب؟ قتل عشرة بالمئة من جنود الدولة حول قناة السويس. لكن اعلان الاتحاديين الحياد في الحرب كان تغطية لتقدم الالمان ضد الانكليز، الذين دخلوا في مفاوضات مع الشريف حسين. همس احد ابطال الرواية بأذن زميله يومذاك قائلا سترى كيف ندفع ثمن الاتصالات بين الانكليز والشريف حسين، والثمن كان اتفاقية سايكس بيكو. سايكس بيكو مارك سايكس هذا شاب بريطاني غني جاء الى الشرق مع والده، وهو في السابعة من عمره، وعاش اربع سنوات في »اسطنبول« وصار عضوا في مجلس العموم البريطاني. وهو رسام »كاريكاتور« وأول من اقترح ان تصبح سوريا الطبيعية (بلاد الشام) انكليزية، وكان ذلك مقدمة من مقدمات المشروع الصهيوني في فلسطين حالما يتم اقتسام الامبراطورية العثمانية. أما جورج بيكو الفرنسي فقد جاء الى لندن وتعرف الى »سايكس« وفاوضه. هو ابن مؤسس جمعية افريقية فرنسية وأطلق على سياسيي سوريا وفلسطين ولبنان تسمية »الحزب السوري«. وحين تقابل سايكس وبيكو وبحثا موضوع اقتسام البلاد العربية المشرقية قال الانكليزي للفرنسي »ليست للعرب روح قومية كما نفهمها، لكن لديهم شعور بالكبرياء القبلية. لذلك يجب ان يقنعوا باتحاد دولة تتكلم بقيادة امير عربي«. لقد كانت عيون الانكليز والفرنسيين، على قناة السويس، التي جرى الحديث عنها مبكرا وبوشر بفتحها ايام الفراعنة سنة 1200 قبل الميلاد وردمت ايام الحكم العباسي. ثم تحقق فتحها ايام الخديوي اسماعيل... تقول زوجة حاخام طبريا لسيدة عربية من فلسطين: »يا ست شفيقة، اليهود مدللون عند الرب والدنيا اولها يهودية وآخرها يهودية« فسألتها العربية : يعني ألا تريدين حتى ان نتقاسم آخر الدنيا؟ واستطردت: اخشى لاحقا ايتها اليهودية ان تنكري حقنا في بلدنا، اذا كنتم تنكرون حقنا في الاخرة. يعلق احد العرب: الا تلاحظون ان يهود طبريا يطبعون ورقا »بالسحتوت«، ما هو السحتوت؟ كل خمسة منه تساوي متليكا«. مع ذلك اذا بقي لأي عربي عند اي تاجر يهودي سحتوت فلا يعطيه له، بل يكتب هذا الدين على ورقة بيضاء. نحن العرب لا نهتم »بالسحتوت« لكن احسبوا كم من السحاتيت يجمعونها من (!) والي بيروت يتاجر بالخبز مع انه يتسلم قطارات محملة بأغذية قادمة من برلين.. وجمال بات يقول لجنوده: خذوا اجمل البنات بلقمة الخبز. وحين تقدم له ورقة مكتوب عليها اسماء المعارضة العربية يكتب مقابل كل رسم »إعدام« وفي 21 آب 1915 اعدم ثلاثة عشر شخصا في بيروت وأطلق على ساحة البرج ساحة الشهداء وعلى المرجة بدمشق نفس الاسم. جمال باشا كان غبيا لأنه لم يتنبأ حتى بما سيكون بعد سنتين. ستطير الدولة كلها مع مشانقها. حتى لو مدت سكة حديد بين القدس ودمشق وبئر السبع الى القصيمة على الحدود المصرية. وطبقت اتفاقية سايكس بيكو رغم خطابات الامير فيصل القومية ووجه برفض استقباله في مؤتمر باريس كممثل للعرب. كان فيصل يتحدث ويخطب بالعربية، وكان المترجم »لورانس« يحذف ويضيف ما يريد والعرب لا يعرفون ما ينضاف وما يحذف بينما طالب الوفد الصهيوني في المؤتمر بتنفيذ وعد بلفور وبانتداب بريطاني وتثبيت حق »الوطن القومي لليهود« في مياه جبل الشيخ. وكانت ترجمة مطالب الصهاينة دقيقة مئة بالمئة ومباشرة للعرب وللأوروبيين. عاش العرب اياما وشهورا وسنوات ورؤوسهم في الجرائد وهي تنشر توزيع الانتدابات والاوروبيون يرفعون امام الامير فيصل الانخاب وهم يقتسمون بلاده. في رسالة بعث بها تشرشل عام 1920 الى لويد جورج يقول فيها: »تكلفنا فلسطين ستة ملايين في السنة لكن الحركة الصهيونية ستكلفنا باستمرار الخلاف مع العرب«. لكن الانكليز لن يسمعوا الشاكي ولن يرحموا الباكي. ينعكس احتلال فلسطين من قبل بريطانيا وعصابات الهاغانا على الرجال والنساء وعلى الاطفال وعلى الحب ايضا. وبينما كان الوالي التركي يحرم النساء العربيات من الخروج الى ضفاف بردى خوفا على الاخلاق، فإن الاوروبي دعاهن الى السفور ليس لإيمانه بتحرر المرأة العربية، بل نكاية بالعثمانيين لا اكثر ولا اقل (!). مأتم الدولة العربية لقد قطع العثمانيون الاشجار الحرجية وأحيانا المثمرة للصناعة، بينما انشغل الانكليز والفرنسيون والصهاينة، بزراعة الحرير والقطن والصنوبر وتربية النحل. كان التنافس مع الالمان على بلاد الشام في اوجه، كما يتنافس الشباب على الصبايا. غورو الفرنسي طمأن تجار الحرير الفرنسيين، في مدينة »ليون« على طرق المواصلات الحديدية والبحرية ومنع قطع شجرة التوت، كما فعل الاتراك. وكانت اهتمامات غورو هذه تسير امام جيشه الزاحف الى دمشق. عندها استنتج »يوسف العظمة« الرد السليم القائل: سيسجل التاريخ من ميسلون المعركة. ان الانتداب فرض علينا بالقوة، كي نبقي البلاد على قائمة التحرير وعلى جدول الاجيال القادمة. ويا للويل إذا رفض فيصل إنذار غورو. حاول البعض الاتصال بكمال اتاتورك التصاعد، لكن بعد خراب البصرة. ان رواية ناديا خوست قالت للقراء: وحدهم الأحياء والشهود والعشاق الذين فقدوا أحباءهم بموت عظيم. قدر لمعانيه الاستمرار في الحياة.