As Safir Logo
المصدر:

رحيل عاصم الجندي أديباً وصحافياً وصاحب مغامرة حياة خصبة حلم محترق ورصاصة في الرأس

المؤلف: بيضون عباس التاريخ: 2001-01-26 رقم العدد:8813

كان صفا تكميليا بل واحدا من أوائل الصفوف التكميلية هو الذي دخله ذلك الرجل النحيل الرقيق الملامح وكنا لا نزال في وهلة دخوله ننتظر صامتين ان يقدم نفسه حينما سمعناه يقول انه كالسيف مرهف وصارم في آن معا، كان يقول ذلك وسبابته تمسح على حاجبه مرة بعد مرة، حركة رقيقة مع صوت ظل رغم نطقه الجبلي او الجواني رقيقا. رقيقة أيضا قافاته وضاءاته. رقيقة صفحة خده وكذلك جلد وجهه وزاوية عينيه وشعره الخفيف، لكن السيوف غابت منذ فترة عن بلاغتنا بل غابت عنها كل بلاغة. لم تكن مخيلاتنا بعد عامرة بالشعر وبسيوف الشعر بقدر ما كانت مخيلته. مع ذلك كان رقيقا ولم يكن قط صارما، ذلك الرجل الذي عرفنا فيما بعد انه عاصم الجندي. أحببنا الاسم كان يليق بهيئة صاحبه وكنا قرأنا من قبل لمحات لإنعام الجندي لكن لعائلة لم تكن بالنسبة لنا شيئا أكثر من تلك النبرة الصحراوية المشبعة في كلام ذلك الاستاذ الذي لم يكن يشبه السيوف. حين زرنا عاصم الجندي في بيته تراءى لنا شبه آخر، صورة رامبو معلقة وصورة عاصم بشعر مسترسل وبينها وبين صورة رامبو قرب ملحوظ. كان هذا شبهاً لا يذكره عاصم من دون حسرة. حسرة على الشبه وحسرة على وفرة الشعر التي أتاحت الشبه، وبالتأكيد حسرة على الشباب الباكر الذي كان فيه هذا الشبه أكثر إمكانا، كانت صورته بالشعر الرامبوي وصورة رامبو أيقونتيه ولهما في الأغلب يحرق الشموع المركوزة على رؤوس القناني ويتركها تسيل على القنينة التي تغدو بعد شموع كثيرة مسلة او منحوتة او أيقونة بدورها، هناك في ضوء الشموع كان رامبو يحضر والشعر يحضر وقصائد عاصم تحضر. لم يكن عاصم تزوج بعد، خف شعره في شرخ شبابه. لكن عاصم من جيل قديسوه شعراء والشعر بالتأكيد جنته ولم يكن للمرء نفس سوى تلك التي تذوب كالشمعة، ولا عالم الا ذلك الذي يملؤه جمال الشعراء وموتهم المبكر وطقوس استحضارهم والتحسر على زمانهم الذي لن يعود، واللعب بقواف وأبيات هي كالسيوف فارقت من غير رجعة، كان عاصم في شرخ شبابه لكن اللحظة كانت للتحسر والحنين والرحيل المبكر والشعر. لا أذكر سياسة عاصم الجندي، قلما تكلمنا سياسة يومذاك، كان يذهب الى بيروت التي نجهلها نحن، ويعود بأقاصيص تشبه الأقاصيص. العازف الأعمى وإكليل الزهر والمغنى والحبيبة والحان والكأس، قصص تشبه الأقاصيص لكن عاصم تحت أيقونة رامبو وروايات الرومانطيقيين وبورتريهات الشعراء الجميلين وحكاياهم صوّر بيروت قصيدة. أكان مبالغا، ربما، لكنه صادق. فبيروت الشعراء يومذاك، كانت تحت هذه الايقونات، والحياة لا تزال فناً يشبه الشعر. حين نزلت بدوري الى بيروت بعد وقت، تعرفت على شعراء يحيون كشعراء وأدباء يحيون كأدباء، كانت أغاني فيروز تملأ عالمنا مغنين وعشاقاً وأزهاراً وكؤوساً، وأغاني فيروز ليست أحلاماً فحسب، انها تحتاج الى حانة او الى وقفة على شاطئ او الى نهير لتستحيل حقيقة. من قال على كل حال اننا نحتاج الى الحقيقة، ألا يكفي الشعر، وهذا النحيل الرقيق عاصم الجندي كان مسكوناً بالشعر وبالشموع والايقونات الى درجة أوحشتنا، نحن الفتية يومذاك، كنا نخرج من عنده وكأننا نصل من نهايات العالم مسحورين لكن مستنفذين مغصوصين لائبين حنيناً وحسرة وتعباً. أذكر اننا بعد جلسات طويلة كهذه أدركنا خوف او ما يشبه الخوف، أما عاصم فكان كأنه كاهن هذه الجلسات وساحرها وعرافها ايضا، اعتادها. اعتاد ضوءها وشميمها وشحوبها، كان الحنين يومذاك هو الكلمة، الحنين، نعم الحنين، لا كلمة الماضي فحسب، بل كلمة المستقبل ايضا.. وعاصم كان ككل جيله من أيتام هذا الحنين كما هو ومن أيتام المستقبل الذي لا يأتي. لم نتكلم سياسة ولا مرة مع عاصم. لم نكن نتكلم الا تهويماً وشروداً ونجاوى وخفقاناً وانسيابات دافئة حرّى. كنا دائماً ممسوسين او كالممسوسين، مفتونين او كالمفتونين، مسحورين او كالمسحورين. أذكر اننا طالما كسدرنا ذهابا وايابا قريبا من البحر وحيث لا نجد عشبة ولا زهرة ولونا كانت أعيننا معمية بالألوان والمشاعر والاحلام اليومية. أذكر ان عاصم قرأ لنا يوما قصيدة عن يد دامعة. لكم لمسني هذا الكلام عن يد منداة بدمع الرحيل والفراق طبعا، لكن الشاعر، لأمر ما، كتب قصصا، لم تكن سوى قصائد من نوع آخر وجمعها لكتاب، وكنت تلميذا في أوائل السنوات التكميلية لكنني بتشجيع من عاصم كتبت مقالة عن المجموعة، أخذها عاصم ووجدتها منشورة في »النهار«، كان هذا أول ما نشر لي. ربما قتل هذا وهرة النشر في عيني، نشرت المقالة وانتظرت المجموعة سنوات حتى واتاها النشر. لم يكلمنا عاصم سياسة على ما أذكر، كان أستاذا آخر أظنه من السلمية ايضا كلمنا سياسة نبيلة ارستقراطية لا تشبه السياسة، سياسة حنين الى العربي الأول الجاهلي الممتلئ اسما وحرية وعنفوانا، وكتب تأملات سحرتنا يومذاك وأظنه الآن لواء متقاعدا، وأحسبه يودع معي عاصم الآن ويملأني في هذه اللحظة شوق اليه. لم يكلمني عاصم سياسة ولم يكن له مع أيقوناته وشموعه سياسة، لكن سياسة تلك الايام لا تبتعد كثيرا عن استحضار الصور والارواح، ورعف الحنين المفارق، ورندحة الشعر، وإعلاء اللغة، لم يكلمنا سياسة ولا أعرف بعد ان هاجر صور كيف نفذ الى السياسة، وكيف صاحب كارلوس، وكيف نجا من رصاصة في رأسه لولا اللطف لأردته يومها، لا أعرف ولا أستغرب، ولا أسأل. الأرجح ان الاحلام تلد احيانا غيلانا او تنقلب الى كوابيس، وان في غابات الكلام ثمة احيانا دما حقيقيا. المتاجرة بالوهم قد تنتهي بقلع الأعين، والايقونات الساكنة الرائعة قد تخطر بالفؤوس والاسلحة والقبعات العسكرية. لندع هذا على كل حال، جميعنا بالتأكيد رأينا هذا المخاض الدموي لكلماتنا المحبوبة او لاحظناها تتحول الى رصاصات في رؤوسنا ورؤوس سوانا. لا أعرف اذا كان عاصم الجندي هجر الشعر. اذا فعل ذلك فلا شك انها كانت هجرته الكبرى. لا بد ان الحياة بعدها كانت في درجة الصفر. لقيته في قبرص وكانت أطراف أصابعه لا تزال تدمع ولا يزال رأسه المسكون برصاصة غير قاتلة مملوء بأمور لا تشبه الرصاص، بروائح ياسمين وصور طيور وبالتأكيد بأيقوناته الاثيرة. كانت يداه تزرعان دائما كلاما جميلا، والأرجح انه حمل معه الى نيقوسيا كلماته الأثيرة ورباها كعصافير، لكنها العادة في الغالب، فالأرجح ان الحنين بات ذهولا واحيانا صفنة وهمودا. الأغلب ان الشعر غدا عذابا، والرأس المسكون برصاصة يشعر بثقلها واحيانا بحمّاها كلما عاودته الاحلام. لم يتبدل عاصم كثيرا حين لقيته مجددا في بيروت، لا أعرف ماذا تبدل في روحه. لا أعرف اذا كان هو يعرف. كانت التراجيديا »الجندية« او النكبة الجندية غير خافية: انتحارات ومناف واعتزالات وهروبات. تاريخ العائلة الملعون وتلك الرصاصة التي سكنت في رأس الابن الاصغر وردته من مأساتها السوداء، لم يكن العالم اذا بستانا ورديا كما تراءى لنا على شط صور. لم نعلم ان قدرا اغريقيا كان ينبع مصائر دامية على الناحية الاخرى، وان الشاب الذي جاء ليدرسنا الانشاء في كلية نائية كان مشدودا، من دون ان يدري او من حيث يدري، الى ذلك التاريخ الذي طارده على شطوط المتوسط وحمله من بلد الى بلد. بحلم محترق ورصاصة في الرأس. تعرفت على بنات عاصم في غيابه. اذا كان الابن سر أبيه فكم ترك أسرارا جميلة وخصبة. لقد ترك أحلاما نبيلة لم تحترق في هشيم هذه المدينة وحين أراهن أقول ان ضمير عاصم كان صحيحا اذا كان الولد حقا سر أبيه.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة