يعيدنا العدد الأخير من »كتاب في جريدة« (الذي سيصدر نهار غد الاربعاء) الى »أبي الفرات«، الى الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري عبر مختارات من شعره (قام بها وقدم لها محسن الموسوي). بيد ان السؤال الذي يجد المرء نفسه منقادا اليه، هل فعلا ثمة عودة الى اخر الكلاسيكيين العرب المعاصرين؟ سؤال قد لا يبحث عن اجابة، اذ ان الجواهري احد القلائل الذين سيبقون من ذلك الجيل الذي حضر بعض مسارات القصيدة العربية، وفي قلب تاريخها. من هنا يبدو الشاعر حاضرا ابديا ويشكل دائما نقطة حقيقية لا يمكننا ابدا تجاوزها او الالتفاف حولها من دون ان يصيبنا بعض شعاعها. فالجواهري، مثله مثل الشاعر القروي او الأخطل الصغير او سعيد عقل، أسسوا لمكانة متفردة داخل الشكل الكلاسيكي، الذي عرف كيف يغرف من متانة الماضي ولغته من دون ان يقعوا اسرى صنميته او اسرى حيائله، ليأخذوا القصيدة الى اماكن جديدة فعلا. سيرة ولد محمد مهدي بن الحسين بن عبد علي بن صاحب الجواهر الشيخ محمد حسن في النجف العام 1899 (وفي رواية اخرى 1900 وفي ثالثة 1902 وحتى هناك رابعة تقول 1901)، درس في المدرسة العلوية ثم اخذ علوم اللغة والأدب عن كبار مشايخ الغري. كان لا يزال فتيا حين ظهر عليه »نبوغ الشعر«، وقد بدأ نشر قصائده في بغداد منذ العام 1921، وفي سنة 1923 نشر كتابا بعنوان »حلبة الأدب«، احتوى معارضاته لقصائد متنوعة لعدد من كبار الشعراء المعاصرين. في العام 1927، انتقل الى بغداد، حيث عين مدرسا في بعض المدارس الابتدائية، وفي تلك الفترة، حدثت مشكلته المشهورة مع ساطع الحصري (مدير المعارف العام) بعد ان نشر قصيدة ذم فيها العراق ومدح ايران، فاتهم بالشعوبية وفصل من وظيفته، الا ان وزير المعارف الذي كان يرعاه ويدعمه، توسط في تعيينه بوظيفة كاتب في البلاط الملكي. بعد ثلاث سنوات استقال الجواهري من الوظيفة وأصدر صحيفة »الفرات« العام 1930، ثم اعيد الى التعليم في اواخر السنة التالية، ومن بعدها تم نقله الى وظيفة في ديوان وزارة المعارف فمدرسا في احدى المدارس الثانوية. في العام 1932 توفي احمد شوقي وتزاحم الشعراء في جميع الاقطار العربية لوراثة لقب »أمير الشعراء« ولم تكن »إمارة الشعر« منصبا ينبغي ملؤه، وإنما كان لقبا شخصيا أعطي لشوقي وانتهى بوفاته. ومع ذلك تزاحم الشعراء على اللقب. اما الجواهري، فقد ارسل باقة من قصائده الى طه حسين ليقرأها ويرشحه للإمارة الشاغرة. انتقل الجواهري من التدريس نهائيا العام 1936 واتهم بنشر قصيدة سياسية في جريدة »الاصلاح« عرض فيها بوزارة ياسين الهاشمي فارتأى وزير الداخلية رشيد عالي الكيلاني احالة الجواهري الى المجلس العرفي العسكري الا ان رئيس الوزراء لم يوافق على الأمر فاستدعى الجواهري ووعده بأن يرشحه لاحدى النيابات الشاغرة عن لواء كربلاء وقبل ان يتم ذلك وقع انقلاب بكر صدقي حكمت سليمان الذي اسقط وزارة الهاشمي فسارع الجواهري الى تأييده وأصدر جريدة »الانقلاب« التي أيد على صفحاتها وزارة حكمت سليمان ومدح رئيسها وهاجم وزارة ياسين الهاشمي. لكن وزارة الانقلاب لم ترشح الجواهري نائبا بل استغلت بعض ما نشره في جريدته فأحالته على المحاكم وصدر الحكم عليه بالسجن بضعة اشهر. النائب بعد خروجه من السجن اختار لجريدته اسما جديدا هو »الرأي العام« وكانت وزارة حكمت سليمان قد استقالت بعد مقتل قائد الانقلاب وأقيمت لياسين الهاشمي حفلة تأبينية شارك فيها عدد من شعراء العرب وطلب الجواهري ان يلقي فيها قصيدة في رثاء ياسين فرفض طلبه. أيد الجواهري حركة اذار 1941 ولما فشلت سافر الى ايران ثم عاد في السنة نفسها واستأنف اصدار »الرأي العام« ونهج فيها نهجا يساريا وعوتب الجواهري في حينه لمدحه في قصائده الجيش الأحمر وانتصاراته فنظم قصيدته تونس التي امتدح فيها الجنرال مونتغومري. في العام 1946 اصدر صحيفة »صدى الدستور« وانتخب نائبا عن كربلاء، الا ان المجلس لم يدم طويلا وحل سنة 1948 وفي تلك السنة سافر الى لندن ضمن وفد صحافي عراقي وانفصل عن الوفد وبقي في لندن مدة ثم سافر الى باريس وفيها نظم ملحمته »أثينا« ثم اقام في مصر وعاد الى بغداد فحرر في بعض صحفها. اعتقل في »أبو غريب« سنة 1952 وأصدر جريدة اسمها »الجديد« في ايار 1953، ثم غادر العراق الى دمشق سنة 1956. عاد الى بغداد في تموز 1957 وفي السنة التالية وقع الانقلاب العسكري بقيادة عبد الكريم قاسم فتحمس له الجواهري وأيده بشعره وأعاد اصدار »الرأي العام« وانتخب رئيسا لاتحاد الأدباء ونقيبا للصحافيين. سافر العام 1961 الى تشيكوسلوفاكيا وأقام في براغ 7 اعوام ليعود الى بغداد العام 1968 فأعيد انتخابه رئيسا لاتحاد الأدباء العراقيين. ومكث فيها لبضع سنوات قبل ان يغادرها نهائيا. سؤال الشعر حياة حافلة بلا شك، هي الحياة التي عاشها الجواهري، الا ان ثمة سؤالا يطرح نفسه: ما الذي جعل محمد مهدي الجواهري وفي عراق كان يسيطر عليه ادبيا في تلك الفترة المبكرة من حياته شاعران لهما حضورهما الفارع هما الرصافي والزهاوي ان يتبوأ مكانة اولى، محليا (ومن ثم عربيا، مع آخرين!). سؤال قد يتخطى الحياة الشخصية للشاعر، التي كانت مليئة بصداقات عديدة كما بخصومات لا تحصى. كذلك يبدو سؤالا يتخطى كل تلك المعارك الأدبية والسياسية التي اثارها الجواهري (وحتى ايامه الأخيرة) ولم يستطع غيره الاطلاع بها، ليقع السؤال في الشعر، اذ انه الأساس. هذا السؤال الأساس، تبدو المختارات وكأنها تحاول الاجابة عليه، اذ نقرأ قصائد عائدة لفترة العشرينيات وحتى الأزمنة الأخيرة، ففي هذه اللوحة البانورامية، نسير مع الجواهري، مرحلة مرحلة، وعلى خطين مزدوجين. الخط الأول، هو السؤال الشعري الصرف، لنكتشف كيف كانت القصيدة تتطور من مرحلة الى اخرى، والثاني، يبدو كأنه الخط التاريخي، اذ نعود ونتذكر مواقف الشاعر من »الثورة العراقية« و»الجزائر« و»تونس« و»دمشق«، وكل تلك القضايا التي شارك فيها... بيد ان الشعر، كان عنده دائما، يتخطى المناسبة، الصرفة، ليطرح السؤال العميق، حول القصيدة، من هنا، وبالرغم من كل المظاهر الكلاسيكية واللغوية التي كان يحفل بهما شعر الجواهري، لا نستطيع الا ان نقع على الكثير من التجديد، الذي جعل الجواهري، يفرض اسمه في مسار ذلك الزمن الشعري. واذا كنا نقع على مختارات الجواهري، فإننا بدورنا نقع على مختارات اخرى لأحد رواد التشكيل العربي، الا وهو فائق حسن، اذ ان رسوم العدد الأخير من كتاب في جريدة هي لكبير الفنانين العرب، ونحن بذلك، نقع على صورة.