قدم الأمين العام لجمعية مصارف لبنان مكرم صادر ورقة عمل عن آليات تمويل مشروعات اعادة الاعمار في الجنوب خلال المؤتمر الذي نظمه المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق بين 18 و19 الجاري تحت عنوان »المؤتمر الانمائي الموسّع للنهوض بالمناطق الجنوبية المحررة والمتاخمة وإعادة إعمارها«. وتناول صادر في ورقته المعطيات المختلفة عن آليات التمويل القائمة، مبينا نتائجه السلبية او الايجابية، وأشار الى وجود محدودية في قدرة الدولة على الاقتراض بشروط السوق، ما يدفع للتركيز على تفعيل الاقتراض الخارجي بالشروط الميسرة ولا سيما من الدول والصناديق العربية. ويشرح صادر آليات تمويل المشروعات الخاصة مشيرا الى وجود طاقة اقراضية متاحة اذا توفرت المشروعات ذات الجدوى، واوضح ان الاقراض المصرفي للقطاع الخاص المقيم يناهز الناتج المحلي الاجمالي، وهذا يعني ان الأزمة ليست في السيولة وإنما في الاقتصاد. وفي ما يلي نص ورقة الدكتور مكرم صادر: مقدمات في بعض ضرورات إنماء الجنوب وحيثياته كتبت غداة تحرير الجنوب ويتأكد لي يوما بعد يوم، على ضوء ما يشغل الساحة، ان تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي يشكل الحدث الأهم في تاريخ لبنان المستقل، كما يُفترض ان يفتح التحرير الباب واسعا وبزخم امام بناء الدولة واستكمال مسار الطائف خاصة في ما يعود الى الانماء المتوازن والانماء المناطقي. ومنطقة الجنوب عامة والأقضية الخمسة التي عانت من الاحتلال خاصة هي من المناطق المطلوب تنميتها. فالتنمية ليست تطبيقا لدستور الطائف فحسب، بل تعبير عن عودة السيادة اليها. والتنمية حق لهذه المناطق عن حرمان واهمال يعودان الى أكثر من ثلاثة وثلاثين عاما أي لما قبل اتفاقية القاهرة. وتنمية هذه المناطق مطلوبة لجعلها، ان تحققت، عودة للأمل بقدرة الدولة على ان تدير بنجاح، ولو لمرة واحدة، برنامجا انمائيا. فلا تظل عالقة في اذهان جيلنا صورة الدولة العاجزة وغير العادلة. وبالرغم من كثافة تراكمات حقبة الاحتلال الغاشم يختزن الجنوب، خاصة بمناطقه المحررة والمحاذية كما الوطن بل وأكثر، امكانات اذا تم اطلاقها واستغلالها تساهم في نمو الناتج الاجمالي للبلد وفي تحريك دورة اقتصاده الوطني. وتحتاج عملية اطلاق هذه الامكانات الى ورشة عمل منسقة تنسيقا محكما بالنسبة الى ادارتها وتنظيمها. فلا يحد تضارب الصلاحيات وتشابك النظم الادارية وتعدد المؤسسات المعنية من زخم الورشة المطلوب او من فعاليتها. ويؤمل الوصول على هذا الصعيد الى صيغة عملية مقبولة وفي مصلحة قضية انماء الجنوب. فلا يجوز ان تطغى اطر ومؤسسات العمل على مضمون خطة او برنامج التنمية. فلا يكفي اطلاق صفة المتكامل على برنامج ال1200 مليون دولار الذي وضعه على عجل مجلس الانماء والاعمار حتى يكون كذلك، إذ ان كل خطط وبرامج التنمية كانت كل مرة تبدأ طموحة في اهدافها. وكانت تتضمن عناوين مغرية كالانماء المتوازن، وتنتهي مقتصرة على التنفيذ المجتزأ والمرتفع الكلفة للائحة من مشاريع البنية التحتية غير المترابطة في ما بينها وغير الواضحة في آثارها على سائر الانشطة والفعاليات الاقتصادية. باختصار، في كل مرة، الدولة تنفّذ ما تعودت ادارتها وأجهزتها على تنفيذه. فهل تكون تنمية الجنوب هذه المرة مغايرة اقتصادا في الامكانات وتوظيفا مفيدا لها؟ أم سينتهي الانفاق في الجنوب كما في ملف المهجرين ذا طابع توزيعي للمشاريع والمداخيل؟ فلا تترافق معه آثار تنموية تذكر للمناطق المعنية لناحية خلق مؤسسات منتجة وفرص عمل دائمة ومداخيل حقيقية. بل يتحول الانفاق الى استهلاك اضافي، مستورد بمعظمه، يفاقم اختلالات وتشوهات البنى الاقتصادية والاجتماعية في لبنان ويفاقم المخاطر التي قد تنجم عنها للبلد فتبقى الأبواب موصدة امام النمو ومشرعة أمام الهجرة. في آليات تمويل مشروعات البنية التحتية في القطاع العام درجت الدولة في ادبياتها الاقتصادية حول المناطق التي كانت محتلة على التمييز بين الاحتياجات الملحة وتلك ذات الطابع التنموي. ونريد ان نعتقد ان تغطية الملحّ من الاحتياجات قائمة بالآليات المعتادة. وانها تتم بكفاءة ووتيرة مرضية للاطراف السياسية المعنية بها وان تمويلها متوافر على الأقل بالحجم المطلوب من خلال المنح والمساعدات التي تلت التحرير وتوالت بعده على شحتها النسبية، ومن خلال اعتمادات وزارات الدولة المعنية والمؤسسات العامة الخدماتية. وعليه يتوقع المرء ان يكون قد تحقق وصل شبكات المياه والكهرباء والطرقات بالشبكات الوطنية. ان تكون الحياة قد دبّت مجددا ببعض شبكات الحماية الاجتماعية. بالتالي تُعنى المداخلة بآليات تمويل المشاريع وليس الاحتياجات الملحة. وبغض النظر عن الصيغة التي سيستقر عليها مجلس الانماء والاعمار وسط التجاذبات القائمة، وبغض النظر عما سيستقر عليه الإطار الموسساتي للتنفيذ والذي تقرره الجهات الفاعلة وكلها ممثلة في السلطة، نعتقد بقوة ان آليات تمويل »البرنامج الانمائي« المتكامل لمنطقة الجنوب وجزء من البقاع الغربي وراشيا ستبقى هي هي أي كما الآليات المستعملة خلال الثمانينيات وخاصة خلال التسعينيات وتحديدا خلال الفترة 20001992. فآليات تمويل التنمية جزء من رؤية التنمية ذاتها ومن مضامينها. وغياب مناقشة رؤية التنمية المطلوبة يعني الاستمرار بذات آليات التمويل. وعليه نرى مفيدا وضروريا تحليل آليات التمويل التي اعتمدتها الدولة خلال المراحل السابقة، لكي نتمكن من استخلاص بعض العبر حول الآليات التي ما زال ممكنا اللجوء إليها. آخذين بالاعتبار تفاقم الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية من جهة والمعطيات السياسية المستجدة بعد التحرير من جهة أخرى. وتجدر الاشارة كذلك الى اننا استندنا في مقاربة آليات التمويل الى المعطيات التي يعدها وينشرها مجلس الانماء والاعمار، حيث يجد الباحث صعوبات كثيرة وكبيرة في تقريب الأرقام بعضها من بعض وفي تحديد الشروط الدقيقة للقروض المنفذة لناحية مددها وفترات السماح وكلفة فوائدها. وكذلك في توزيع المنفذ من المشروعات على مصادر التمويل. بالاضافة الى الصعوبات المرتبطة بمقاربة كلفة المشاريع المنفذة مع المديونية العامة للدولة. فتمويل اعادة الاعمار تم من مصادر داخلية وخارجية. وفي شقه الداخلي تم جزئيا من خلال سندات الخزينة بالليرة اللبنانية وجزئيا من خلال سندات اليوروبوندز التي اكتتبت المصارف اللبنانية بمعظمها. والتمويل في شقه الخارجي جاء بعضه بشروط ميسرة وبعضه الآخر بشروط السوق. كما جاء بعضه من الحكومات والصناديق العربية وبعضه الآخر من الحكومات والمؤسسات والمصارف الدولية. لقد سعينا جاهدين الى توضيح هذه الجوانب والابعاد لآليات تمويل اعادة الاعمار بالاستناد الى المعطيات المتوافرة، التي تبين اربع حقائق هامة: أولاها محدودية القدرة على التنفيذ مقارنة مع ما هو مخطط. وترتبط القدرة على التنفيذ بالطاقة الاستيعابية للاقتصاد. وغالبا ما يصطدم بالتنفيذ عوائق إدارية وتقنية وتنظيمية وسياسية، وليس بالضرورة مالية. وتحول هذه المعوقات دون إنجاز ما هو مخطط بل وتدفع الى اعطاء الأولوية لتنفيذ فئات معينة من المشاريع على حساب اخرى. ولم تصطدم عملية تنفيذ المشاريع بمدى توافر التمويل. فقد انفقت الدولة من الموازنة وخارج الموازنة خلال الفترة 19991992 ما يقرب من 33 مليار دولار. فالقدرة الانفاقية تفوق بأضعاف الطاقة الاستيعابية الفعلية للاقتصاد، ما يفسر الأثر التنموي الضعيف للإنفاق، ويفسر في آن معاً التشوهات الحاصلة في اسعار عوامل الانتاج وفي تخصيص الموارد وفي توسيع رقعة المداخيل ذات الطابع التحويلي والريعي. ومما يفسر اخيرا جزءا هاما من العجوزات غير المعهودة في الحساب الجاري الخارجي للبنان والذي يستدعي بدوره تمويلا خارجيا. ثانيتها صعوبة استعمال القروض الخارجية مقارنة مع سهولة اللجوء الى التمويل الداخلي. اذ يبدو للوهلة الأولى ان مشروع اعادة الاعمار المنفذ قد موّل من المصادر الخارجية. وعند التدقيق بالمعطيات يتبين ان حصة التمويل الداخلي كانت طاغية وقد قاربت 60$ ما يعادل (2586 مليون دولار) من اجمالي نفقات اعادة الاعمار مقابل 40$ (1726 مليون دولار) للتمويل الخارجي الثنائي والمتعدد الاطراف بما فيها القروض المصرفية الاجنبية لمشروعات محدودة. وطبعا يترتب على استعمال كل من الآليتين الاقتراض الخارجي والاقتراض الداخلي مفاعيل مغايرة. فالتمويل الداخلي غير مرتبط بشروط وإجراءات صعبة او معقدة كما تلك الموضوعة من قبل الجهات والدول المانحة. كما ان كلفة التمويل الخارجي للمشروعات خاصة التمويل الثنائي او المتعدد الاطراف غالبا ما جاءت ادنى بكثير من الاقتراض الداخلي من خلال آلية سندات الخزينة بالليرة اللبنانية لسنتين. وللدلالة على فارق الكلفة بين الداخلي والخارجي نذكر ان متوسط كلفة الاخير يقل عن 6$ بينما تزيد كلفة الاقتراض من السوق الداخلية عن 16$ بالليرة اللبنانية وعن 7،8$ بالعملات الاجنبية. يضاف الى ذلك ان مدة القروض الخارجية تتراوح بين 13 و17 سنة مع خمس سنوات في المتوسط كفترات سماح. ثالث الحقائق حول آليات التمويل المعتمدة يكمن في بنية التمويل الخارجي لناحية مصادره العربية وغير العربية. ويستفاد من التمييز بين التمويل الموفر من الصناديق والحكومات العربية، بما فيها البنك الاسلامي للتنمية من جهة، والحكومات الاجنبية والمؤسسات الدولية بما فيها المصرف الاوروبي للاستثمار، ان شروط الاقراض العربية كانت بشروط ميسرة أفضل من تلك الممنوحة من الجهات الاجنبية، خاصة فيما يعود لمعدلات الفوائد ولمدد القروض دون التطرق الى الشروط السياسية التي قد ترتبط بهذا المصدر او ذاك من مصادر الاقراض الدولي. وقد يكون ذلك سببا جعل استعمال القروض المعقودة مع أطراف عربية تستحوذ على حصة أعلى نسبيا من إجمالي القروض المستعملة. رابع الحقائق التي يمكن استخلاصها من دراسة آليات تمويل مشروعات إعادة الاعمار يتمثل في اقتراب قدرة الدولة على الاقتراض من السوق التجارية الى حدودها القصوى. فشروط السوق غير مؤاتية اصلا لمشاريع البنية التحتية التي تحتاج الى فوائد مخفضة ومدد طويلة وفترات سماح مريحة. وتبين المعطيات تفاقم كل مؤشرات المالية العامة. فالدين العام الى الناتج بلغ حدوداً مرتفعة جداً بالمقاييس العالمية. ووتيرة ازدياد العجز مقارنة بازدياد الودائع المصرفية ذاتها باتت تفوق ال90$. كما باتت خدمة المديونية تستهلك تقريبا معظم ايرادات الدولة من الضرائب والرسوم وما إليها. واذا استمرت هذه المؤشرات في التفاقم مما يعني تفاقم المخاطر السيادية (Sovereign Risk) فقد لا تستطيع الدولة الاقتراض لتغطية عجوزاتها السنوية وخدمة ديونها الا بكلفة متزايدة. ويعني ذلك ان آلية الاقتراض الداخلي لتمويل مشروعات إعادة الاعمار في الجنوب وسائر لبنان والتي تم اللجوء إليها في السنوات الماضية بكثافة قد استنفدت. ولا يبقى اذا أريد الالتزام بإعادة إعمار الجنوب سوى اللجوء الى آلية الاقتراض الخارجي مع ما قد يترتب على هذه الآلية من شروط سياسية. ويكون الحل باعتقادنا، وضمن هذا النمط من إعادة الاعمار المرتكز الى مجموعة مشاريع جدواها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتنموية غير واضحة، وعلى الاقل غير مدروسة او غير مستندة الى اية رؤية متماسكة، بتكثيف اللجوء ما أمكن الى الاقتراض من مصادر عربية وإسلامية على افتراض خلوها من الشروط السياسية المشكو منها عندما يتعلق الامر بالدول الاجنبية المانحة. ويمكن تجسيد هذا الخيار أي التوجه العربي/ الاقليمي في مسألة المياه وهي محورية لمجمل عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الجنوب، حيث الحاجة في السنوات العشر القادمة الى توفير ما بين 150 و200 مليون م3 من المياه للاستخدامات المنزلية والاقتصادية والزراعية. ويستحيل توفير هذه الكميات خارج مشروع الليطاني على منسوب 800م. الحيوي لمعظم مدن وقرى منطقة جبل عامل بالقناتين الرئيسيتين من القرعون والخردلي. وتستفيد منه 131 مدينة وقرية 88 منها جنوب الليطاني و39 شماله. ويخشى بالرغم من إدراجه في الخطة المتداولة ان لا يوضع موضع التنفيذ من جهة نظرا لضخامة التمويل المطلوب، وهو في حدود 550 مليون دولار مع متفرعات القناتين الرئيسيتين المنوه عنهما أعلاه. ومن جهة اخرى نظرا لاعتبارات حكمت هذا الملف على امتداد الاعوام الخمسين الماضية. فالحديث في غياب مشروع الليطاني عن ضرورة التحول المتدرج من زراعة التبغ الى زراعات مفيدة اخرى يصبح حديثا غير واقعي، بينما قد يغطي تنفيذه أوجه القصور او التقصير المحتملة في تطبيق البرنامج الانمائي. وقد سرّنا ان أثير هذا المشروع من قبل الرئاستين الثانية في الكويت والثالثة في طهران. وقد يكون توفير التمويل من الاولى والشركات المنفذة من الثانية مزيجا ناجحا. آليات تمويل مشروعات القطاع الخاص يشكل تنفيذ المشاريع المدرجة في خطة إعمار الجنوب مجرد اطار لعمل القطاع الخاص. المطلوب للافادة منه استكماله، بل ترافقه مع جهد لتطوير منشآت ومؤسسات تنتج سلعا وخدمات قادرة على المنافسة. إذ وحدها تخلق فرص عمل مفيدة وتوزع مداخيل حقيقية وتساهم بذلك في جعل المقيمين من أهل الجنوب يثبتون في أرضهم. فلا يضطرون للهجرة الى العاصمة ومنها الى الخارج. وهذا الهم يجب ان يعلو في المرحلة الراهنة على هم إعادة من غادر او هاجر خلال الفترات الماضية. وطبعا تحتاج إقامة المشاريع وبناء المؤسسات الخاصة الى تمويل مصرفي بعضه يمر بآليات التمويل التقليدية او العادية، أي بشروط السوق، وسنعرضها بإيجاز، وبعضه الآخر يحتاج الى آليات تمويل خاصة، أي بشروط، ميسرة وسنتوقف عندها بإسهاب. 1 التمويل المصرفي بشروط السوق: تظهر الميزانية المجمعة للقطاع المصرفي كما في نهاية تشرين الثاني 2000 ان المصارف أقرضت وسلّفت للقطاعين العام والخاص 45754 مليار ل.ل. أي ما يشكّل تباعا نسبة 68$ من إجمالي موجوداتها البالغة 67212 مليارا و81$ من إجمالي ودائعها البالغة 56516 مليارا. وتوزع الاقراض المصرفي مناصفة بين القطاعين. مع ذلك، يكاد الاقراض للقطاع الخاص المقيم وحده، وهو بقيمة 22324 مليار ل.ل. (14809 ملايين دولار)، يناهز الناتج المحلي الاجمالي، وهذه من أعلى النسب في العالم. مما يعني ان الازمة ليست في السيولة كما يشاع، بل في الاقتصاد. ومما يعني ان المصارف بالرغم من حجم الاقراض للقطاع العام استطاعت ان تستقطب حجما من الموارد كافيا لعدم استبعاد الاقراض للقطاع الخاص. وتستطيع المؤسسات في الجنوب الراغبة في الحصول على تسهيلات مصرفية لتمويل عمليات او مشروعات ذات جدوى ان تتقدم وتحصل على احتياجاتها المالية. ويساعد الانتشار المصرفي، الذي بات يغطي كل الأراضي اللبنانية بشبكة فروعه، على توفير أفضل الخدمات المالية لقطاع المؤسسات. أما ما يثار حاليا من تحفظ المصارف على التوسع بالاقراض فيعود الى توسعها على امتداد السنوات الثماني الماضية بحجم من التسليف يكفي، كي لا نقول يفوق، حاجيات المؤسسات المقترضة. ويعود من جهة ثانية الى ضرورات التسليف السليم حفاظا على أموال المودعين حيث يستدعي التسليف الاضافي ازديادا في التدفق النقدي الحقيقي لطالبي القروض. فلا يتحول تمويلا لخسائر تجارية او لمضاربات عقارية او لمخزون بضائع وشقق يصعب تسويقها. فالتسليف المفرط للقطاع الخاص كما إنفاق الدولة المفرط يموّل الاستهلاك، خاصة المستورد، ويساهم في مفاقمة عجز الحساب الجاري الخارجي، ولا يساهم في نمو الاقتصاد وخلق فرص العمل. وتكراراً نؤكد جازفين ان المؤسسات والمشروعات الجيدة والتي يضخ أصحابها أموالاً خاصة كافية كي تعبر عن ثقتهم بمشروعاتهم لا مشكلة البتة للحصول على التمويل الملائم لها. 2 آليات التمويل المصرفي بشروط ميسّرة او مدعومة: بالمقابل، لا تعني وفرة الاقراض للاقتصاد ان كل المؤسسات والافراد يحصلون على حاجتهم من القروض والتسليفات المصرفية. ويعود ذلك إما لخصوصية حاجاتهم كقطاعات إنتاجية او لافتقارهم كمؤسسات صغيرة الى الضمانات المقبولة مصرفيا، او لتدني مداخيلهم كأفراد ولمحدودية قدرتهم على السداد. طبعا، بالاضافة الى كل هذه الاسباب، منفردة او مجتمعة، فإن متطلبات سياسة دعم الليرة على مدى سنوات والتوسع دون حساب في الانفاق العام المموّل بالدين، على مدى سنوات، والحاجة الى رساميل قصيرة الاجل من الخارج لتمويل عجز الميزان الجاري، ايضا على مدى سنوات، بدأت كلها تفرض مع تدني معدلات التضخم بنية فوائد حقيقية مرتفعة. ومساهمة في معالجة هذا الوضع، تمت بلورة مجموعة من آليات الاقراض المتخصص التي تظل في اعتقادنا محدودة الفعالية. ذلك ان العودة الى شروط أفضل لتمويل الاقتصاد تستدعي معالجة جدية لمختلف جوانب ومستويات الازمة الاقتصادية التي أشرنا إليها. ويخشى ان يؤدي ضخ المزيد من السيولة مع غياب معالجة الازمة الى تعقيد الواقع المشكو منه لا الى حلحلته. خاصة اذا تم استعمال القروض في غير غاياتها. ومن هنا أهمية إيجاد ضوابط فعالة وصارمة. 1 آلية دعم الفوائد: بادرت الدولة عام 1997 الى اعتماد هذه الآلية في قانون موازنة العام 1997. وقد أقرت دعما قدره 5$ للفوائد المدينة على التسليفات للقطاعات الصناعية او السياحية او الزراعية وضمن سقف 3 مليارات ل.ل. وتم العمل فعلا بهذه الآلية حيث تخطى الاقراض بموجبها عدة مئات من المليارات. ونعتقد ان زيادة هذا المبلغ ممكن، علما ان حده الاقصى سيكون محكوما بالاعتمادات المفتوحة له في قوانين الموازنات السنوية، وتستطيع المؤسسات الموصوفة في التعميم ان تقترض، ضمن شروطه وفي نطاق السقوف المعتمدة، بفوائد مدينة متدنية جدا قياسا الى الفوائد المعمول بها في السوق. وقد حدد مصرف لبنان في تعميمه رقم 1880 تاريخ 2/1/2001 شروط استفادة المؤسسات من القروض وسقوف الفوائد عليها والدعم لها. بعد ان وسعت الحكومة مؤخرا التسهيلات من 5 الى 15 مليار ل.ل. والدعم من 5$ الى 7$ للمبالغ التي لا تتعدى خمسة مليارات ل.ل. او ما يعادلها بالعملات الاجنبية. وبات يشمل الاقراض أنشطة المعلوماتية وما يرتبط بها. ويجب ألا يتردد أصحاب المؤسسات العاملة في الجنوب، والتي تتطلع الى تجهيزات جديدة واستثمارات جديدة، من التقدم للحصول على هذه التسهيلات المدعومة. وينطبق الدعم ايضا على التجهيزات والاستثمارات التي أجريت بعد نيسان من العام 1997. ولكي تستفيد القروض من هذا الدعم يجب ان تتراوح مدتها بين خمسة وسبعة اعوام وان لا يستحق اكثر من 15$ منها خلال أول سنتين. 2 آلية الاقراض السكني لذوي الدخل المحدود: على ضوء تجربة السنتين الماضيتين برهنت هذه الآلية عن مدى فعاليتها في تشجيع الاقراض السكني لذوي الدخل المحدود والمتوسط، واستنادا الى البروتوكول الموقع بين جمعية المصارف والمؤسسة العامة للاسكان بتاريخ 4 أيار 1999. وكان تعميم مصرف لبنان رقم 1770 تاريخ 27/10/1999 قد أقر إعفاء بنسبة 60$ من الاحتياطي الالزامي. ويسمح ذلك لطالبي القروض السكنية بالافادة من فائدة مدينة قدرها ضمن المعطيات الحالية 36،9$ بالليرة اللبنانية (40$ من مردود سند الخزينة لسنتين مضافا اليه 5،3$) مقابل 10$ بالدولار. وحدد التعميم سقفا لاستعمال الاحتياطي الالزامي قدره 20$ لكل مصرف. ويمكن ان تصل القروض لدى القطاع بمجمله ضمن هذه الآلية الى 881 مليار ل.ل. كحد اقصى، مما يتيح الافادة لما يزيد عن 11 ألف مقترض على أساس 75 مليون ل.ل. كمتوسط لكل قرض على سبيل المثال. ويمكن لأبناء الجنوب الافادة من هذه الآلية بتقديم الطلبات مباشرة الى فروع المصارف العاملة في المنطقة. ان سقوف القروض ضمن هذه الآلية تحددت قانونا ب120 مليون ل.ل. وتسدد اصولها خلال عشر سنوات وفوائدها خلال عشر إضافية. وهي معفاة كما قروض بنك الاسكان من العديد من الرسوم. 3 آلية ضمان القروض الصغيرة والمتوسطة: كما هو معلوم فقد أنشأ القانون 24/99 شركة كفالات لتشجيع الاقراض المصرفي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ويمكن لكفالات ان تضمن القروض الموصوفة لغاية 75$. وقد جعل التعميم 1785 تاريخ 24/12/1999 والمؤسسات المؤهلة لضمانة كفالات تستفيد كذلك من آلية دعم الفوائد اذا كانت تنتمي الى القطاعات المنتجة، ولما كانت مبالغها دون ال5 مليارات (فعلا بحدود 100 مليون ل.ل. ستوسع الى 300 مليون) فإن معدل الدعم يصبح حكما 7$ بدل 5$. كما تستفيد من معدلات فوائد متدنية شبيهة بتلك التي تستفيد منها القروض السكنية للفئات المحدودة الدخل. وتعتبر هذه الآلية حيوية للمؤسسات في مناطق الجنوب ومنها المؤسسات الزراعية والافرادية. ويصعب الحصول اليوم في أي بلد في العالم على قروض بكلفة مخفوضة كالقروض الممنوحة ضمن شركة كفالات والتي ستكون بحدود 5،3$ اذا منحت بالليرة اللبنانية بما فيه رسم الضمان لكفالات. وبحدود 6$ اذا حررت القروض بالدولار الاميركي متضمنا رسم الضمان لكفالات. 4 آلية الاقراض للمؤسسات السياحية والصناعية ضمن البروتوكول مع البنك الاوروبي للاستثمار (BEI): للعلم ايضا فإن تسعة مصارف بإشراف من مصرف لبنان مكلفا من الدولة تدير قرضا حصل عليه لبنان من البنك الاوروبي للاستثمار قيمته 30 مليون يورو مخصصا لتجهيزات الفنادق خارج بيروت والمؤسسات السياحية. أما شروط الاقراض فهي ميسرة جدا اذ تستفيد عملا بالقانون وبتعاميم مصرف لبنان من دعم الفوائد عليها بنسبة 7$ لكن مبالغها تتراوح بين 50 ألف يورو و5،2 مليون. وآجال هذه القروض هي 12 سنة مع فترة سماح لسنتين. وتدير المصارف كذلك قرضا لصالح المؤسسات الصناعية موازيا (30 مليون يورو) في مبلغه وفي شروطه للقرض السياحي. ويجدر بالجنوبيين الذين لديهم مشروع ذي جدوى، التقدم من فروع المصارف المعنية لتهيئة الملف والافادة من إقراض طويل الاجل وبفوائد مخفضة جدا. 5 خطوط ائتمان برنامج تمويل التجارة العربية: للعلم ايضا أنشأت الدول العربية في اطار صندوق النقد العربي/ أبو ظبي برنامجا متخصصا في تشجيع وتمويل صادرات السلع بين الدول العربية. وتم توسيع نظامه ليشمل الصادرات ذات المنشأ العربي الى الاسواق العالمية. ويوكل صندوق النقد العربي من خلال اتفاقيات خطوط ائتمان يعقدها مع المصارف في مختلف الدول العربية الى المصارف مهمة ادارة هذا النوع من القروض. وتجدر الاشارة الى ان مصارف لبنان قد عقدت حتى الآن مع الصندوق اتفاقية 37 خط ائتمان بقيمة إجمالية تفوق 250 مليون دولار. ويمكن للمؤسسات الجنوبية النشطة في مجال التصدير الى الاسواق العربية او المتطلعة لدخول الاسواق العالمية ان تستفيد من هذه الآلية اسوة بسائر المؤسسات اللبنانية. في ظل الاوضاع الاقتصادية الصعبة السائدة واستمرار السياسات المالية والنقدية القائمة، تشكل هذه الآليات حلا للعديد من المؤسسات لتمويل أصولها الثابتة وتجهيزاتها. واذا تمت عملية الإقراض ضمن الضوابط المفترضة، فقد يكون لها مردود على سوق العمل وإنتاج السلع والخدمات. بيد ان الدعم الذي يمنح عندما يصعب او يستحيل الاقتراض من خلال آليات السوق العادية او لتوجيه الاستثمارات الى أنشطة او مناطق معينة، يجب ألا يصبح هو القاعدة حتى ولو وصل للفئات المستهدفة. ففي غياب سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة يندرج ضمنها الدعم، قد يتحول بسرعة الى عبء ثقيل على مالية الدولة التي تعاني دونه من اختلالات خطيرة.