As Safir Logo
المصدر:

خطوة نظرية تتخطى الوقائع العملية »الإدارة والعدل« توافق على تعيين قضاة من المحامين بمباراة!

المؤلف: خشان فارس التاريخ: 2001-01-30 رقم العدد:8816

بحثت، أمس لجنة الادارة والعدل النيابية مطوّلا، في واحدة من كبرى معضلات القضاء اللبناني المتمثلة في النقص الحاد الذي يصيب عميقا ملاكي القضاءين العدلي والاداري. وخرجت اللجنة بتصور يفترض ان يطرح لاحقا على لجنة المال والموازنة، للنظر في ملاءته المالية، بمشاركة »أهل البيت« أي وزير العدل سمير الجسر ورئيسا مجلسي القضاء الأعلى وشورى الدولة منير حنين وغالب غانم ورئيس هيئة التشريع والاستشارات شكري صادر ونقيبي المحامين في بيروت وطرابلس ميشال ليان وجورج موراني. ويعتبر رئيس اللجنة مخايل الضاهر وعدد من اعضائها ولا سيما النائب وليد عيدو (الخارج الى النيابة من القضاء بعد الاستقالة) خبراء في هذه المسألة. التصور النظري الذي وضع، أمس يقوم على خطة استراتيجية تمتد حتى اربع سنوات يفترض بنهايتها ان يتم تعيين 220 قاضيا عدليا و40 قاضيا اداريا (لمجلس شورى الدولة). وتسلك هذه الخطة طريقين متوازيين، اولهما وهو الطريق العادي معهد الدروس القضائية الذي يفترض ان يستوعب، على مدى اربع سنوات، مئة قاض بمعدل 25 قاضيا عدليا وخمسة قضاة اداريين وهذا العدد هو، بالنتيجة، الحد الأقصى الذي يمكن للمعهد استيعابه، على ما قال رئيس مجلس القضاء الأعلى منير حنين الذي شرح آلية عمل المجلس في انتقاء المرشحين الذين يخضعون لاختبارات خطية وشفوية، وثانيهما يكون بتعيين 120 قاضيا عدليا و20 قاضيا اداريا من المحامين. وكان لافتا للنظر في هذا الاطار غياب كل من رئيس معهد الدروس القضائية شبيب مقلد ومدير المعهد بشارة متى، عن الجلسة التي تُعنى، بصورة او بأخرى، باختصاصهما المباشر. ولم يعرف سبب تغيبهما على الرغم من مشاركتهما، على ايام وزير العدل السابق جوزف شاوول في لجنة اعداد مشروع قانون تعيين القضاة من بين المحامين الذي عدلته لاحقا، بصورة جذرية لجنة الادارة والعدل في مجلس النواب السابق وأقرته الهيئة العامة للمجلس، الا ان رئيس الجمهورية العماد اميل لحود اقدم على ممارسة حقه الدستوري، بردّ القانون الى المجلس، معللا ذلك بعدم قبوله بامكان دخول أي كان الى أي سلك عام، من دون الخضوع للامتحان. وكانت قد سرت في تلك الآونة معلومات لخلفية هذا الرد تتعدى السبب المعلن تتمحور حول نقطتين، اولاهما الاتجاه لأن يترافق تعيين قضاة جدد ليحلوا مكان القضاة الذين كان يتوقع صرفهم من السلك، في ظل قانون انهاء خدمات القضاة الذي لم يسلك به مجلس لنواب الى الاقرار، بعدما ردته لجنة المال والموازنة النيابية. اما السبب الثاني فيقوم على ان فلسفة مشروع تعيين القضاة، كما اقرته حكومة الرئيس سليم الحص، كانت تستهدف فئات من المحامين »البراعم« الذين حالت تعديلات لجنة الادارة والعدل، آنذاك، دون امكان اشراكهم. كيف يمكن تعيين القضاة العدليين المائة والعشرين والاداريين العشرين من صفوف المحامين؟ لقد أخذت اللجنة بوجهة نظر رئيس الجمهورية الداعية الى ضرورة اخضاع المعنيين للمباراة. وقررت ان يعمد مجلس القضاء الأعلى الى تنظيم مباراتين خطية وشفوية للراغبين بالانتقال من مهنة المحاماة الى سلك القضاة. واشترطت بالذين سيتقدمون من محامين لهذا الامتحان أن يكونوا قد تسجلوا في الجدول العام لنقابة المحامين، قبل عشر سنوات، أي انهم دخلوا الى التدرج، قبل 13 سنة على الأقل. كما اشترطت أن يكون الحد الأقصى لعمر المتقدم إلى »مباراة التعيين« هو 47 سنة، تحاشيا لإشكالات يمكن أن يسببها المدى الزمني الذي يفصل التقدم بالطلب والامتحان والنتيجة عن صدور مرسوم التعيين. فالإدارة العامة لا يمكن أن تقبل من فاق عمره ثمانية وأربعين عاما. ومنحت اللجنة، في المقابل المقبولين في المباراة درجة مقابل كل سندات خدمة في مهنة المحاماة، وتركت سقف الدرجات مفتوحا، إلا أن »أهل البيت« أكدوا أن السقف لا يمكن عمليا، أن يتعدى في أحسن الأحوال ست درجات. وفتحت اللجنة أمام القضاة المعينين سابقا، من بين المحامين، في القضاء فرصة الاستفادة من فتح الدرجات، الأمر الذي سيفيد عددا من القضاة العاملين حاليا المتوقع لبعضهم أن ينال دفعة واحدة، ثلاث درجات (أي ست سنوات خدمة فعلية في القضاء). وقد اتفق أن يوزع القضاة العدليون المائة والعشرون والقضاة الإداريون العشرون، على مدى أربع سنوات، بحيث يعين كل سنة ثلاثون قاضيا عدليا أصيلا وخمسة قضاة إداريين أصيلين. ولكن هل يمكن لهذه الخطة أن تحقق الأهداف المرجوة منها؟ من المؤكد ان وزير العدل سمير الجسر هو أب هذا المشروع، إذ سبق وكشفه، غداة تعيينه في حقيبة وزارة العدل، في حديث أجرته معه »السفير«. مغالاة أم فضيحة؟ إلا أن هذا المشروع المثالي من الوجهة النظرية دونه عقبات عملية كثيرة، ولا سيما في فكرة إخضاع المتقدمين للمباراة. هذه العقبات طرحت خلال الجلسة ولكن بدا ان هناك من دافع عنها بقوة. وقد اعتبر بعض المشاركين في الاجتماع ان تجربة تعيين القضاة، في العام 1994، وقد أملتها مشكلة »النقص المرضي« في عدد القضاة آنذاك، لم تكن موفقة. وذهب مشارك في الاجتماع إلى حد القول ان هناك فقط 4 قضاة من أصل 40 قاضيا يمكن الدفاع عنهم. تأسيسا على هذه النظرة اعتبر الموجودون ان فكرة المباراة ضرورية للغاية. وبالواقع فإن هذا الكلام الذي أكده قضاة أمام نواب اللجنة يشكل نواة فضيحة إذا كان قائما على معطيات حقيقية، إذ ان هناك اتهاما خطرا موجها إلى 36 قاضيا لبنانيا. ويأخذ هذا الكلام حجمه »الفضائحي« لا سيما مع إعطاء المدافعين عن هذه الفكرة أمثلة تشير الى وجود قضاة لا تزال مكاتب المحاماة التي كانوا فيها، عاملة وقد تضاعفت الملفات لديها، وقضاة آخرين يعملون في المحاماة عبر زوجاتهم. ولكن هل يُسمح، في ظل آلية العمل القضائي القائم حاليا بإطلاق هذا الكلام الخطير واعتباره حجة لإدخال مبدأ المباراة، وألا تشكل المباراة إشكالية من شأنها عرقلة تنفيذ الفكرة؟ الجواب الذي تعطيه أوساط واسعة الاطلاع يبدأ من الشق الثاني من السؤال. فالمباراة لتعيين قضاة أصيلين يمكن أن تصح في أفضل الأحوال، لمرة واحدة، إذ ان من سيحسم أمره للدخول على القضاء، سيتقدم بطلبه، منذ الاعلان عن الدورة الأولى، بحيث يتم انتقاء نخبة هؤلاء، ويعمد »الراسبون« لاحقا الى تكرار تجربة الامتحان. وهنا تطرح مشكلة حقيقية، إذ انه في ظل الواقع المادي المتردي عموما وغير المميز على الصعيد القضائي، فإن حوافز التخلي عن المحاماة لصالح العمل في القضاء، ستكون حكرا على مجموعة »ملهمة« وهي قليلة جدا الى حد الندرة أو مجموعة غير موفقة بالمحاماة. وقد سُئل نقيب المحامين ميشال ليان عن هذه الإشكالية، فأشار الى ان رقعة المحامين الذين يتعثرون بسبب الأوضاع الاقتصادية قد كبرت وبالتالي فإنهم قد يفضلون الانتقال الى القضاء. وقد علّق نائب مشارك في اللجنة على هذه الواقعة بالقول: »هذا يعني اننا فتحنا المجال واسعا أمام نقابة المحامين، وعلى مدى أربع سنوات لتطهر صفوفها من المحامين غير الناجحين«. وسأل نائب آخر: »كيف يمكن لمحام يمسك ملفات لعدد من الموكلين ان يتقدم الى مباراة دخول الى القضاء، مع احتمال رسوبه؟«. واذا كانت ضرورة الامتحان قد أملتها »الاتهامات الفضائحية«، فإن المشكلة لا تكون مركزة في اسلوب تعيين القضاة الذي اتبعه مجلس القضاء الأعلى في العام 1994، انما في تلكؤ الاجهزة القضائية المعنية وتحديدا هيئة التفتيش القضائي. وتقول أوساط خبيرة بالشأن القضائي، ان بعض القضاة الذين دخلوا الى السلك، عبر معهد الدروس القضائية، قد سقطوا لاحقا في »التجربة المحظورة«، وقد تمكنت هيئة التفتيش القضائي بداية والمجلس التأديبي الخاص بالقضاة لاحقا، من دفعهم الى الاستقالة او انهاء خدماتهم. وتشير هذه الاوساط الى ان القول بوجود قضاة دخلوا من دون مباراة لا يزالون يعملون في المحاماة »خفية ومواربة«، لا يعني ان التجربة فاشلة ويفترض تخطيها الى »خطة غير عملية«، انما يعني في حال كان هذا الكلام صحيحا ان هناك مشكلة حقيقية في هيئة التفتيش القضائي التي لا تتحرك لقمع التجاوزات التي يمكن ان يرتكبها قاض من هنا وقاض من هناك. ما حصل امس، في لجنة الادارة والعدل يفترض تحركا سريعا، لأن ما قيل علنا في داخلها، بحضور كبار قضاة لبنان، لا يجوز ان يبقى من دون علاج. فهل هناك من يتحرك أم ان اسلوب تهديم القضاء بالكلام العمومي، سيبقى معتمدا؟ وكانت اللجنة قد عقدت جلسة امس في المجلس النيابي برئاسة النائب مخايل ضاهر ومشاركة وزير العدل سمير الجسر. إثر الجلسة قال النائب ضاهر: درست لجنة الادارة والعدل عددا من مشاريع واقتراحات القوانين: أولا مشروع القانون الذي رده رئيس الجمهورية والمتعلق بتعيين قضاة من بين المحامين، واخذت اللجنة بأسباب الرد وجرى توضيح النقاط التي تركز عليها الرد حيث اصبح هناك امكانية بتعيين قضاة على ان يكون عمر المحامي 47 سنة وليس 58 كما كان في القانون السابق والى حين صدور المرسوم تأخذ فترة سنة فيكون قد اصبح عمره 48 سنة وهكذا يبقى امامه 20 سنة خدمة قبل ان يتقاعد، وافسحنا في المجال للمحامين الذين لديهم على الاقل عشر سنوات ممارسة فعلية اي مسجلين على الجدول العام غير سنوات التدرج، واجزنا للحكومة ان تجري مباراة خطية وشفهية امام مجلس شورى الدولة او امام مجلس القضاء الأعلى لمدة اربع سنوات. وكل سنة تستطيع الحكومة ان تعين عددا معينا حتى نستطيع ان نؤهل القضاة لأنهم بعد نجاحهم يخضعون ايضا الى دورة تأهيل لمدة ستة أشهر، وسنأخذ قسما من القضاة من الذين سيعينون من بين المحامين، وهناك قسم آخر يتخرج من معهد القضاء ويمكن ان يكون لدينا كل سنة تقريبا خمسون قاضيا، ونحن في حاجة تقريبا الى مئتين وعشرين قاضيا، وقد اجازت اللجنة للحكومة ان تعين 120 قاضيا عدليا، وحوالى عشرين قاضيا في مجلس شورى الدولة، وتم التصديق على ذلك بالاجماع بعد مناقشة مستفيضة لكافة النقاط المتعلقة به.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة