As Safir Logo
المصدر:

«شاومينج» وتسريب امتحانات الثانوية المصرية

(عن صفحة "شاومينج" على "فايسبوك")
المؤلف: صبحي محمد التاريخ: 2016-07-06 رقم العدد:13409

وسط الحديث عن فضيحة تسريبات امتحانات الثانوية العامة في مصر أشارت بعض الأصوات العاقلة إلى أن التسريب، أيّاً كان مصدره ومن يقف وراءه، هو حلقة جديدة من حلقات ظاهرة الغش الجماعي في الامتحانات، والتي تزايدت عاماً بعد عام تحت أنظار الدولة ووزراء التعليم المتعاقبين، من دون أن يتم بحث جاد في أصل المشكلة أو تأمل لدلالتها أو تفكير في كيفية تجنبها، عبر إصلاح النظام التعليمي أو محاسبة المسؤولين الفاسدين في الوزارة. وعلى الرغم من المطالبات المجنونة بقطع الإنترنت عن مصر كلها، أو الصراخ بالمطالبة برقبة الإخوان لأنّهم المسؤولون عن التسريبات، فإن التاريخ يفاجئنا بسخريته ليخبرنا عن المرة الأولى التي تم فيها تسريب امتحانات الثانوية العامة وكان ذلك عام 1960، حيث قام عبد الحكيم عامر، الرجل الثاني في مصر آنذاك، بمنح أسئلة الامتحان لأحد لاعبي «الزمالك»، والسبب هو أنّ عامر كان «زملكاوياً» متعصباً ولا يهون عليه أن يرسب نجمه المفضل. ولأنّ اللاعب الشاب كان محاطاً بالعديد من المعجبات، فقد منح هو أيضاً الأسئلة لعدد منهن، وظلت دائرة التسريب تتّسع حتى ضمّت شخصاً مجهولاً كان على صلة بالمخابرات الإسرائيلية التي تمكنت من الحصول على الأسئلة بانتظام مثير للدهشة. وهكذا فوجئ الرئيس المصري جمال عبد الناصر، حاله كحال الشعب المصري، بإذاعة إسرائيل الناطقة بالعربية تقوم بتلاوة النص الكامل لأسئلة امتحانات الثانوية العامة مادة مادة، قبل ساعات من بدء الامتحان نفسه. كانت ضربة موجعة للقيادة السياسية ووضعتها في حَرَجٍ بالغ، وسارع عبد الناصر بتشكيل لجنة تحقيق في هذه الفضيحة كانت مهمّتها الأساسية تتلخّص في الوصول السريع إلى قرار ينقذ سمعة التعليم المصري ويحمي هيبة الثانوية العامة، الناشئة في ظل الجمهورية الوليدة، من الانهيار. ومن ناحية أخرى تمّ تكليف المخابرات العامة برصد طبيعة وكيفية هذا الاختراق الإسرائيلي للأمن التعليمي المصري. وخلال أيام قليلة لاحقة أصدر عبد الناصر قراراً بإعادة امتحانات الثانوية العامة على مستوى الجمهورية، وهو الأمر الذي اعتبره كثيرون واحداً من أهم القرارات الرئاسية التي حافظت على هيبة التعليم المصري وأعطت وزناً واحتراماً للمتخرجين المصريين في أسواق العمل الأوروبية والعربية. بفضل هذا القرار ظلت شهادة الثانوية المصرية تحظى بتقدير كامل على المستوى الداخلي والخارجي حتى بداية الثمانينيات من القرن الماضي. لكن لا شيء يبقى على حاله، والشهادة المصرية الآن لا تساوي الشيء الكثير ولا توفّر أيّ احترام في أيّ مكان من العالم ولا تضمن عملاً كريماً. ظل التسريب موجوداً وإن لأسباب وبأشكال مختلفة، فما كانت تقوم به إذاعة إسرائيل هو نفسه ما تفعله هذا العام صفحة على «فايسبوك» باسم «شاومينج بيغشش ثانوية عامة». ينتظر طلاب الثانوية العامة تحديثاتها وصورها كي يعرفوا أسئلة وإجابات الامتحان الذي سيخضعون له في الصباح التالي. غير أن الشيء الذي لا يتغيّر في مصر هو التقدير المبالغ فيه لقيمة الثانوية العامة من قبل جميع أطراف العملية التعليمية، فهو تقدير ثابت لا يتغير بتغير السياقات والتواريخ، ويبدو أن هذه عادة مصرية أصيلة. وفي الوقت ذاته هناك انفصال بين واضعي الامتحانات والطلاب، ثغرة كبرى بين الجيل الذي يضع الأسئلة والجيل الذي عليه أن يقدم الإجابات. الأول لا يعرف شيئاً عن التكنولوجيا والثاني لا يستطيع العيش بدونها. والإشكالية المصرية، مثلما الحال في إشكاليات كل الدول النامية، تتلخّص في أنّنا في حاجة إلى أقصى درجات التقدم المعرفي من أجل الحصول على التكنولوجيا ومن أجل التنمية والتقدم. المسألة ليست أن نضحك على أنفسنا فتصف الحكومة نفسها بأنّها «ذكية»، أو يخرج علينا وزير التعليم بنظام جديد للقبول بالجامعات، ولكنّه الفارق الشاسع بين اللحاق بالعصر وبين البقاء في العصر السابق. وبين هذا وذاك يبقى النهج الذي تقوده الأجهزة الأمنية المصرية في المناداة بوضع القوانين المقيدة لحركة الإنترنت، ومعها كلّ ما يتعلق بالثورة الرقمية، يعكس نوعاً من الجهل المتباهي بنفسه الذي إذا نجح فإنّه يعني كوارث كبرى، وإذا فشل، وهو المرجح في حال تطبيقه، فإن الشرّ يكون قد حقق أعظم انتصاراته. التسريب ظاهرة قديمة، تكرّرت على مر السنين الماضية بطرق متنوعة وصور شتى، ومن قبل اختراع التكنولوجيات الحديثة، التي تسهِّل كثيراً من العملية وتضاعف انتشارها، وبالتأكيد تُسهم في توليد سريع لدلالتها الفضائحية. الحديث الكثير عن «شاومينج» ومقرّه التركي أو مافيا الامتحانات على صفحات التواصل الاجتماعي، هو حديث خائب يصدر من عقليات لا تدرك أنّ الزمن تجاوزها بالفعل وأنّ معسكرها الذي تطلق منه اتهامات العمالة والتخوين هو المسؤول الأول عن هذه التسريبات إمّا بالقصد وإمّا بالتقاعس، وما كلّ ذلك الكلام الناري والمتشنّج عن «الطابور الخامس» سوى قناع لمداراة الخيبة الثقيلة والفساد المترسّخ في أعماق منظومة التعليم المصرية وما يتصل بها من مؤسسات. الحلول ليست مستحيلة والإصلاح ليس صعباً، ولكنّه يحتاج إلى عقليات غير متكاسلة تفكر خارج الصندوق ولا ترتكن إلى الحلول الأمنية الغبية. (القاهرة)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة