أهم ما في معرض جورج الزعني »نوافذ على قريطم«، الذي افتتح في مقهى أليسار أول أمس الاثنين، ان الفكرة جديدة ومبتكرة، فالمعرض ليس لوحات تؤرشف زخرفة الواجهات البيروتية او تقترب منها من باب تجريدي، وهو ليس منحوتات تضاهي بجمالها جمال الواقع، وإنما لعب فني على الأسماء والذاكرة والتاريخ الحضاري لمدينة تتطلّع الى المستقبل. المعرض، الذي ضمّ 28 لوحة مشغولة بمادة الفلّين، يلعب على التسمية »قريطم«، بما يعنيه ذلك من تلميح الى منطقة رئيس الحكومة وقصره مجازا، وتمثيل لتاريخ منطقة كان لها مجدها خلال قرن من الزمن. مما يوحي أن عنوان المعرض »نوافذ على قريطم« يقصد به نوافذ على قصر الحريري، لكن الحقيقة، رغم واقع الأعمال المقدمة وما تبرزه من أسباب تخفيفية لهذا الايحاء، تبقى متأرجحة بين قريطم الحريري وقريطم العائلات البيروتية العريقة التي مثلت الاعمال النحتية المعروضة واجهاتها. فلو كان الشق الثاني اي التاريخ الحضاري هو المقصود فقط، لما كان انفتح المعرض على الحاضر والمستقبل، ولما كان بين الأعمال ما يمثل مفردات زخرفية موجودة في واجهة قصر الحريري بالذات. المعنى المؤرجح اللعبة على التسمية التي جعلت المعنى مؤرجحا، سحبت نفسها على مستويات مختلفة، إذ ان تعبيرية الأعمال المقدمة للمعرض، اي تعبيرية الزخرفة القديمة هي فصل من فصول الحنين الى الماضي، وهي بالمقابل تحسّر على الماضي بوجود الحاضر. هي حنين لمنطقة، ولتلة جميلة من تلال رأس بيروت، وهي بالمقابل تحسر على العديد من البيوت والأبنية التي نسفتها الهندسة المعمارية الجديدة. فتذكّر الماضي والحنين إليه هو ضمناً شعور بالخسارة التي يمثلها الحاضر. ومع ذلك فجورج الزعني لم يستخدم اللعبة الا في حدود طرفة المطابقة، فهو لم يغمز من قناة ما تمثله قريطم اليوم، عندما يمجد جماليات الأمس، حتى أنه استعار من قريطم الرمز اليوم، اي من قصر الحريري ما يكمل جماليات المعرض الزخرفية. على ان جماليات المعرض لا تدخل في باب الدقة والرهافة المهنية، بقدر ما تتجه نحو التقشف والايحاء بالشكل او تمثيله بالاختصارات الممكنة، على ان مادة الفلين المستخدمة ليست مؤهلة لتجسيم دقيق ولسطوح جميلة. فالفنان الذي أخرج أفكار الزعني وهو الإيطالي بسكال كارنزا اعتمد على حذاقته وتخصّصه بأعمال الفلين فقدّم لياقات فنية أوصلت الأعمال الى تأدية الغرض التمثيلي، بأقل وقت ممكن وأصغر حجم ممكن، ومن دون اي شعور بتكلّف او غربة عن الواقع الذي يجسّده فنان غربي. المجسّمات المنحوتة قد تمثل زخرفة موجودة حقيقة في واجهات قريطم، لكن ذلك ليس ضرورياً، فالأعمال لا تنقل الواقع بقدر ما تتخذ من الشواهد حجما وأمثلة على واقع أشمل. فالأشكال المحفورة في الفلين قد نجد مثلها في بيوت بيروتية بعيدة عن قريطم، بل في بيوت جبلية، او طرابلسية او صيداوية، او سوى ذلك من الأماكن التي تشبه بواجهاتها وشرفاتها ومشربياتها وأبوابها ونوافذها أسلوب العمارة اللبنانية وزخرفتها. الماضي والحاضر ليس المعرض، إذاً، دعوة الى الحياة في الماضي بقدر ما هو استخدام الماضي في سبيل تجميل الحاضر والمستقبل، وهو استحضار للحضارة من أجل ان تستمر في الحياة الحاضرة، ولعل أكثر ما يوحي الى ذلك التواتر بين الماضي والحاضر، ما شاهدناه على هامش المعرض من صور فوتوغرافية تذكرنا بشخصيات وأماكن من بداية القرن الماضي، مخترقة بشخصيات وأماكن حديثة وتمثل العصر. فالأبيض والأسود لونا الصور الفوتوغرافية القديمة يجتمع مع الصور الملونة، ويأتلفان في إطار واحد ولعبة واحدة. تتوزّع الصور بين مجسّمات الفلين، ولا تصنع معها، فقط، المشهد الذي تبرزه جدران مقهى »أليسار«، إذ ثمة أعمال تساهم من قريب او بعيد في تشكيل رؤية بصرية شديدة التنوع بما في ذلك تواتر الماضي والحاضر، حتى أن قوة بعض الأعمال المعلقة، في الأساس، على الجدران، تسطو أحيانا على أعمال المعرض، بل إن قوة المتحف تبسط نفسها على جو المقهى والملتقى. أكثر من ذلك، ننسى للحظات أننا في أجواء مقهى او مطعم، ونخال أنفسنا وكأننا نتجول في متحف. وبالفعل فإن وجود المئات من الأعمال التشكيلية المهمة، في هذا المكان الذي هو »أليسار«، يعوّضنا عن رؤية معرض دولي كبير، بل يشكل متحفا متواضعا. متحف ولمن لا يعرف ما يحتويه المكان من أعمال خارجة من حساب المعرض الحالي، نذكر تواقيع لفنانين عالميين أمثال: ميرو وريتسوس وزاروخيس وكارنزا وجنبولاكس. اما الفنانون العرب فنذكر منهم: ضياء العزاوي، فاتح المدرس، نذير نبعة، نذير اسماعيل، مصطفى الحلاج، ليلى نصير، اسماعيل فتاح، عمر خليل وبشار عيسى. واذا ذكرنا اللبنانيين فمنهم: شفيق عبود، رفيق شرف، حسين ماضي، جان خليفة، إيفيت أشقر، أسادور، عارف الريس، موسى طيبا، وجيه نخلة، ناديا صيقلي، سيتا مانوكيان... وآخرون. أي ملتقى او مقهى او مطعم يمكنه ان يتحول عن مهمته الى هذا الفيض الفني، ومن يجرؤ تقديم إغراء الفن على إغراء الطعام والشراب، فثمة رائحة واحدة تنبعث في المكان هي رائحة الفن. ليس وجود الفن في هذا المكان مكمّلا للطعام والشراب او واحدا من صنوف المقبلات، فهو يقودك الى غير المعدة بالطبع، ويفتح شهية غير شهية الطعام. وبهذا المعنى فان جورج الزعني يشوش على موارد جيبه بموارد الدماغ والمخيلة والجمال، بل يقدم للزبائن أكثر مما يطلبون احيانا، او يأخذهم من بطونهم الى رؤى الفن والجمال. الداخل الى المعرض او الى الملتقى قد لا ينتبه الى أنه في حضرة مطعم وزبائن وأكل وشرب، فالجدران تأخذه الى أحضانها، في نزهة بين الألوان والأشكال التعبيرية والإخراج الرفيع، نزهة أطول من أن تكتمل بزيارة واحدة.