As Safir Logo
المصدر:

من الحداثة إلى مفهوم الحتمية الجغرافية دور الدولة في لحظات النمو

المؤلف: الحلو وضاح يوسف التاريخ: 2001-01-23 رقم العدد:8810

هناك ظواهر سلبية مهلكة، منها ما هو ناتج عن خطأ استيعاب الحداثة، ومنها ما هو منبجس من التقاليد المعوجة المتوارثة التي تحافظ على روائها في ظل استيراد الحداثة. وقد ساعد في انعاش حالات التيبس الفكري العربي مع انعكاس ذلك على النسيج العام للخطاب السياسي المجتمعي ما جعل الآمال تحترق في مرمدة ان وعي الفكر القومي العربي للحداثة الغربية وعي مشوّش، ومضطرب، ومنقوص. وفي نسيج الحداثة التقانية المعاصرة يدخل مفهوم الحتمية التاريخية الجغرافية الذي حقق انتصاراته الاولى قبل الحداثة المعاصرة إذ ان انتصار الحتمية الجغرافية عكس مصالح البورجوازية المنتصرة في تقويم العوامل المادية الحقة مع ميل الى التجريبية الحسيّة. وحاليا، يرى بعض المراقبين ان نظرية الحتمية الجغرافية تستعمل واسعا في البلدان الصناعية للدفاع عن نظامها المتجسد في مجموعة أنشطة الحلقات الامبريالية، الى ذلك تبرز البيئوية كفرع من الحتمية الجغرافية في الولايات المتحدة الاميركية، كاسناد لسياسة التجمعات الصناعية الكبرى. ان الافادة الكاملة من خيرات الطبيعة لا تتم الا بالارتكاز على خصائص الحتمية الجغرافية كما يحصل، راهنا، في جمهورية مصر العربية حيث تحفر القنوات لجر المياه الى مئات الكيلومترات في قلب الصحراء بهدف اروائها، وتاليا مط الشريط السكاني الى مناطق قاحلة بعيدا عن التمركز حول مجرى النيل. هذه الحتمية الجغرافية في حداثتها، وفي استيلادها امكانات جغرافية جديدة منسجمة مع التغييرات الاخيرة في الاقتصاد العالمي، تتطلب دورا من الدولة بوصفها افرازا، وتظهيرا لاستحصاء التناقضات الطبيعية في لحظة عجز المجتمع عن تلبية طلبيات الازدياد السكاني. ان الحتمية التاريخية كسابقة تاريخية على الحداثة المعاصرة هي من العلوم الاجتماعية تدرس التوزع الجغرافي للانتاج الاجتماعي، وتحتل مكانة بارزة في هذا العلم دراسة العلاقات المتبادلة بين مختلف القوى الاقتصادية من الزراعة الى الصناعة. وبما ان الانتاج الاجتماعي هو دائما انتاج مادي ينمو في ظروف ملموسة فان دراسة الانتاج غير ممكنة من دون معرفة جغرافية القشرة الارضية، وقوانين الحتمية الجغرافية بما في ذلك حجم السكان، ومن هنا تتضمن الحتمية الجغرافية ثلاثة عوامل لا تنفصل: 1 الجغرافية الحتمية. 2 الجغرافية السياسية الاقتصادية. 3 دور الدولة في لحظات النمو الهائل للحتمية الجغرافية. واذا كانت الحتمية الجغرافية سابقة زمنيا على الحداثة الراهنة فان ما نشهده اليوم من طفرات تكنولوجية قد لا تكون لمصلحة الانسان بشكل كامل. والملاحظ لتطورات الاحداث الثقافية العالمية يرى ان الحداثة المستورة على ارتكازة الحتمية الجغرافية ساعدت على تعميق التباعد بين البشر، وأدخلت تبديلات على أنماط سلوك البشر، ولم نعد اليوم ننظر كالأقدمين الى الطبيعة كوحدة كاملة، وككل لا يتجزأ لأنهم لم يتوصلوا (اي الأقدمون) الى تحليل الطبيعة. والمساءلة: من أين تأتي الحيرة العالمية؟ ان الحتمية الجغرافية باستيلادها الحداثي الثقافي المعاصر لم تستطع بعد تحقيق الاكتمال التاريخي العربي للقوى الخرافية الاسطورية بهدف الانتقال بشكل كامل الى مفاهيم الحتمية التاريخية كي نصبح شركاء في صنعها لا في استهلاكها فقط. ولان الحتمية الجغرافية هي نوع من الاقتصاد السياسي اي علم تطور علاقات الانتاج الاجتماعي بين الأفراد فان هذه الحتمية علم مستحدث أفرزه النمو السكاني. وبهذا المفهوم فان الحتمية الجغرافية تمس مصالح الناس الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، وسيلعب هذا العلم القديم كجغرافية عادية، والحديث كعلم اقتصادي توسعي يهدف الى مردودية الدولة. وقد انتبهت اسرائيل الى هذا الواقع الحتمي فراحت تناور لتعطي الفلسطينيين جزرا من الارض عارية تسمى »دولة«، ولم يكن ذلك مطروحا في مشاريع الصهاينة السرية الى ان كان تصريح ريغان 1983 (شهر تموز) إذ قال: »انني أسحب اعتراضاتي بصدد إنشاء مستوطنات اسرائيلية جديدة في الاراضي المحتلة سنة 1967«. ان اي توسع في الحتمية الجغرافية لا يتم من دون الدولة بمشاركة القطاع الخاص الكبير اي من دون رساميل هائلة، والا فأين تسكن كل هذه الاعداد القادمة تباعا الى الحياة؟ ان الحتمية التاريخية عندنا لا تتم عبر تكامل وحدوي هادئ، ومنظم، وتدمير وئيد على فترة زمنية طويلة للثوابت القطرية مع تكسير نظام العشيرة. اوروبا تمارس الحداثة انطلاقا من تنوع مفاهيم الحتمية الجغرافية، وتصون تراثها، ولا تسلّم موروثاتها للمقصلة. نحن، نمتد على مساحة 14 مليون كلم2، لكننا بالمردودية وفق مقياسها العلمي نصغر ولا نكبر، والعلم عندنا يزرع الضياع مع أننا قادرون. ولنتذكر ان أفضل من مارس الحتمية التاريخية هم الاميركيون، وهم أفضل من صدّر الحداثة لكنهم كانوا »أفضل« من أباد الهنود الحمر في معركة »ويندكتي« عام 1890. ولنتذكر ايضا ان الصهاينة أصدروا في ما أسموه »ميثاق الاستقلال« على مرتكزات العدل والحرية، لكنهم مارسوا الحتمية التاريخية مع العرب، وتلوين ذلك بطلاء الحداثة، ولن ننسى المادة 125، وهي المادة التي بموجبها كانت السلطات العسكرية تعلن مناطق شاسعة أماكن مغلقة، خصوصا اراضي القرى المتروكة والتي أجلي عنها سكانها مع أنهم بقوا لاجئين في داخل اسرائيل. ان تصدير الحداثة، والحتمية الجغرافية مفهومان لهدف واحد هو تدمير مفهوم الأمة العربية للسيطرة على كل مواردها، وثرائها، وما السلام اليوم الا غشاوة للقبض على خناق هذه الأمة عبر إغراقها بسلع حديثة لا نفع منها، وممارسة الحتمية الجغرافية بحق أرضها للاستيلاء عليها.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة