الأولاد الذين تدافعوا متسابقين للإدلاء »بتصريحاتهم« امام المسجّل الصحافي الصغير، بدوا لنا راغبين في تقليد صورة الاشخاص »الهامين« الذين يرونهم على شاشة التلفزيون. ربما لذلك كانوا مصرين على سؤالنا: من اي تلفزيون أنتو؟ على الرغم من اننا فسرنا لهم مرات عدة اننا نمثل جريدة، اي صحافة مكتوبة، لافتين نظرهم الى اننا لا نحمل كاميرا. عبث. فالصحافي بالنسبة لهم هو »المذيع«. وبعد التسابق على احتلال المركز الاول امام المسجّل، حتى قبل ان نسألهم عن انتخابات ممثلي صفوفهم، وفي جو صبياني رنت فيه ضحكات الاولاد مختلطة بصيحات احتجاج البنات على »الدبشنة«، ساق تلاميذ المدرسة، الاميركية الثقافة، زملاء لهم، قالوا لنا انهم شاركوا في انتخابات الصفوف: »هيدا سقط بالانتخابات مس. بس مش على كثير على صوتين بس!« يصيح الطلاب الذين يبلغ متوسط اعمارهم اثني عشر عاما، وهم يدفعون بطالب كان يلتهم سندويشا. فالساعة ساعة »الفرصة« الصباحية. »أنا سقطت بالانتخابات!! يقول لنا محمد (11 سنة) وهو يرفع إلينا عينين، قامت بتكبيرهما بشكل غير طبيعي النظارات الطبية. وقد نسي سندويشة التهم نصفها على حافة المقعد الخشبي. يمسح له صديقه الضاحك فمه من آثار السمسم وهو يحثه على الاجابة: »قللّها على كام صوت، قللّها«، يدفعه صديقه، فيرد محمد: »ربحني بلال بصوتين، بس اخذ صوتين اكثر مني لأنو اشترى لهم كاتوه وبيبسي«. نسأل محمد إن كان الفائز قد قدّم الكاتوه بعد الانتخابات؟ اي احتفالا بالفوز ام قبل الانتخابات؟ من دون ان نلفظ كلمة رشوة، واذ به يرد: »قبل الانتخابات: كانت الانتخابات آخر ساعة بالدوام. قام بلال إجا الصبح، وكان عنا English وحطّلنا الكاتوه فوق (في قاعة اخرى) هونيك. قبل الانتخابات. يعني رشاهم بالكاتوه حتى ينتخبوه«!! نسأله وسط ضحك الاولاد متعاطفين: »وانت؟ ألم تشتر لهم شيئا؟« فيرد الولد، وقد تذكر السندويشة ومد يده بشكل لا شعوري ليأخذها: »لا.. انا اشتريت لهم شوكولا، بس ما انتخبوني«! »أنا صاحبو وما انتخبتو« يقول الولد الى جانبه. نسأله لماذا لم ينتخبه مع انه صاحبه، فيرد سامر: »عن جد؟ يعني بلال (الفائز) كان معو اكثر الاصوات.. كنا عارفين انو رح يطلع (ينجح) لأنو كلهم كانوا معو. شو؟ بنتخب محمد؟«. لكن لماذا كانوا »كلهم معه« (اي مع الفائز)؟ يرد سامر: »لأنو وعدهم انو بدوا يجبلهم كل شي لأنو بيو نائب. وانو بدو ياخذهم رحلة على صور وبنت جبيل«! نلتفت الى »الساقط« بالانتخابات: »وانت؟ شو بيعمل بيك؟« يرد: »بيبيع بواخر«. في هذه اللحظة، يصل الولد الفائز، بلال، راكضا يلهث وخلفه زملاء له يلهثون مثله. يخترق صفوف الاولاد المتكتلين حولنا ليقف تماما امامنا وهو يخبط بكفه على صدره: »انا انا، انا مس.. انا اللي ربحت، انا بلال«. نسأل بلال إن كان فعلا قد قدّم كاتوه قبل الانتخابات فيؤكد لنا ذلك من دون تردد: »ايه.. جبتلهم كاتوه حتى ينتخبوني«. اما حين نسأله عن الشخص الذي نصحه بذلك فيقول: »البابا«.. اما لماذا الكاتوه دون غيره، فيردّ: »لأنو الولاد بيحبّوا الحلو«. نسأله إن كان والده قدم كاتوه قبل الانتخابات الخاصة به، فيرد: »لأ.. عمل حفلة قبل ما ينجح، وحفلة من بعدما نجح، كان فيها أكل وحلو.. وكاتوه«! يُدخل »الساقط« رأسه بين الرؤوس وهو يشخص بنظاراته الطبية المحيطة بعينيه الكبيرتين: »كاتوه للزغار ومصاري للكبار«. ثم يختم لسبب سوريالي: »نحنا شعبة ب«. أما المدرسة الفرنسية في بيروت، فإنها تأخذ موضوع انتخابات المندوبين عن الصفوف "Delژguژsس بشكل غاية في الجدية. يقول مدير ليسيه فردان جان أود دونان، ان اهداف مدرسته ليست فقط التعليم: »التعليم ليس هدفا وحيدا، بل التربية ايضا. وعندما نقول تربية فإننا نعني تربية مواطن الغد. لذلك تكتسي انتخابات ممثلي الصفوف هيبة خاصة. لأننا نعتبر ان مجتمع المدرسة هو الجمهورية المصغرة التي يتمرن فيها الطالب على مواطنيته: من آلية ديموقراطية الى احترام العام ورأي الآخرين«. ثم يختم قائلا: »اذا وثقت بالأولاد، لن يخيب أملك أبدا«. وانتخابات ممثلي الصفوف كانت قد انتهت منذ فترة، فهي تحصل في الاسبوع الخامس بعد بدء العام الدراسي. لكن ذلك كان مناسبة للحديث الى الناجحين والساقطين بالاضافة طبعا الى الناخبين. »انتخبوني لأنهم بيحبوني« تقول كارول بدران، وهي في الحادية عشرة من عمرها. اما لماذا يحبها أولاد صفها: »لأنني أدافع عنهم وما بتفرق معي من الاساتذة«. نسألها عن مهمات مندوب الصف الاخرى، فترد بطفولة: »اذا فاتت المعلمة وبدها توزع شي، بتقول مين ممثل الصف؟ بقوم بقول: »أنا«. نسألها إن كانت تحب هذا »الشي«. فترد: »ايه، لأنو الواحد عندو اهمية اكبر«. نسألها ان تسمي لنا اسما لشخص مهم. تحتار ثم تقول: »الرئيس«. نسألها ما اسمه؟ فلا تتذكر. لذلك نطلب منها ان تسمي شخصا آخر شديد الاهمية مثل »رئيس الصف«، فتردّ.. »الملك«! يبدو الطلاب الاكبر سنا بقليل، ممن مروا بانتخابات عدة لمندوبي الصفوف رؤساء الصفوف حسب تعبير التلاميذ مستوعبين بدرجة اكبر لمفهوم الانتخابات ومندوب الصف: »ترشحت حتى دافع عن زملائي، ومثلهم بمجلس الصف مع الاساتذة والمدير«. تقول مي الحاج (13 سنة) من صف الثالث المتوسط. ثم تشرح لنا انها مهتمة بهذه التجربة، وانها ليست المرة الاولى التي تربح فيها الانتخابات: »هدي ثاني مرة بينتخبوني، معنى هالشي اني نجحت المرة الماضية«. نسألها ان كانت تحب »ذلك«، فترد: »بحب؟.. القصة يعني مش هينة، لازم يعرف الواحد كيف يدافع عن زملاؤه! مش هيك!. وانا دافعت منيح عنهم، منشان هيك بيحبوني«. المشهد ذاته في ملعب المدرسة: الاولاد يتدافعون ويشوّشون متصايحين على الواقف امام المسجل: »بس ما النا علاقة بالسياسة.. ممنوع«. نقول لممثلة الصف ان ما تفعله هو جوهر مفهوم السياسة الحقيقية: اي محاولة تحسين أمور الناس. فتقول: »قصدي السياسة متل بلبنان يعني.. متل انتخابات بره الا ما يكون فيها وسايط. ما بعتقد في حدا بيمثل فعليا الشعب اللبناني«. وهل تمثل هي فعليا زملاءها؟ ترد مي: »اكيد.. ما حدا أجبرهم ينتخبوني للمرة الثانية! لو انا ما كنت منيحة معهم. في مسؤولية هون.. مش مثل هوديك. يعني مش لأنو الواحد مش رفيقي بحكي عنو بالسوء!«. نسألها إن كان »موقعها« يجعل الزملاء »يمسحون جوخاً لها«؟ فترد متسائلة: »مسح جوخ؟ يعني تبييض طناجر؟ ايه (تضحك) ما انا كمان ببيض طناجر للأساتذة. (يضحك رفاقها وهم يتدافعون حولها ويدفعوها) لا.. لا. عم امزح. بالعكس، بحكي كل شي بوجّهم«. أما ريّان (13 سنة) فلقد علل فشله بالانتخابات بسبب بسيط: »لأنهم ما انتخبوني! (يقول) ما بعرف ليه. يمكن الحملة الانتخابية ما كانت منيحة. يمكن مثلا انتخبوا اللي بيحبوهم بس«. لكن هل هذا يعني انهم لا يحبونه؟ يرد: »انتخبوني (بيحبوني) بس مش الكل«. وماذا سيفعل الآن؟ يرد: »عم حضر لانتخاباتي الجاية، رح اترشح السنة الجاية«. وما الذي يفعله عندما يقول انه يحضر انتخاباته المقبلة؟ يرد: »عم اتقرّب من الولاد.. أقعد حدهم، وكذا وهيك وبدي صير صحبة معهم كتير«. نسأل الولد عن سبب اهتمامه لهذه الدرجة بأن يكون »رئيساً للصف«، فيردّ: »مش كتير مهتمّ. بس جايي على بالي جرّب. هيك«. أما علي الذي »انتخب كامل« لأنه »بيعرف يدافع عنا قدام الاساتذة كتير منيح ولغته الفرنسية ممتازة و.. صاحبي«، فلقد برر لنا عدم ترشحه للانتخابات بضيق وقته: »ما عندي وقت ابدا. شو!.. هالشي مسؤولية مش هينة.. بدها وقت«. يقول بكل تواضع. يلتقي سامر نقاش (13 سنة) مع علي، على مقياس انتخاب ممثل الصف: »انا انتخبت كريم لأنه بيعرف يجاوب الاساتذة وما بيبيض وج. وهيدا أهم شي. وبيعرف فرنساوي منيح حتى يجاوب الاساتذة«. أما الشاب الذي كان يحاول اجابتنا والافلات في الوقت نفسه من »سحسحة« زملائه على رقبته، فلقد قال لنا انه ممثل صفه، لكنها: »شغلة مش منيحة ابدا. لأنو التلاميذ بيضلهم يقولوا: شو هالمندوب اللي مش منيح، يعني ما بعجب حدا شو ما عملت. واذا زعلت حدا بيقولوا: شو هالمندوب الفاشل! يا استاذ غيرنا اياه!« نسأله إن كان سيترشح السنة المقبلة، فيرد: »لا.. لا! ما أعجبتني القصة. السنة الجاية مش رح أترشح، بس رح انتخب وصير انا نقّ عليه«!. أما كيف يدير المرشحون حملاتهم الانتخابية، وما هي البرامج التي يعدون بها، فإن فتيات تجمعن حولنا، اجبن قائلين: »يه.. عملوا كروتة (بطاقات زيارة) وجلّدوها، ووزعوها (يافطات) انتخبوني وما بتكونوا الا مبسوطين.. وهيك اشياء«. اما لماذا »الكروتة« التي عليها ارقام هواتفهم، ترد الفتيات: »هيك انو حتى يعرفوا عن شخصيتهم.. كيف رجال الاعمال؟ ايه هيك«. أما بالنسبة للبرامج فتقول الفتيات: »من نوع رح نخفف وزن الشنط (حقائب المدرسة) ورح نقلل الامتحانات والفروض. بس طبعا ما بيعملوا شي لأنو ما بيطلع بإيدهم«. يتقدم طالب: »الا اذا مثلا عنا ثلاث امتحانات بنفس النهار، بيقول رئيس الصف بيحكي مع الاستاذ انو حتى يؤجل لنا واحد منهم.. بيقوم الاستاذ بيقبل«. أما توفيق (12 سنة) فيخبرنا كيف ان السنة الماضية ضرب احد الطلاب الذين فشلوا آخر السنة، مندوب صفه: »لأنه قال ما دافع عنو منيح قدام الاساتذة. وانو سقّطو«. لكن، هل تصل صلاحيات المندوب الى هنا؟ يقول المستشار التربوي الرئيسي في المدرسة، الاستاذ زاهد حيدر: »قبل بداية الانتخابات، وهي تجري عادة في الاسبوع الخامس من بدء السنة الدراسية، نشرح للطلاب ماهية دور ممثل الصف، حتى لا يكون هناك التباس: من نوع ان ممثل الصف ليس زعيما، وليس ساعيا ولا عامل تنظيفات. يعني اذا الاستاذ بدو حدا يمحي اللوح، مش من مهمات ممثل الصف انو يمحي اللوح. ولا هوي بيلمّ زبالة الاولاد من زملائه حتى يحافظ على النظافة. كذلك اذا طرد طالب من صفه، مش انو لازم هوي »يسوقه« قدامه لعند الادارة. نقول لهم ان ممثل الصف موجود لكي يساعدكم ويدافع عنكم. فهو المسؤول عن علاقتهم بالادارة والاساتذة. ومن أهم ادواره انه موجود في مجلس الصف، الذي يضم بالاضافة اليه الاساتذة والمربي والمدير والمستشار التربوي. بمعنى انه ينقل هموم التلاميذ الى مجلس الصف: من نوع انه قد تكون هناك مشكلة في الساعة الاولى من يوم الخميس مثلا، يطرح المشكلة وتبحث معه الحلول. فهو اقرب الى زملائه وهو يعرف ظروفهم. كذلك يتدخل لدى الادارة اذا اتخذ قرار فيه اجحاف بحقهم. من نوع اعطاء الفرصة لتقدير ظروفهم. انو هيدا التلميذ انا بعرف صارت معو مشاكل كبيرة عائلية لذلك تغيب لثلاثة ايام. او: أعرف انه يعمل جهده الآن لكي يعوض ما فاته. الخ.!! لكن، ومع تأكيد المدرسة على ان ممثل الصف ليس »رئيسا« ولا »زعيما«، هل تلاحظ ان الطلاب يحملون معهم الى داخل المدرسة سلوكا يشبه »الخارج« اكثر من داخل المدرسة؟ يرد المستشار التربوي: »مش كتير. عادة ينتخب الطلاب الأولاد المحبوبين. يعني اما الشاطرين او »ابو عجقة« المحبوب، يعني اللي اكثر شي مثل ما بيقولوا: Cool.. لذلك ما بيصير كتير سلوك من هالنوع. اما اذا خاب املهم فيه، بيصيروا يحتجوا انو بدهم يغيروه«. وهل ترضخ المدرسة وتعمل لهم انتخابات اخرى؟ يرد: »لأ.. الا اذا في اجماع. لأنو لازم نعلمهم يكونوا مسؤولين عن اختيارهم. وهذا ايضا درس بالشأن العام. يعني: هدفنا ان نحوّل المدرسة او بيئة الصف الى جو مصغر عن الشأن العام وكيفية التعاطي معه. لأن هدفنا ان نعلم التلاميذ المواطنية«. مواطنون؟ نعم. لكن من يعلّم المواطنية والشأن العام لأولئك »الفلتانين« في الخارج؟