كيف يمكن فهم موقف الرئيس عبد العزيز بوتلفيقة من اللغة العربية والتعريب في الجزائر؟ فما الذي دفعه الى المشاركة في قمة الفرنكوفونية الاخيرة؟ انه يعتبر اول رئيس جزائري يذهب الى هذا المحفل بعد مقاطعة استمرت منذ الاستقلال الى حد مجيء بوتفليقة. ثم الاكثر من ذلك، ألم يكثر من الخطابات والتصريحات باللغة الفرنسية حتى وصل الامر، لأول مرة، الى نقده من قبل بعض حلفائه ومسانديه في الانتخابات الرئاسية. عاتبته حركة حماس صراحة وأعربت حركة النهضة عن انزعاجها، ولم تخف جبهة التحرير الوطني تململها وعدم ارتياحها لهذه اللغة الجديدة التي تعاقب رؤساء الجزائر، باستثناء محمد بوضياف، على تحاشيها وإبراز إتقانهم للغة العربية. بوتفليقة قال في خطابه إنه يكسر التابوهات (المحرمات)، وانه غير منزعج من استخدام لغة الأمم المتحدة. لا بد من معرفة ان للعربية تاريخ صراع طويلا مع الفرنسية في الجزائر وان التعريب كان محور رهانات سياسية وأيديولوجية معقدة. دور الاستعمار الفرنسي قام الاستعمار الفرنسي بمحاولات عديدة للقضاء على اللغة العربية، حيث استهدفتها سياسته وقوانينه. فاعتبر مثلا سنة 1938 اللغة العربية، لغة اجنبية، ومن ثمة ارتبط النضال ضد فرنسا بالنضال من أجل اللغة العربية، خاصة مع جمعية العلماء المسلمين ومع حركة مصالحي الحاج، ولم يقف هذا النضال حائلا دون بروز نخبة مثقفة مرتبطة باللغة الفرنسية ومتشيعة لها، مما أنتج صراعا دائما بين دعاة العربية والتعريب ودعاة الفرنسية والمحافظة عليها. وانتقل هذا الصراع الى جبهة التحرير الوطني نفسها، التي سرعان ما انتصر فيها التعريب وأصبح شعارا مركزيا للجبهة ومواثيقها. وسنحاول في هذا الاطار البحث في أسباب نجاح التعريب والداعين إليه في نقطة اولى، ثم ردود فعل ومقاومة المتشيعين للغة الفرنسية في نقطة ثانية. طرحت قضية اللغة العربية والتعريب جديا، منذ الاستقلال وتولي بن بلا رئاسة الدولة. حيث فرض دستور 1963 اللغة العربية الكلاسيكية، لغة وطنية، رسمية ووحيدة. كما فرضها من بعده هواري بومدين ثم الشاذلي بن جديد في دساتيرهم، فاليمين زروال. ويعود انتصار هذا الاتجاه الى عدة أسباب، أهمها: أولا: ان المؤسسين الأوائل لجبهة التحرير الوطني، كانوا مناضلين مع مصالي الحاج المتشبع بالروح العربية، والمتأثر بشكيب أرسلان من المفكرين القوميين العرب أثناء إقامته بباريس. فقد تأثروا بهذا الاتجاه الذي يرى في الدفاع عن اللغة العربية، دفاعا عن الهوية وكفاحا ضد المستعمر الذي حاول طمسها. وتضاعفت قوة هذه المجموعة منذ التحاق جماعة العلماء بالجبهة وتولى بعض أعضائها مراكز قيادية، أمثال الدكتور أحمد طالب الابراهيمي، ومحمد صالح اليحياوي. ثانيا: تبنى هذا المنهج أحمد بن بلا ودافع عنه، رغم انه لم يكن يحسن اللغة العربية، وذلك بتأثير واضح من مصر جمال عبد الناصر. فقد شجعته مصر وهي تعتبر نفسها زعيمة حركة القومية العربية آنئذ لسلوك هذا النهج. ثالثا: يعد بومدين القائد الحقيقي لحركة التعريب في الجزائر، فهو متمكن من اللغة العربية، وثقافته تلقاها في جامع الزيتونة بتونس وجامعة الازهر بالقاهرة، فدفعه تكوينه التربوي الى شن حملة تعريب واسعة بداية من 1971. وكلف محمد الصالح اليحياوي مسؤول الجبهة وعضو جمعية العلماء سابقا، بهذه المهمة، فقام بتعريب الادارة، والوثائق الرسمية، والمراسلات... وبدأ التعريب يشمل كل مظاهر الحياة الجزائرية بما في ذلك التعليم. بومدين العروبي وكان الاسلوب المتبع حاسما وعنيفا في بعض الاحيان، فمثلا أصدر بومدين قرارا ينص على: يجب على كل مترشح للوظيفة العمومية ان يقوم بامتحان في اللغة العربية... ولا يمكن للموظفين المباشرين الارتقاء الى مناصب أعلى دون الحصول على »شهادة إجادة اللغة العربية«... ان انتصار دعاة التعريب يعود لكونهم يملكون القوة المسلحة، اي الجيش في أيديهم، وهي سلطة قوية لا يمكن مواجهتها صراحة من قبل أنصار الفرنسية. رابعا: تواصلت حملة التعريب مع بن جديد، فهو لئن سعى الى تصفية الإرث الاشتراكي »للبومدينية«، الا انه حافظ على إرث التعريب، وعمل على دعمه. فقد أصدر المجلس الوطني الجزائري، بعد نقاش حول »تعميم اللغة العربية«، قانونا يحتوي على 36 مادة، يهدف الى التعريب الشامل للإدارة... وللجامعة... وكل وثيقة تحرر في لغة اخرى غير اللغة العربية، تعد بلا قيمة، وكل تجاوز، يمكن معاقبته بخطية مالية ضخمة. خامسا: وأكد هذا الخيار الرئيس السابق اليمين زروال، حينما دعمت القوانين الجديدة عملية التعريب وحاصرت اللغة الفرنسية وبرزت اللغة الانكليزية على السطح كلغة ثانية، بعد العربية وقبل الفرنسية. ويعد زروال من النخبة السياسية التي تتقن العربية، فهو يتكلم الفصحى بطلاقة في المناسبات واللقاءات الرسمية التي تستدعي استخدامه لها. فقد صوّت المجلس الوطني الانتقالي، وهو الجمعية التشريعية المعينة، يوم 17 ديسمبر/ كانون الاول 1996 بالإجماع على قانون يقضي »بتعميم استخدام اللغة العربية« ويحدد القانون بشكل خاص أنه ابتداءً من يوم 5 تموز/ يوليو 1998 (وفي عام 2000 بالنسبة للتعليم العالي) يتوجب على الادارات العامة والمؤسسات والشركات والجمعيات مهما كانت طبيعتها ان تستخدم اللغة العربية وحدها في جميع أنشطتها كالاتصالات وشؤون الادارة والمالية والتقنية والفنية. وحدد القانون ان »استخدام كل لغة اخرى غير العربية في مداولات ومناقشات الاجتماعات الرسمية أمر ممنوع«. انتصار العروبة تمكن دعاة التعريب في جبهة التحرير الوطني من فرض برنامجهم على المجتمع الجزائري، وعلى دعاة المحافظة على اللغة الفرنسية الذين حاولوا ان يقاوموهم بحجج مختلفة. لم تكن كل النخبة القائدة لجبهة التحرير الوطني وللدولة في الجزائر من أنصار التعريب، فبعضهم لم يخف اهمية اللغة الفرنسية ودفاعه عنها، وبعضهم الآخر لم يقاومه علانية، ولكن كانت مصلحته في عدم نجاح التعريب وإنما في فشله، ويمكن تحديد هذه القوى كالتالي: الماركسيون: وقد انضموا كأفراد الى الجبهة، ولم يروا في التعريب إلا حركة مرتبطة بالتيار الاسلامي وبالمجتمع المحافظ الذي يسعى الى ترسيخه. وكانوا يمثلون نخبة مثقفة داخل الجبهة، تهيمن على بعض الصحف والمجلات الهامة، وحاولوا من داخل النظام ذاته، مع بن بلا او بومدين، مقاومة التعريب. وفي ما بعد اتهم أحمد رواجعية، أحد المثقفين الماركسيين الجزائريين، سياسة التعريب بكونها ذات توجه إسلامي، وأدت الى فشل ذريع في التعليم والحياة المهنية، كما أدت الى تقوية صفوف التطرف الديني. ويأتي حذر الماركسيين من معرفتهم بمخطط ومنفذ حملة التعريب، محمد صالح اليحياوي، وهو عضو سابق في جمعية العلماء المسلمين. الليبيراليون المتأثرون بالثقافة الفرنسية: ففرحات عباس مثلا نوّه بها وقال: »يقولون إنني موالٍ لفرنسا، ولكن الصحيح انني صاحب ثقافة فرنسية، مثل أغلب الذين عاصروا جيلي... لقد أعطتني الثقافة الفرنسية معنى راقيا للحياة وجعلتني أدرك قيم الديموقراطية والانسانية الحقيقيتين. لذا بقيت وفيا لها«. لم يمثل هذا الجناح وزناً يذكر داخل الجبهة، بل سرعان ما أزيح منها منذ بداية الاستقلال. ردود فعل أعداء العربية القبائل: لم يرحبوا ابدا بالتعريب، لاعتقادهم أنهم ليسوا عربا، ففضلوا الفرنسية، وطالبوا بالاعتراف بلغتهم الامازيغية، وكان مثقفوهم اكثر الفئات عداءً للتعريب. لكنهم أزيحوا مبكرا من جبهة التحرير ومراكز القرار فيها، من عبان رمضان الى كريم بلقاسم الى حسين آيت أحمد.. فلم يكونوا موجودين في جهاز الحزب/ الدولة بشكل يجعلهم قادرين على مقاومة التعريب. ضباط الجيش الفرنسي: لم يتحمس الضباط الجزائريون المتكونون في الجيش الفرنسي لحملة التعريب، لكنهم لم يكونوا قادرين على إبداء آرائهم علانية، خوفا من رد فعل بومدين الذي كان يمارس سلطة شخصية مطلقة على الحزب والجيش وكل أجهزة الدولة، وأملا في تقوية مراكزهم داخل الجيش والابتعاد عن الصراعات الثانوية. لكن حينما أصبحوا أقوياء في مؤسستهم العسكرية، انسحبوا من الجبهة ثم أزاحوها من الحكم، وربما تكون مسألة التعريب، أحد العوامل في معاداتهم لها. التكنوقراط: رأوا في التعريب عائقا أمام التقدم العلمي والاداري في الجزائر، وباعتبارهم كانوا دائما مبعدين عن مواقع القرار التي انفرد بها القادة التاريخيون للجبهة، فقد عادوا سياستها العامة في مجالات كثيرة. وإن لم ينسحبوا منها حفاظا على مواقعهم أثناء حكم بومدين، وبن جديد، فسيكونون أول المستقيلين منها، وأول منتقديها، وسيتحالفون مع الجيش ضدها، وسيحمّلونها مسؤولية الفشل السياسي والاقتصادي الذي عاشته الجزائر طيلة حكمها، ومن بين هذه المجموعة، سيد أحمد غزالي، الذي يمكن اعتباره أحد أهم ممثليها. الموقف الآخر وفي المقابل نحتار أمام بعض تصرفات الرئيس بوتفليقة التي تصب في خانة دعم اللغة العربية. فقد سبق ان قدم مفاجأة سارة لأنصار التعريب والثقافة العربية في الجزائر بعد تشكيل حكومته »العروبية« مؤخرا. لقد عين ثلاثة وجوه بارزة من أقطاب الثقافة العربية: نعني علي بن فليس رئيسا للحكومة، وعبد العزيز بلخادم وزير دولة ووزيرا للخارجية، ومحيي الدين عميمور وزيرا للثقافة والاتصال. لقد أثبت الجناح العربي في النظام الجزائري مؤخرا أنه ليس بالضعف الذي تم تصوره. وبوتفليقة أثبت الى حد الآن أنه رجل التوازنات الصعبة، وأنه مثلما يتقن الحديث بلغتين (العربية والفرنسية) فهو يتقن ايضا اللعب بين جناحين: جناح الفرنكوفونية من جهة وجناح العروبة من جهة اخرى. وقبل ذلك، عاد عبد العزيز بوتفليقة من باريس، بعدما خطاب ودها طويلاً، ليقول: »لقد عدت بيد فاضية لا شيء فيها«. توضح له المشهد أخيرا: فرنسا لا يمكنها ان تبني الجزائر وتقدم لها المساعدات التي تريدها. والاكثر من ذلك فإن فرنكوفونيي الداخل قلة لا تأثير عندهم في الشارع الجزائري الشديد التعريب. والاعتقاد القائل بأنهم سيدفعون فرنسا لتقف بكل ثقلها الى جانب الجزائر اصبح حديث خرافات وأساطير. بوتفليقة أعاد التوازن بسرعة وأعطى الجناح العربي فرصته رغم احتجاج الفرنكفونيين وتهديد بعض الضباط النافذين. ولم يكن تعيين علي بن فليس رئيسا للحكومة وعبد العزيز بلخادم وزيرا للخارجية ومحيي الدين عميمور وزيرا للثقافة الا جولة في حرب طويلة الأمد بين تيارين متصارعين في الجزائر: تيار العروبة والتعريب وتيار الفرنسة والفرنكوفونية. هذا الصراع جذوره ممتدة في التاريخ. كما سبق للرئيس عبد العزيز بوتفليقة ان استضاف المؤتمر القومي العربي في الجزائر وإن سعى الى اعادة المعرض الدولي للكتاب بعد غياب دام أكثر من عشر سنوات.. وعادت بعض العناوين العربية الى الاكشاك الجزائرية بعد قطيعة استمرت طويلا. (*) كاتب تونسي مقيم في جنيف.