As Safir Logo
المصدر:

قصص عن العمال الأجانب في لبنان

يتسلقون الجدار (أرشيف السفير)
المؤلف: شرف نغم التاريخ: 2016-09-28 رقم العدد:13476

«ما الفرق بين اللبناني الذي يذهب إلى أفريقيا للعمل وافتتاح الشركات الكبرى، وبين الأفريقي الذين يقصد لبنان للعمل في التنظيف؟ كلاهما يحاولان تأمين لقمة عيشهم. لكن الثاني لا ينهب الأراضي ولا يستعبد البشر»، تقول العاملة الإثيوبية راحيل. كل عام يدخل آلاف العمال الأجانب الأراضي اللبنانية وفور وصولهم يتم حجز جواز سفرهم وتوزيعهم على البيوت والشركات من دون الأخذ برأيهم. يعمل معظم القادمين في مجال التنظيف أو الخدمة في البيوت. قد يبدو الهدف الأساسي لقدومهم هو تجميع المال، بالنسبة لهم كما بالنسبة لأغلب البشر المال هو وسيلة لتحقيق مشاريع وأحلام أكبر من البقاء في لبنان. ]]] منذ عشر سنوات دخل مصطفى إلى طرابلس من سوريا بعد أن قام بعقد اتفاق مع أحد المهربين. بدأت رحلته من السودان، بلده الذي لم يزره سوى مرّة واحدة لمدة شهرين في الأعوام العشرة الماضية. عندما كان في السادسة عشرة من عمره تعرض والد مصطفى لأزمة صحية جعلته كسيحاً. صار المراهق المعيل الوحيد لعائلته. وبحكم الظروف الصعبة في السودان وبعد مشاورات عدة مع أصدقائه وعائلته قرر أن يقصد لبنان ليصير عامل نظافة. تدفع الشركة التي يعمل فيها مصطفى حالياً راتباً يصل إلى 400$ شهرياً، يذهب 250$ منهم إيجاراً للمنزل، فيما يتوزّع الباقي بين مصاريف كهرباء وماء وطعام ومبلغٍ قليل يرسله إلى زوجته. وبالمبلغ المتبقي أيضاً يتوجّب على مصطفى تجميع الرسوم لتجديد أوراق إقامته والحصول على الفيزا في حال قرر السفر إلى بلده. هذه العملية تكلفه سنويا حوالي 1200$ . إذا قمنا بالحسابات سيكون واضحا أن معاش مصطفى الشهري لا يكفي مصاريفه، لذلك حين ينهي دوامه الأوّل المؤلّف من تسع ساعاتٍ يومياً، يقصد مكان عمله الثاني ويعمل لساعات إضافية في التنظيف أيضاً. لا يملك مصطفى يوم عطلة بحكم أنه يعمل بدوامين. لديه عدد قليل من الأصدقاء اللبنانيين والسودانيين، وتأقلم مع العنصرية التي يتعرّض لها أحياناً. يقوم بترديد جملة: «اللبنانيين بفكروا السوداني مرتاح هون، نحن مش مرتاحين هون، أنا ما بعرف ليش أنا هون، بس قطع عشر سنوات ما في حل». يملك مصطفى قطعة أرض في السودان ويحلم بجمع المال الكافي ليبني منزلاً ويفتح دكانا صغيرا، أو أن يصبح طبّاخاً. لكنّ أحلامه، وبحسب قوله، لن تتحقق في السودان بسبب سيطرة عصابات البلدية على الأحياء، الأمر الذي يجبره على البقاء هنا. فقد مصطفى في العام الماضي صديقه البالغ من العمر 21 عاماً بسبب التهابات قوية أصابت رئتيه. يقول مصطفى: «العديد من الشباب السوداني يموت كل عام بسبب تنشقهم الدائم للمواد المنظفة. كلنا نعاني من الغثيان ونصاب بالالتهابات لأن بعض الأدوية التي نقوم باستعمالها خطيرة جدّاً. لكن لا يهم ماذا يحدث في أجسادنا، المهم أن يختفي الغبار». ]]] لا تختلف قصة عبد القادم من بنغلادش كثيراً عن قصة مصطفى. هو أيضا المعيل الوحيد لأشقائه وكذلك لأطفاله. يعتبر عبد أن شبابه كله ضاع في هذه المنطقة. حين جاء إلى لبنان كان يبلغ من العمر 25 عاماً. عمل هنا في محطّات البنزين، والمطاعم، ومحلات الملابس، والآن في مقهى. كلّ ما يهمه هو تعليم أطفاله الثلاثة. يقول: «في بنغلادش لا نملك العديد من الخيارات، وحتى الخيارات المتوفرة لا تؤمّن المال. هنا يأخذون منا الباسبور لكن يوجد القليل من المال». لم يرَ عبد أطفاله منذ 7 سنوات، لأنّه لا يستطيع تأمين المبلغ الكافي الذي يتوجب عليه دفعه للمكتب المسؤول عنه في حال قرر السفر. يكمل: «1000$ مبلغ كبير، أفضل أن أبعث المبلغ لأطفالي وأبقى هنا على أن أحرمهم منه وأسافر». يدفع عبد أيضا إيجاراً شهرياً للمنزل وحاجيات أساسية يقوم بالاستغناء عنها، كركوب سيارات الأجرة والذهاب إلى أماكن بعيدة. تقتصر تنقّلاته على الذهاب إلى العمل والعودة إلى المنزل على درجاته الهوائية. وفي المرات القليلة التي يقرّر زيارة أصدقائه في مدينة أخرى، يتم توقيفه واستجوابه دائماً رغم أنّ كل أوراقه قانونية. ]]] أما مسرت (26 عاماً) فقد جاءت إلى لبنان منذ 10 أعوام دون موافقة أهلها. بعد أن رأت الشابة المبالغ التي يرسلها أصدقاؤها من لبنان إلى إثيوبيا ظنّت أنّ هذا البلد منجم ذهب. تقول: «لم أكن أعلم أنّ إنسانيتي ستنمحي وأنّني سأضطر للعمل طول النهار والليل دون أن أحصل على يوم إجازة في الأسبوع، أو على أدنى حقوقي، كاستخدام الهاتف والتحدث إلى أهلي متى شعرت أنّني مشتاقة إليهم». تستيقظ مسرت عند الخامسة فجراً وتنام حين تسمح لها «المدام». بالإضافة إلى التنظيف، تهتم بالأطفال أحياناً. تقول: «أنا ممنوع قول لا، وباسبور أخدوا مني». تنقلت الشابة بين منازل عدة وتعرضت للضرب أكثر من مرة. وبعد معاناة طويلة عادت إلى إثيوبيا لكنّها قررت الرجوع إلى لبنان مرّة أخرى لسببين: الأول أنّها تريد شراء منزل، والثاني جمع المال بهدف إكمال تعليمها. ستبقى مسرت حتى العام 2018 في لبنان، كما تقول، قبل أن ترجع إلى إثيوبيا إلى الأبد. تعتبر مسرت أنّها كانت صغيرةً جداً ولم تكن تعي حجم التجربة التي ستخوضها بالقدوم إلى لبنان. كما أن الفقر الموجود في بلدها وعدم توعية المجتمع للفتيات وتحذيرهن من الصعوبات الموجودة هنا يدفع بالمزيد من الفتيات للقدوم بهدف كسب لقمة عيشهن، والتوهم بأنّ أحلامهن ستتحقّق بسهولة. «الواقع مختلفٌ جدّاً، هنا لا يتم النظر إليّ كإنسان بل كآلة وأحياناً أقل». تضيف: «لو باستطاعة الفتيات اللواتي قدمن إلى لبنان التحدث عن الأمور التي تعرضن لها، لربّما مُنعت هذه التجارة». نغم شرف

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة