As Safir Logo
المصدر:

الحب الممنوع وحرب الأخوة في فيلم »العاصفة« الذي يصوّر دراما التمزّق العربي فيلم سياسي اعتراضي من دون خطابة طنّانة ولا نخبوية معزولة

يسرا بين هشام سليم وحنان التركي في مشهد من العاصفة لخالد يوسف
المؤلف: ج ن التاريخ: 2001-01-20 رقم العدد:8808

أمس الأول الخميس، انطلقت العروض اللبنانية لأول فيلم روائي طويل يحقّقه المخرج والسيناريست المصري خالد يوسف، بعنوان »العاصفة«، في صالات مجمّع »بلانيت« السينمائي في »أبراج« (فرن الشباك) و»كسليك« و»سيتي كومبلاكس« (طرابلس) و»كونكورد« (فردان) و»فريواي« (سن الفيل) و»ستارغايت« (زحلة). شارك المخرج، الى جانب أربعة ممثلين هم يسرا وهشام سليم ومحمد نجاتي وهاني سلامة، في العرض الافتتاحي الذي جرى عند الثامنة مساء الخميس أيضا في صالة سينما »كونكورد«، على أن يشارك الجميع في عرض افتتاحي آخر، مساء اليوم السبت، في صالة سينما »فندق الشام« في دمشق. تزامن اطلاق العروض اللبنانية (والمصرية والأردنية) لفيلم »العاصفة«، أول روائي طويل يخرجه السينمائي المصري خالد يوسف، مع الذكرى العاشرة لاندلاع حرب الخليج الثانية. منتصف ليل 16 17 كانون الثاني الجاري، مرّت تلك الذكرى، مُعيدة الى ما تبقى من الأذهان الحيّة، صورة بائسة لإحدى أسوأ المراحل العربية، في القرن العشرين. منذ اليوم الخميس، بات يُمكن للجمهور اللبناني أن يشاهد »العاصفة«، ويستعيد معها تلك الآثار المدمّرة التي لا تزال تعتمل في الذات والروح العربيتين، فحرب الخليج الثانية لم تنته، بحسب عنوان شريط وثائقي بثّته محطة »سي أن أن« التلفزيونية الأميركية، شأنها في ذلك شأن كل الحروب التي لا تصل الى حلول جذرية لأسبابها، »تحول« دون استمرارها، في أشكال مختلفة. ابتعد خالد يوسف عن مناقشة خطابية لتلك الحرب. ارتكز على الجانب البصري والدرامي والجمالي، كي يعاين وطأة الذلّ والقهر، الناتجة عن غزو العراق للكويت، على المستوى الفردي والجماعي، من دون أن ينسى تفاصيل المآزق، المصرية والعربية، الأخرى. انطلق من »الاحتفال« الشعبي المصري بانتفاضة الحجارة في فلسطين المحتلة، التي اشتعلت في التاسع من كانون الأول 1987، مستعينا بها خلفية ما، كشفت حجم التناقض العربي: حركة جماهيرية أقرب الى ثورة من دون سلاح (الحجر، وحده، في مقاومة الجبروت الاسرائيلي)، دفاعا عن الحق الشرعي والطبيعي في الوجود على هذه الأرض، مقابل اللجوء الى منطق القوة في »حل« خلافات عربية عربية، سببه تهوّر سلطوي عربي، ازاء حساسية الشعب العربي المتشابهة. لكن، بقدر ما أوغل خالد يوسف (السيناريست والمخرج) في تشعّبات الواقع العربي المرتبك، في مصر وفلسطين المحتلة والخليج العربي، بدا غير راغب في تحقيق شريط سياسي بحت، بل عمل على إيجاد خط درامي واحد، ولو خفي، لجمع عناوين عدة، كاد الفيلم معها يعصى على التصنيف في خانة محددة: صعُب على المُشاهد تحديد نوعية »العاصفة«، الذي مزج في طياته الفنية السياسي بالاجتماعي، والرومنسي بالاقتصادي، والغنائي بالانتقادي المبطّن بسخرية مريرة، و شيء من الكوميديا الخفيفة. أعتقد أن أفضل وصف يبقى في كونه عملا جميلا، ذا بعد انساني. عناوين وقراءات بصرية انطلق خالد يوسف من لحظة عربية مرتبكة، عكست بدء تحوّلات ما في سياقها التاريخي. اندلعت انتفاضة الحجارة في فلسطين المحتلة، نتيجة تنامي المأزق السياسي التاريخي، والمقاومة اللبنانية (من دون دخول في مناقشتها المحلية) مستمرة في مقارعة الاحتلال الاسرائيلي، وصولا الى استفحال الأزمات العربية العربية، وغياب أسس واضحة وجدية لحوار حقيقي، وبروز تعنّت سلطوي عربي قاتل. من بين هذه الأزمات، شهدت نهاية الثمانينات ارتفاع حدة النزاع بين العراق ودول الخليج العربي، وتحديدا الكويت والسعودية، وهو نزاع تاريخي اقتصادي. بقيت هذه التفاصيل في خلفية العمل السينمائي. فخالد يوسف بدأ فيلمه في العام 1989، أي بعد مرور اثني عشر عاما على زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس، وبدء مفاوضات السلام المنتهية في اتفاقية كمب ديفيد. أرخت الانتفاضة الفلسطينية الأولى ظلالها على المشهد: فالطلاب الجامعيون، في »العاصفة«، متحمّسون لها، يحيون الاحتفالات الداعمة لها، ولا يتوانون عن التظاهر والاضراب، تعبيرا عن مشاركتهم القومية في شؤون »الأمة« العربية وشجونها، تماما كما حصل بعد الغزو العراقي للكويت، وإعلان الولايات المتحدة الأميركية (في لحظة ترويجها فكرة »النظام العالمي الجديد« والقطب الواحد، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين) عزمها على تحرير الامارة العربية الصغيرة من احتلال صدام حسين، بقوة السلاح المتطوّر، اعلاميا وتقنيا. لن أروي تفاصيل الحبكة الدرامية. فللفيلم جمالية خاصة لا يُمكن التمتّع بها إلاّ في مشاهدة حيّة، يحرص صاحبها على اقتفاء أثر السيناريست والمخرج في تقديم ذاته سينمائيا متميزا. أحاول هنا العثور على دلالات »الأنواع« السينمائية، التي استعان بها يوسف لبناء شريطه. ففي الجامعة (النشاط الطالبي)، نشأت قصة حب شفّافة بين الفقير ناجي (هاني سلامة) والثرية حياة (حنان التركي)، ابنة الملياردير سمير (سامي العدل)، الذي استغلّ مرحلة الانفتاح الاقتصادي، لينتقل سريعا من الفقر المدقع الى الثراء الفاحش، موغلا في قناعته »الواقعية« بقوة المال، كسلطة لا تُقاوم. ثمة تحالف بينه وبين السلطة (السياسية الأمنية)، بصداقته مع فهمي بك (سيف عبد الرحمن)، أحد كبار مسؤولي الأمن والمخابرات. قدّم خالد يوسف شخصية سمير، في قراءته النقدية المبطّنة لسياسة الانفتاح الاقتصادي، التي أساءت في جانب منها الى المجتمع المصري. ظهرت الاساءة في معاناة ناجي وعلي وأمهما، ان في سبل العيش اليومي، أو في وأد الأحلام المتواضعة، فكيف بالكبيرة. لم يتردّد الفيلم في انتقاد السلطة الاعلامية وسطوتها على »حماس« بعض العاملين فيها (تشابك المصالح، أيضا، بين الملياردير والسلطة، ونفوذه القوي في المؤسسات الرسمية). هذا البعض (حياة، مثلا) يريد نقل »الحقيقة« الى المُشاهدين. لديه نظرة »مثالية« ما عن دور الاعلام. غير أن للمسؤولين رجال السلطة موقفا مناقضا كليا. المهم أن خالد يوسف رسم أُطر هذه الصُوَر، من دون الإيغال في تفاصيلها المتشعّبة والمعقّدة، بل بتكثيف درامي مرّ بشكل عابر ومؤثّر، في وقت واحد. لوحة حِرَفية إذاً، نحن أمام لوحة مشغولة بحرفية فنية ذكية: الحب الممنوع، أو المستحيل، أدّى الى كشف التواطؤ الحاصل بين سلطتي المال والسياسة الأمن (الملياردير قادر على إرسال مجنّد الى الحرب!)، وفضح الأزمة الاقتصادية الخانقة بالنسبة الى الطبقة العاملة (لا يستطيع ناجي تأمين حدّ أدنى من المال، لاستئجار شقة متواضعة، بهدف الزواج)، مما أفضى الى خيار الهجرة (قرّر علي السفر الى العراق للعمل)، والى معاينة التمزّق الاجتماعي النفسي (تشتّت العائلة وضياع أفرادها الثلاثة في متاهة اليومي). يظهر التمزّق، أيضا، في شخصية هدى (يسرا)، والدة ناجي وعلي (محمد نجاتي): عاشت الأم قلقها وألمها (وخوفها الدائم)، من دون أن »ينتبه« إليها ولداها كإمرأة لها مشاعر وخصوصيات. فهي تحيا لأجلهما، وتكافح لسعادتهما، وتُسرف في إرهاق نفسها لحمايتهما من الوجع والذل. لعلها فشلت في مواضع معينة، لكنها كادت تقضي على أنوثتها، الى حدّ التدمير، متجاوزة (بل كابتة) مشاعرها وحاجاتها. لم تستطع أن تصمد طويلا، إثر لقائها مُدرّسا وسيما يدعى محمود (هشام سليم). دقّ »الحب« باب قلبها، مجدّدا، لكن الوقت غير مناسب، كليا: الشابان في مواجهة تحدّيات المجتمع بمآزقه الساحقة، والانقلابات غير المنطقية تدوّي في فضاء الأمة. لهدى حكاية مع الفرح الرومنسي الممزوج بمرارة القدر: اختفى زوجها حسن (عبدالله محمود) بُعيد وصول السادات الى القدس، وعاشت ذكرى حبّهما القوي، الذي لم يتشوّه بإنشغال الحبيب في العمل الفدائي، لتحرير سيناء من الاحتلال الاسرائيلي، وفي المشاركة في »معركة فلسطين«. لم يتحمّل حسن رؤية السادات وهو »يقضي«، في إسرائيل، على الذاكرة. حمل إصابته الجسدية وجرحه النفسي، وانصرف من البيت، من دون أن يودّع أحدا، ليختفي الى الأبد. لحظة انسانية رائعة: حسن أمام جهاز التلفزة، يُشاهد بغضب صامت وصول السادات الى القدس، فإذا به يحمل آلامه ويرحل، وزوجته تحتضن ولديهما، يقفون بقلق وهم ينظرون إليه مغادرا من دون كلمة. فوق التلفزيون، صورة لجمال عبد الناصر. لا ادّعاء خطابيا ولا فبركة بصرية. لحظة سينمائية جميلة في قوة تعبيرها الانساني، بكل ما حملته من أحلام مكسورة، وإحباطات مدوّية، ووجع لا يهدأ. لم تكن تلك اللحظة وحيدة في »العاصفة«: صُوَر أم كلثوم وجمال عبد الناصر في خلفية أكثر من مشهد داخل منزل هدى. مسحة حنين جارف الى زمن الأحلام الكبيرة، من دون تشبّث فاقع به، بل في محاولة درامية لفهم التحوّلات، بإعلان ناصريتها من دون تزلّف أو تصنّع. التباس النهايات كان على خالد يوسف أن يختم سياق أحداث »العاصفة« بهذا الالتباس الفاضح حجم الكارثة العربية، على مستويي الفرد والجماعة. صحيح أن المشهد الأخير عبّر عن صرخة جماعية ضد القهر والظلم، غير أن الشقيقين، ناجي وعلي، وجدا نفسيهما في مواجهة بعضهما البعض، في حرب لم يسعيا إليها، ولم يجدا فيها بعضا من رغباتهما، على الأقل. تشاركا معا، مرارا، في تقديم أغنيات (من تأليفهما وتلحينهما)، تتلاءم مع مناخ الانتفاضة الفلسطينية (والوجع العربي)، التي اعتُبرت في الوعي الشعبي المصري (والعربي) نوعا من استفاقة حيّة للجماهير. لن نعرف شيئا عنهما، لن نتوصّل الى حسم موقف هدى من علاقتها بمحمود، لن نكتشف مصير حسن، لن نحصل على أجوبة شافية. لا يريد خالد يوسف منحنا لذّة الحصول على كل شيء. حرّضنا، أو سعى، على الأقل، الى تحقيق ذلك، بإنجازه واحدا من أفضل وأجمل الأفلام السينمائية، المصرية والعربية، في السنوات القليلة الماضية. في المقابل، لا يُمكن التغاضي عن أخطاء تقنية، لم تنعكس سلبا على بنية النص وترجمته البصرية. أدرك خالد يوسف كيفية إيصال مبتغاه، مغلّفا إياه بشكل سينمائي جدّي، قادر على التعاطي، مباشرة، مع الجمهور. ألا تهدف السينما، من بين أشياء أخرى، الى الوصول الى ناسها، بأفكار صانيعها ورؤاهم المختلفة؟ أعتقد أن فيلم »العاصفة« امتلك خصوصية جمالية، استمدّها من ثنائية القراءة النقدية، المُصوّرة بلغة مبسّطة وشفّافة ومؤثرة: انتقد واقعا مصريا وعربيا، من دون خطابية ممجوجة، أو غرق في نمط نخبوي، ثقافي فكري. لعبة دقيقة، تحمل في آلية حضورها السينمائي خطورة الانزلاق في التشوّه الداخلي للصنيع الفني؛ لكنها تفوّقت، مع خالد يوسف، في تعبيرها الجمالي، عاكسة بعضا من مآزقنا. أما الأخطاء، فعابرة: تسجيل الصوت لم يتلاءم، دائما، مع حركة الصورة (مثلا، مشهد الرحلة المدرسية في الباص: صوت التصفيق الجماعي لا يتوافق مع حركة الأيدي). رمى ناجي نفسه في النيل، تعبيرا عن حبه العميق لحياة، لكنه، حين استقلّ مركبا صغيرا لحقت به الحبيبة، لم يكن مبلّلا، كما يجب. أضف الى ذلك، ظهور حبل في مؤخرة هذا المركب، وهو يسحبه، لأن هاني سلامة ناجي، الذي يُفترض به أن يجذف باتجاه الشاطئ، منشغل بالغناء. يُمكن تجنّب أخطاء كهذه، لكنها في المحصّلة الأخيرة لم تُسئ الى البناء الدرامي العام، والجماليات الفنية والثقافية. ثمة ملاحظة شخصية: لم أجد مبرّرا دراميا كافيا لشخصية الجارة المسيحية القبطية ماري (سعاد نصر). شعرت أنها مفتعلة، بعض الشيء. حاولت تبرير حضورها، برغبة الفيلم في إفساح بعض المجال لإظهار التماسك الوطني. لا أعرف، حقيقة، سبب اختيارها. حافظ خالد يوسف على منطق التكثيف البصري. لم يسترسل في مَشاهد مطوَّلة لا فائدة درامية منها، ولم يضع حوارات مملّة. اختصر السيناريو العناوين الأساسية، وربط فيما بينها، في سرد حكائي متماسك. بدا خالد يوسف وكأنّه على توافق مع ممثليه، مطلقا حريتهم في ترجمة شخصياتهم السينمائية، بما يتلاءم مع رؤيته كمخرج. ارتكز قليلا على الغناء، كما لو أنه أوجد متّسعا متواضعا من راحة نفسية يمنحها للمُشاهدين، أو ربما اعتبر الأغنية بمثابة مرآة، من نوع آخر، تعكس مزاج الشخصيات ورغباتها، أو مسار الحدث.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة